السياسة الخارجيّة لجمهوريّة إيران الإسلاميّة تجاه العراق على أساس توازن التهديد (2003 -2018)

98
  • ايوب منتي
  • ناصر هاديان
  • ترجمة: محمد إبراهيمي كاوري 
  • مركز الهدف للدراسات / قم المقدسة

 

المقدّمة

رغم أنّ سقوط النظام البعثي في العراق (2003م) قد أسرّ إيران وخلقَ فُرصاً جديدة في المنطقة لإعادة تحدید دورها الإقلیمي، إلّا أنّ ذلك الأمر قد أوجد تحدّياتٍ ذات ماهيّة عسكريّة، وسياسيّة، وأمنيّة لجمهوريّة إيران الإسلاميّة. فإنّه إضافةً إلى التحدّيات السابقة، التي كانت تهدد الأمنَ القومي الإيراني، نشأت تحدّيات أخرى، أصبحت فيما بعد مصدر قلق ومخاوف للإيرانيين، والتي یمکن تصنیفها إلى قسمين:

  • على المستوى الخارجي غير عراقي (تواجد القوات العسكريّة الأميركيّة والحديث عن اتخاذ سياسة لتغيير النظام في إيران).

2- على المستوى العراقي (مصدره القلق من ظهور حكومة موالیة لأميرکا وتفکّک العراق، وذلك بسبب مطالبة الأکراد بالإستقلال وظهور داعش).

إنّ الوجود العسکري الأميركي، بعد سقوط النظام في العراق واحتمال توجیه ضربة عسکریة لإیران، کان في صدارة مخاوف وقلق رجال الدولة الإیرانیین. فالولایات المتحدة  تمتلك جمیع عناصر التهديد بحسب (والت).

وعلاوةً على ذلك، کانت لدى السلطات الإیرانیّة نظرة سلبية ومخاوف حقيقيّة من احتلال العراق والتواجد العسکري الأميركي الواسع في هذا البلد، حيث كانت تعتبر ذلك تهديداً لكيانها. لقد أدّت هذه المخاوف إلى سعي إيران إلى إيجاد توازن مع الولايات المتّحدة والتقليص من دورها و نفوذها في هذا البلد، وذلك من خلال حضورها وتأثيرها في السياسة الداخليّة للعراق.

ولو نظرنا على المستوى العراقي، سنجد أنّ هناك مخاوف كبيرة لدى إيران أيضاً: منها تشكيل دولة علمانيّة ذات ميول قومية (عربيّة ـ عراقيّة). إذ إنّ وجود دولةٍ كهذه قد تتعرض لضغوط من قبل أميركا لتضغط بدورها على طهران وتعود إلى دورها المُهدّد السابق. ليس هذا فحسب، بل هناك مخاوف لدى إيران أيضاً بشأن تفكّك العراق، ممّا قد يكون له تأثير كبير على الأمن القومي لإيران وسلامة أراضيها. ولهذا فإنَّ استقلال كردستان العراق يمكن أن يعزّز الشعور القومي لدى أهالي كردستان إيران، ويزيد من نزعتهم القوميّة في المستقبل. ولا تقف المخاوف عند هذا الحد، إذ أنّه، نتيجةً لانهيار البلد وتفكّكه، قد تتشكّل دولة سُنّيّة وسط العراق تصبح معقلاً للقوميين العرب والإسلاميين المتطرّفين السُنّة، الذين يرفعون شعارات معادية لإيران. وقد كانت هناك واقعتان قد جسّدتا تلك المخاوف، أولاهما ظهور تنظيم داعش في عام 2014 وتشكيله الخلافة في أجزاء واسعة من أراضي العراق، وثانيتهما مطالبة الأكراد بالاستقلال من خلال إجراء الاستفتاء. وأمّا تنظيم داعش، ونظراً لنزعاته المعادية للشيعة ونواياه العدوانيّة تجاه إيران، فإنّه كان يُعدُّ تحدّياً أمنيّاً هائلاً لإيران وحلفائها في العراق. فلو كان مشروع الخلافة الداعشيّة قد تعاظم، لفشلت المساعي الإيرانيّة في إقامة دولة صديقة وحليفة لإيران في العراق فشلاً ذريعاً.

والسؤال الرئيسي في هذه المقالة هو: ما هي الأهداف التي تسعى إليها الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة في سياستها الخارجيّة تجاه التطوّرات الداخليّة في العراق بعد سقوط صدّام؟ يرى الكاتب أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، ومن أجل القضاء على التهديدات المحيطة بها، تريد، من خلال سياستها الخارجيّة، الحفاظ على وحدة الأراضي العراقيّة بكاملها، وذلك من خلال دعم حكومة صديقة وموحّدة في هذا البلد، ولاشك أنّ لهذه الستراتيجيّة جذور في المخاوف الأمنيّة للجمهوريّة الإسلاميّة في إيران.

يرتكز الكاتب على الأسلوب الوصفي التحليلي، وبعد مناقشته الإطار النظري، يتطّرق إلى التهديدات الناشئة ضدّ أمن إيران ومصالحها الوطنيّة على المستويين العراقي وغير العراقي.

الإطار النظري

إنّ  إحدى رؤى السیاسة الخارجیّة  بعد سنة 2003م تجاه العراق، هي نظريّة  توازن التهدید، مع شیءٍ من التعدیل. یعتبر ستیفن والت، وهو أحد أهمّ منظّري الواقعیّة الدفاعیّة،       أنّ أهم عناصر نظریّة والت هي کما یلي:

  1. إنّ الدول لا تستجیب للقدرة، وإنّما تستجيب للتهديد.
  2. مستوى التهديد: إنّ المستوى النهائي للتهديد يتأثّر بالقوّة الهائلة والقرب الجغرافي والقوّة الهجوميّة والنوايا العدوانيّة.
  3. استجابة الدول للتهديدات: وهي إمّا أن تكون عن طريق تشكيل التحالفات، أو السير في ركب الدولة المهدِّدة ومتابعتها.
  4. الآيديولوجيّة الموحّدة: إنّ المساعدات الإقتصاديّة والعسكريّة الواسعة، والمستوى العالي من النفوذ والضغط السياسي، من العناصر المؤثّرة في تكوين تحالفٍ ضدّ الحكومة المُهدِّدة. إذ ترى نظريّة توازن القوى أن تتّحد الحكومات ضدّ أقوى حكومة في النظام الدولي، إلّا أنّ نظريّة توازن التهديد ترى اتحاد الحكومات ضدّ الحكومة الأكثر تهديداً. إذن، قد تجيب النظريّة الثانية عن هذا السؤال: لماذا تحقّق دولةٌ ما توازناً ضدّ دولةٍ أخرى هي ليست بالضرورة الأقوى ولكنّها الأكثر تهديداً؟ (Walt, 1987: 5-7).

يرى والت أنّ القوّة، وإن كانت عنصراً مهمّاً، ليست كلّ شيء، والأصحّ أن نقول: إنّ الدول تشكّل ائتلافاً مع دولةٍ ما أو ضدّها، تُعتبر أكبر تهديدٍ لها (Walt, 1987: 21).

لا يرى والت أنّ نظريّة توازن القوى نظريّة خاطئة، وإنّما يراها ناقصة؛ لأنّ القوّة ليست العامل الوحيد، أو العامل الأكثر أهميّة في تشكيل الموازنة، بل هي واحدٌ من العوامل المؤثِّرة.  فمستوى التهديد يتأثّر بالقدرة المتراكمة والقرب الجغرافي والقوّة الهجومية والنوايا العدوانيّة.

لقد طرح والت في بداية كتابه (جذور الائتلافات) هذا السؤال: ما هي نوعيّة التهديدات التي تطلب الدول على إثرها المساعدة من الدول الأخرى؟  (Walt, 1987: 3). كما يمكن طرح السؤال بهذه الطريقة أيضاً: ماهي العناصر التي تهدّد دولةً ما؟

يذكر والت أربعة مصادر للتهديد (Walt, 1990: 21–26)، هي كما يلي:

القوّة الهائلة: وتعني الموارد العامّة للدولة، وتشمل السکّان والقدرات الصناعیّة العسکریّة والقدرة التکنولوجیّة. وکلّما زادت القوّة الجماهیریّة لبلدٍ ما، زاد التهدید الذي تشکّله للدول الأخرى (Walt, 1985: 9)

القرب الجغرافي: یطلق هذا المصطلح على المسافة الإقلیمیّة بین المتنافسین المحتملین. وکلّما زادت المسافة، زادت محدودیّة ممارسة القوّة، وبالتالي زاد الحدّ من التهدید المحتمل. وبعبارة أخرى، یربط والت القدرة على التهدید بالبعد الجغرافي للدولة المهدِّدة (Walt 1990:23).

القوة الهجوميّة: وتعني مقدار القدرات الهجوميّة، فكلّما زادت القوة الهجوميّة، ارتفع مستوى تهديد الدول. وترتبط القدرة الهجوميّة ارتباطاً وثيقاً بالقدرات الهائلة والقرب الجغرافي (Walt 1990: 24).

النوايا العدوانيّة: ويُقصد بها كيفيّة رؤية وتصوّر الحكومات للعدو المحتمل. إنّ تغيير النوايا الهجوميّة هو جزءٌ من نظريّة (ستيفن والت)، حيث تبعده من النزعة المادّية وتستحضر المقاربات الدلاليّة البنائيّة، والتي تنبع من مفهوم التهديد، والتي قد تكون أكبر من الفكرة الدلاليّة (Walt 1990: 25–26).

وخلافاً لنظريّة الواقعيّة الهجوميّة لتحليل سياسة إيران الخارجيّة في العراق، يمكن تحليل سياسة إيران في إطار الواقعيّة الدفاعيّة، لاسيّما نظريّة توازن التهديد بطريقة أفضل. وكما ذكرنا، فإنّ إيران – شاءت أم أبت – معنيّةٌ بالأمر ليس فقط على المستوى غير العراقي المتمثّل بالاحتلال الأميركي للعراق وسياسة تغيير النظام في عهد إدارة بوش، وإنّما على مستوى الداخل العراقي، كتفكّك العراق الذي يُعتبر تحدّياً عظيماً لإيران، وغيرها من التهديدات المحتملة والفعليّة المتقدّمة الذكر.

تتمثّل الستراتيجيّة الرئيسة لسياسة إيران الخارجيّة في الحفاظ على وحدة الأراضي العراقيّة من خلال تقديم الدعم لحكومة صديقة وحليفة في بغداد، باعتبار انّ مساندة ودعم حكومةٍ كهذه لا يقلّل من نفوذ أميركا فحسب، وإنمّا يُفشل المخطّطات والمؤامرات التي تحوكها أميركا بالتنسيق مع حکومةٍ عمیلة ضدّ إيران، مضافاً إلى أنّه يزيل قلقَ إيران ومخاوفها من تفكّك العراق ويمهّد الأرضيّة لبناء فصلٍ جديد من العلاقات الحسنة بين البلدين.

التهديد الخارجي (غير العراقي)

إحدى مخاوف إيران من الهجوم الأمريكي على العراق هو تواجد القوات الأميركيّة      بالقرب من حدودها، فقد كانت الولايات المتّحدة  تمتلك  جميع عناصر التهديد حسب رؤية والت، بما في ذلك القوّة المكثّفة والقرب الجغرافي (التواجد العسكري الكبير في العراق)،  والقوّة الهجوميّة والنوايا العدوانيّة تجاه إيران. وسنحاول دراسة السياسة الخارجيّة الأميركيّة تجاه  إيران خلال هذه السنوات، وجهود الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة لإيجاد حالة التوازن وتقليص دور الولايات المتّحدة في ذلك البلد. ومع وصول المحافظين الجدد إلى سُلّم الحكم في البيت الأبيض، وخلافاً لإدارة كلنتون التي  اتّخذت موقفاً ليّناً منذ يوليو2000، فقد اتّخذت إدارة بوش، ومنذ لحظة دخوله البيت الأبيض، خطواتٍ صارمة ضدّ إيران واعتبرتها حكومةً طاغية (Kamrava,2008: 4).

لقد أصبحت سياسة وآيديولوجيّة إدارة بوش العدوانيّة، التي اتّخذت بعد الحادي عشر من سبتمبر طابعاً عمليّاً في أفغانستان ولاحقاً في العراق، مصدر قلق  للمسؤولين  في طهران.

ورغم الإجراءات العديدة التي اتّخذتها  إيران  منذ الحادي عشر من سبتمبر، بما في ذلك الإدانة الصريحة للأعمال الإرهابيّة وفي الوقت نفسه إدانة الغزو الأميركي لأفغانستان والتأكيد على محوريّة الأمم المتّحدة في محاربة الإرهاب، إضافةً إلى دعمها للوساطة الأوربّيّة في أفغانستان، وحتّى مساعدة القوّات الدولية التي كانت تقودها الولايات المتحدة في حرب أفغانستان ضدّ طالبان وعمليّة إعادة بناء أفغانستان من بون إلى طوكيو وما إلى ذلك من السياسات الدبلوماسيّة، إلّا أنّ مسؤولي البيت الأبيض اعتبروا إيران محور الشرّ (غراياق زندي: 1390: 254-255).  وإضافةً إلى المواقف المذكورة، فقد طُرحت في الأوساط السياسيّة والجامعيّة في أميركا مناقشاتٌ حول خطّة الشرق الأوسط الكبير، التي خلقت سوء ظن وشكوك لدى دول المنطقة حول سياسات الولايات المتّحدة  في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من التصريحات التي اتّسمت بالشدة من قِبل مسؤولي البيت الأبيض واعتبار إيران محور الشر، إلّا أنّ سياسة هذه الحكومة لم تكن متماسكة في السنة الأولى تجاه إيران ولم تتّضح السياسة التي ستتخذها هذه الإدارة المحافظة في المستقبل، إلّا أنّها وبعد مهاجمة العراق في مارس/آذار 2003 م، والتقدّم السريع الذي أحرزته القوّات الأميركيّة في الأشهر الأولى وسقوط بغداد، كلّ ذلك أدّى إلى اتّباعها سياسة تغيير النظام في إيران.

وعلى الرغم من أنّ الإدارة الأميركيّة لم تصرّح بستراتيجيّتها في هذا المجال، إلّا أنّ عدداً من كبار المتنفّذين في واشنطن صدرت منهم تصريحات حول قضايا تتعلّق بتغيير النظام في إيران. وهنا، يمكن الإشارة إلى الكتاب المشترك لـِ ( برال و فروم) تحت عنوان “نهاية الشر: كيف نستطيع التغلب على الإرهاب“، حيث جاء فيه: إنّ المشكلة تكمن في إيران وتتعدى قضية السلاح؛ لأنّ  النظام الحاكم إرهابي ويجب القضاء عليه، وليس التفتيش عن الأسلحة (Kamrava, 2008: 5).

في الأسابيع  القليلة الأولى وبعد السقوط السريع لبغداد، شعرَ القادة الإيرانيّون بالخطر؛ إذ وجدت إيران نفسَها محاصرةً من قِبل أميركا، حيث تحدّث بعض القادة الأميركيّين عن سياسة تغيير النظام في إيران. وقد أشارَ حسن دانايي فر، سفير إيران السابق لدى العراق إلى هذا الأمر قائلاً: من الطبيعي أن نكون قلقين إزاء الحضور العسكري الأميركي في الخليج الفارسي، وإقامة قواعد في أفغانستان والعراق. ولا يمكن القول إنّنا لسنا قلقين بشأن تواجد الأميركان في المنطقة، وقد قلنا هذا مراراً لأصدقائنا العراقيين: إنّ الحضور الأميركي في أراضيهم يتعارض والعلاقات الودّية التي تربطنا ببعض منذ سنين. (مقابلة خاصة مع دانايي فر، 1379) لذلك، ورغم الموقف المحايد لإيران إزاء الحرب، إلّا أنّ إيران لم تكن مسرورة من احتلال العراق؛ لأنّ الوجود الأميركي  في الخليج الفارسي، والتغلغل في آسيا الوسطى واحتلال أفغانستان، ثمّ غزو العراق يعرّض أمن إيران إلى الخطر. (جوادي أرجمند،1392 :233 ).

بعد هزيمة الجيش العراقي وبداية العمليّة السياسيّة في هذا البلد، لَجأت إيران الى سياسة فعّالة ونشطة في جميع الاتّجاهات السياسيّة، وفي هذا الإطار كانت إيران تنتقد الاحتلال الأميركي للعراق على الدوام، وتدعم إجراء انتخابات وتشكيل حكومة مبنيّة على إرادة  الشعب العراقي، وكانت إيران أوّل دولة تعترف بمجلس الحكم العراقي وقد أرسلت أوّل وفد سياسي خاص، بعد سقوط صدّام، ليلتقي بأعضاء المجلس (أمير عبد اللهيان، 1388 :47).                                          ومن جانب آخر، فإنّ إيران، مع معارضتها للاحتلال الأميركي للعراق، قد رحّبت بعمل المنظّمات العراقيّة الصديقة لها مع أميركا، وذلك ضمن النظام السياسي المدعوم من الشعب العراقي. (Fishman and Felter, 2008: 27)

هذا ويمكن إيران تحقيق غاياتها من خلال الانتخابات (في العراق) وصعود الأحزاب الشيعيّة  إلى السلطة، وذلك عن طريق دعم الأغلبيّة من سكّان هذا البلد، إلى جانب القوى السياسيّة الكرديّة المقرّبة من إيران. ومن هذا المنطلق، كانت إيران من الدول السبّاقة في الاعتراف  بالحكومة العراقيّة، في حين أنّ دول المنطقة وحلفاء أميركا كالسعوديّة وقطر والإمارات، تحاشت افتتاح سفاراتها ولم تبعث سفراءها إلى هذا البلد. وبعد تشكيل الحكومة العراقيّة، قام رئيس الجمهوريّة الإيراني ووزير الخارجيّة بزيارة العراق. (سعيد الإيرواني 1387: 9).  وفي هذا الإطار، ومع انتخابات 2005 م، فاز الائتلاف العراقي الموحّد بأغلبيّة الأصوات وشكّل حكومة ائتلافيّة مع القوى السياسيّة الكرديّة ممّا أدّى إلى خلق علاقة حسنة مع إيران. مما دفع الأميركان إلى تشويه الحقائق أمام الشعب العراقي، فقد أورد تقرير وزارة الخزانة الأميركية في 25 أكتوبر/ تشرين الأوّل 2007م، مدعيا فيه بأنّ فيلق القدس يقدّم دعماً على شكل أسلحة وتدريب وتمويل لمليشيات شيعيّة عراقيّة خاصّة لقتل القوّات العراقیّة والمواطنین الأبریاء (Alfone, 2007) وقال الکاتب الأميركي “کیغان” حول الدعم الذي تقدّمه إیران ضدّ القوّات الأميرکیّة عام 2007م: قدّر المسؤولون العسکریّون الأميرکيّون أنّ فیلق القدس، ومنذ عام 2003، یقدّم شهریّاً ما قیمته 750 ألف دولار إلى 3 ملایین دولار من المعدات والموارد المالیة لمجموعاتٍ خاصة (Kagan, 2007:5).

ومن أجل إظهار حسن نوایا  إیران والتزامها تجاه استتباب الأمن في العراق وإزالة قلق أميرکا، قامت إيران عام 2007 بأربع جولات من المحادثات حول القضایا الأمنیّة مع الولایات المتحدة الأميرکیّة. وعلى الرغم من التطوّرات وغرق أميرکا في قضایا العراق، واستحالة تنفيذ سيناريو الضربة العسكريّة وتغيير النظام في إيران في ولاية بوش الثانية، غير أنّ قلق إيران كان يعود إلى تواجد القوات الأميركيّة في هذا البلد.

وفي أثناء الاتّفاق الأمني لحكومة نوري المالكي مع الولايات المتّحدة، كانت لدى إيران ملاحظات هامّة حول مستقبل القوّات الأميركيّة في العراق. وكان الائتلاف الموحّد بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي يرى أنّ الإتفاقيّة تتناسب مع مصالح العراق. وفي نوفمبر 2008، وَقَّعَ الاتفاقية، لكنّه حاول أن يضمن مخاوف إيران فيها، ومنها عدم استخدام العراق قاعدةً لمهاجمة دول أخرى، في إشارة إلى إيران (المادّة 27 من الاتفاقيّة)، وبناءً على ذلك تمّ تعيين جدول زمني لانسحاب القوّات الأميركيّة من العراق (يزدان فام، 2011 :170-172).

وقد أيّدَ حسن داناي فر سفير إيران السابق في العراق، إدراج ملاحظات إيران على الاتفاقيّة الأمنيّة قائلا: نعم، إنّ ذلك البند المدرج في الإتفاقيّة الأمنيّة، كان اقتراحاً إيرانيّاً، ومن الطبيعي أن تكون لدينا مخاوف. انظروا إلى الفترة التي كانت فيها المعارضة العراقيّة تحارب نظام صدّام حسين، فلم تشاهدوا أميركا أو أيّة دولة أوروبّيّة أو عربيّة، ماعدا سوريا، تسمح لهم بالدخول إلى أراضيها، بينما كان أكثر هؤلاء المعارضين، سواءٌ قبل الثورة أو بعدها، يدخلون إيران، حیث کان هناك تعلیم وتنظیم وقواعد وبدعمٍ إیراني، ومن هذا المنطلق کانت علاقتهم بنا جیدةً جداً وكانت علاقةً خاصّة للغاية. وممّا لا شكّ فیه أنّهم كانوا يتفهّمون قلقنا ويعملون به في محادثاتهم (دانائي فر، 1379: مقابلة خاصّة).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التهديدات على الصعيد العراقي

لقد واجهت إيران بعد عام 2003م تهديدات عدّة، بما في ذلك عودة ظهور حكومة مُعادية مُهدِّدة أو عميلة لأميركا في بغداد، هذا إضافةً إلى مسألة تفكّك العراق.

ولذا سيكون نقاشنا في البدء على الصعيد الوطني العراقي، نظراً لقرب العراق الجغرافي، وقدرته الاقتصاديّة والعسكريّة المحتملة، والنوايا العدوانيّة لدى بعض قادته وعناصر الحكومة السابقة. لقد كان هذا البلد مصدرَ تهديدٍ أمني خطير لإيران دائماً، حيث يمتلك الكثير من مؤهّلات التهديد من وجهة نظر والت.

كان أحد الأهداف الرئيسيّة للسياسة الخارجيّة الإيرانيّة بعد عام 2003 م، هو منع عودة تكوين حكومة مُهدِّدة وعميلة لأميركا كما كانت في الماضي، ويتمّ ذلك من خلال دعم حكومة صديقة في بغداد. وقد كان لإيران في هذا المجال حضورٌ مؤثّر على الساحة العراقيّة، حيث حاولت منذ البداية تسليم السلطة من أيدي قوّات التحالف إلى حكومة منتخَبة من قِبل الشعب العراقي، وقد لعبت دوراً بارزاً في تقريب الأحزاب والكُتل السياسيّة الشيعيّة والكرديّة من بعضها الآخر، وتعزيز مكانتها  في انتخابات عام 2005م. وقد أكّد  حسن كاظمي قُمّي سفير إيران السابق في العراق ذلك بقوله: “في تلك المرحلة كان الهدف هو التقليل من النفوذ الأميركي وتشكيل حكومة متّحدة وصديقة في بغداد، ليس لها مواقف عدائيّة مع إيران كما كانت في الماضي، وتتفهّم التهديد والمخاوف الأمنيّة الإيرانيّة من تواجد القوّات الأميركيّة في العراق. كانت هذه هي أهم الأهداف السياسيّة للسياسة الخارجيّة الإيرانيّة في التفاعل مع مختلف القوى السياسيّة العراقيّة والحضور الفعّال في المعادلات السياسيّة لهذا البلد. (كاظمي قمّي، 1397: مقابلة خاصّة).

إنّ أهميّة هذا الهدف الستراتيجي تنبع من أنّ أميركا كانت تسعى دائماً إلى الحدّ من نفوذ إيران، وذلك من خلال إشراك النُخب السُنّيّة والعلمانيّين الشيعة المعارضين. علما أنّ هذه النُخب تميل إلى القوميّة العربيّة والإسلام السُنّي، وتحمل مواقف غير ودّية تجاه سياسة إيران في العراق، كما تبرز مخاوفها من ازدياد نفوذ إيران بين الشيعة. وقد تضمّنت هذه التيّارات أطيافاً واسعة، منها الحزب الإسلامي السُنّي في العراق الذي يحمل نزعات الإسلام السُنّي، وقد كان ممثّلاً للعرب السُنّة في الساحة السياسيّة من خلال جبهة التوافق بين الأعوام 2006 إلى2010، إضافةً إلى التيّار القومي العلماني المتمثّل في جبهة الحوار الوطني وتكتّلات القوميّين العرب وأعوان البعثيّين (Al-Qarawe, 2014).

كما يمكن الإشارة إلى ائتلاف العراقيّة بزعامة أيّاد علّاوي وشخصيّات وطنيّة عراقيّة كانت لها مناصب رفيعة المستوى إبان تشكيل الحكومة العراقيّة الجديدة، وكمثالٍ على ذلك، نذكر ما صرّح به وزير الدفاع المؤقّت (حازم الشعلان) في يوليو2004، بأنّ إيران لاتزال العدو الأوّل لبلاده، وأنّها تدعم الإرهاب وتُدخل الأعداءَ إلى العراق، وأنّه يرى تَدخُّلَ إيران العلني في العراق، متّهماً إيّاها بالعمل على تقويض الديمقراطيّة في العراق. كما اتّهمَ الشعلان إيران بإرسال العتاد والسلاح إلى المقاتلين الشيعة في النجف وذلك أثناء اشتباك أنصار “مقتدى الصدر ” مع القوّات الأميركيّة. وقد نفت إيران هذه المزاعم بأسرها ووصفت الشعلان بالعميل لأميركا.

كما أنّ (غازي الياور) رئيس الجمهوريّة المؤقت و(أياد علّاوي)، في الأعوام 2004 و2005 والأعوام التي تلتها بعد 2010، أظهرا مخاوفهما من التواجد الإيراني في العراق،  فقد اتّهم الياور إيران بأنّها تدعم شخصيّات وأحزاب مقرّبة منها من الناحية الماليّة في الانتخابات، وذلك من أجل إيجاد حكومة شيعيّة مشابهة لحكومة إيران (Crisis Group Middle East Report, 2005: 1-5)

ولذا، يمكن القول إنّ الدعمَ الإيراني للائتلاف الموحّد والأحزاب الكرديّة كان من باب الخيار الأفضل لها في مقابل القوى القوميّة والعلمانيّة أو الجماعات السُنّيّة، وذلك أنّ هؤلاء الفرقاء لديهم مواقف معارضة تجاه إيران. هذا من جهة، ومن جهةٍ  أخرى كانت إيران قلقة  خلال هذه الفترة الانتقاليّة من وصول القوى العلمانيّة الموالية لأميركا إلى دفّة الحكم وترسيخ مكانتها في النسيج السياسي العراقي.

إنّ وصول حكومة صديقة وحليفة لإيران ، ولأول مرّة في تاريخ العراق وبأغلبية شيعية إلى سُدة السلطة ، مهّدَ الأرضيةَ   المناسبةَ لتمتين العلاقات مع العراق وذلك في أبعاد مختلفة. وفي عام 2007 وبعد أربعين عاماً، زار الرئيسُ الإيراني العراقَ وسط أجواء من  التفاؤل والثقة بين قادة البلدين. وبعدها، جرى تبادل الزيارات على مستوىً رفيع بين البلدين، منها زيارة وزير الخارجيّة الإيراني ورئيس البرلمان العراقي، وقد تمّ التأكيد على توطيد العلاقات بين البلدين. وخلال زيارة الرئيس أحمدي نجاد إلى العراق ـ إضافةً إلى ترسيخ العلاقات وتوسيعها ـ فقد أُبرمت اتفاقيّات سياسيّة واقتصاديّة وأمنيّة بين البلدين. (دهقان، 1389: 30). وفي فترتي ولاية المالكي لرئاسة الوزراء، إلى جانب بعض الاختلافات المحدودة، تطوّرت العلاقات بين البلدين بشكلٍ فعّال وفي مجالات مختلفة، لاسيّما الاقتصاديّة. وبحلول يناير/كانون الثاني 2010، وقّعت الحكومتان أكثر من 100 اتفاقيّة تعاون بين البلدين. ولأوّل مرة وبعد مرور خمسين عاماً من القطيعة، أصبح العراق صديقاً لإيران لا عدوّاً (اسفندياري وطباطبائي، 2015: 4-6).

وفي فترة ولاية حيدر العبادي، ونظراٌ للدعم السياسيّ والعسكري والاستخباراتي الذي قدّمته إيران من أجل هزيمة داعش وعمليّات تحرير المدن العراقية من هذه المجموعة الإرهابيّة التي احتلّت جزءاً كبيراً من الأراضي العراقيّة، كانت علاقات إيران قوّية ومحكمة مع بغداد. وفي قضيّة الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان، قامت إيران بدورٍ بارز وآزرت الكُتلَ السياسيّة الصديقة، حيث اُعتُبرَت إيران حليفاً ستراتيجيّاً موثوقاً به لدى حكومة بغداد .

وبعد انتخابات 2018م، ووصول عادل عبد المهدي إلى سدّة الحكم، استمرَّ هذا التعاون على أفضل ما يكون وبمستوياتٍ عالية. وبعد خروج أميركا من المعاهدة النوويّة وفرضها عقوباتٍ صارمة على إيران، قام الرئيس الإيراني حسن روحاني في 13 مارس/ 2019م بزيارةٍ إلى العراق استغرقت ثلاثة أيام. وجاءت هذه الزيارة  لتكون تتويجاً لتطوّر العلاقات  مع إحدى أهم دول الجوار في مختلف المجالات بدءاً من السياسة وانتهاءاً  بالاقتصاد، ومن الثقافة إلى الروابط الاجتماعيّة، رغم جميع المحاولات التي قامت بها أميركا والسعوديّة لتقليص الحضور الإيراني في المنطقة، لاسيّما في العراق .

وعلى صعيد العلاقات الاقتصاديّة بين البلدين وبعد ظهور العراق الجديد، بدأت إيران والعراق بالتعاون في هذا المجال، وقد ازدادت سرعة هذا التعاون بعد فرض العقوبات على إيران عام 2011. ونظراً إلى تصعيد العقوبات عليها، حاولت إيران  استبدال شركائها التجاريّين  التقليديّين في المنطقة (تركيا والإمارات العربيّة المتحدة) بالعراق الذي أصبح أحد  الشركاء التجاريّين الخمسة الرئيسيّين لإيران (اسفندياري وطباطبائي، 2015: 4-6).

ووفقاً للتقریر التحلیلي لوکالة أنباء فارس عام 2018،  أنّ ( 17 بالمئة) من صادرات إيران منذ سنة 1988 إلى سنة 1996 م،  كانت إلى العراق حيث، تُعدّ إيران ثاني أكبر شريك تجاري في هذا المجال بعد الصين. وتشير إحصائيّات هذا العام أيضاً إلى أنّ صادرات إيران إلى العراق قد بلغت في الأشهر العشرة الأولى من هذا العام 5\7 مليار دولار، أي أكثر من إجمالي صادرات إيران إلى هذا البلد في العام الماضي. ومن جهة اُخرى وطبقاً للإحصائيّات الدوليّة، فقد كان العراق في الفترة ما بين 2007 إلى 2018، ثاني أكبر مستوردٍ للبضائع الإيرانيّة، حيث بلغت الواردات 7.5 مليار دولار. غير أنّنا اذا أردنا أن نقارن حجم الصادرات التركيّة والإيرانيّة منذ عام 2007 إلى 2018، لوجدنا أنّ تركيا، ورغم أنّها تمتلك منفذاً حدوديّاً واحداً مع العراق، استطاعت أن تصدّر في هذه الفترة أكثر من 3 ميليارات دولار إلى هذا البلد، في حين أنّ إيران تمتلك 15 منفذاً حدوديّاً مع العراق (وكالة أنباء فارس، 5، مارس/آذار، 2019).

ذكر محمد رضا مودودي مسؤول منظّمة تنمية التصدير في مقابلة له مع وكالة تسنيم: أنّ متوسط ثمن السلع الإيرانيّة المصدّرة إلى العراق في عام 2018، بلغ 360 دولار إزاء الطن  في حين أن سعر الطن  من الصادرات الإيرانيّة إلى العراق 500 دولار. كما أشار إلى أنّ رجال الأعمال استطاعوا  في العام 2018م،  أن يزيدوا (50 بالمئة) من السلع ذات القيمة المضافة إلى العراق. ونقلاً عنه، فإنّ سهم العراق في التجارة ازداد50 بالمئة، واستطاعت إيران أن تحصل على 29 بالمئة من حصّة السوق العراقيّة في عام 2018 (وكالة أنباء تسنيم). وهذا خير دليل على أنّ العراق، في عام 2018، كان أكبر مستورد للمنتجات والبضائع الإيرانيّة بعد الصين. أمّا من حيث تنوّع البضائع المستوردة من قِبل العراق، كانت إيران تحتلّ المقام الأوّل بين الدول، وقد سجّلت 9 ميليارات دولار في الصادرات الإيرانيّة إلى العراق. وعلاوة على ما ذُكر، فإنّ البلدين يتعاونان في مجالات الكهرباء والغاز والنفط والسياحة العلاجيّة. وفي مجال الطاقة، واجه التعاون بين البلدين لاسيّما بعد خروج أميركا من الاتفاق النووي تحدّيّاتٍ كثيرة، والآن أصبحت الضغوط والعقوبات الأميركية عقبةً خطيرة أمام العلاقات الاقتصاديّة بين البلدين، خصوصاً في مجال العُملة والعلاقات المصرفيّة. وخلال هذه الفترة، كان لضغوط واشنطن أثرٌ سلبي وخطير على هذه العلاقة، فقد أقدمت أميركا على تحديد العلاقات الاقتصاديّة بين العراق وإيران من خلال منعها من التعامل بالعملة الصعبة والسعي إلى الخفض من واردات الغاز والكهرباء من إيران تدريجيّاً.

وفي هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى لقاء وزير الطاقة الأميركي “إريك بيري” مع قادة الحكومة الجديدة في العراق، والذي دعا فيه إلى زيادة إنتاج النفط وتصديره إلى تركيا. وقد نقل الوزير رسالة ترامب الصارمة إلى الحكومة العراقيّة بأنّ الولايات المتّحدة جادة في العزم على التقليل من اعتماد العراق على الطاقة الإيرانيّة للتقليص من نفوذها في العراق. وفي هذا المجال، حثّت الولايات المتّحدة الحكومة العراقيّة على زيادة صادراتها النفطيّة وزيادة إنتاج الكهرباء المحلّيّة، وتقليص استهلاك الغاز حتّى لا تعتمد على إيران في هذا المجال. كما طالب وزيرُ الطاقة الأميركي الجانبَ العراقي بزيادة الشراكة والتعاون مع الشركات الأميركيّة (www.energy.gov, 2018).

 

 

 

التهديدات الناجمة عن تجزئة العراق

كان الحفاظ على وحدة الأراضي العراقيّة بصورةٍ كاملة جزءاً من الستراتيجيّة الرئيسيّة للسياسة الخارجيّة الإيرانيّة تجاه العراق. ومع ظهور داعش والاستفتاء على الاستقلال في إقليم كردستان، واجهت إيران تحدّياً في هذا المجال. وسنناقش تهديد داعش وردّ فعل إيران، ثمّ بعدها نناقش مطالب استقلال إقليم كردستان عن العراق.

إنّ تشكيل حكومة سنية في المناطق الوسطى من العراق مع ظهور داعش  هيأ الأرضية لانهيار العراق. وقد تكون هذه الدولة قاعدة للقوميين العرب والمتطرفين من السنة المعروفين بنهجهم العدائي لإيران.  كما أن داعش، ونظراً لمُيولها المعادية للشيعة والنوايا العدائية لإيران والقرب الجغرافي والقوة العسكرية والهجومية كانت تعتبر تحدياً حقيقياً لإيران وحلفائها في العراق، منهم الأكراد والشيعة والحكومة الحليفة في بغداد. وفي حال توطيد خلافة داعش، فإن المشروع برمته، ـ تكوين حكومة  صديقة وحليفة والحفاظ على كامل الأراضي العراقية ـ سيواجه بالفشل الذريع ، فأقدمت إيران على تشكيل ائتلاف بين إقليم كردستان والحكومة العراقية من أجل إيجاد موازنة لمواجهة المخاوف المشتركة .

 

  1. ظهور داعش وخطر انهيار العراق

إنّ ظهور داعش والتقدّم المذهل الذي أحرزته عام 2014 م، في مناطق مختلفة من العراق، عرّضَ كاملَ الأراضي العراقيّة إلى خطر جادّ. إنّ داعش، ومن خلال الأسلحة المتطوّرة والمساعدات اللوجستيّة والعسكريّة التي حصلت عليها من دول المنطقة، استطاعت أن تَتَسَلّلَ وبسرعة إلى عمق الأراضي العراقيّة و السوريّة، فسيطرت على أراضٍ واسعة، ممّا جعل الحكومة  الشيعيّة في العراق وسورية على حافّة الإنهيار، وبهذا تعرَّضَ محورُ المقاومة إلى الانهيار والتهديد. ومع هجوم داعش على مناطق مختلفة من العراق، اندلعت فتنة التفرقة والخلافات الطائفيّة، وازدادت الضغوط الدبلوماسيّة على الشيعة والسياسة الخارجيّة الإيرانيّة، ومع المذابح العامّة غير المسبوقة التي راح ضحيّتها الكثير من الشيعة في العراق، أصبحت التهديدات الأمنيّة للمصالح الإيرانيّة بارزة  وواضحة.

يرى محمد جواد ظريف وزير الخارجيّة الإيراني أنّ داعش نتاج أمرين:

1-الغزو الأميركي للعراق وحضور القوّات الأجنبيّة التي أوجدت قوّة دافعة للتصدي والمقاومة.

2ـ الشعور بوجود خلل في التوازن لبعض دول المنطقة وذلك بعد سقوط صدام، والسعي إلى تغيير الوضع الراهن (اسفندياري وطباطبائي، 2015: 6).

ومع الزحف الذي حقّقه تنظيم داعش وتناقل الأخبار حول الهجوم على بغداد، ازدادت مخاوف إيران من عودة الجماعات الجهاديّة – بالتعاون مع البعثيّين- إلى السلطة أو تقسيم هذا البلد. ومنذ البداية، لم تتردّد إيران في مساعدة القوّات الكرديّة والعراقيّة لمحاربة داعش، وشجّعتها بحيويّة ونشاط على محاربة هذا التنظيم، رغم أنّ القوى السياسيّة الكرديّة، لاسيّما الحزب الديمقراطي الكردستاني والقوّات الإسلاميّة الكرديّة، كانت قد عارضت محاربة داعش في بداية الأمر، وقد أعلن ذلك صراحةً القادة السياسيّون قائلين: إنّنا لن نتدخّل في الحرب الطائفيّة تحت راية محاربة الإرهاب. غير أنّهم، وبعد أن هاجمت داعش العديد من المدن الكرديّة، بما في ذلك سنجار، وتعرّض عاصمة الإقليم إلى الخطر، قرّروا محاربة داعش بكل قواهم. كانت إيران أوّل دولة أرسلت إليهم الأسلحة لمحاربة داعش، وفقاً لما ذكره مسعود البارزاني (گرانمایه، 2014). وقد كان للمساعدات الإيرانيّة أشد التأثير في منع داعش من التقدّم نحو بغداد وأربيل. كما قام الحرسُ الثوري، لاسيّما فيلق القدس، بقيادة اللواء قاسم سليماني بدور هام في تدريب وقيادة القوّات العراقيّة أثناء محاربة داعش، خاصّةً المتطوّعين الذين وظّفتهم من مختلف المحافظات العراقيّة، قوى سياسيّة عراقيّة منها ( الصدريون، كتائب حزب الله، كتائب الإمام علي (ع)، منظّمة بدر، وعصائب أهل الحق ) لقتال داعش.

كما شاركت قيادة فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني بشكل مباشر في بعض مراكز الصراع  كحصار(آمرلي) شمال العراق، ذلك المكان الذي استطاعت القوّات الكرديّة والحركات الشيعيّة أن تهزم داعش، وذلك بعد وصول الجنرال سليماني (عادل خان، 2015).

کانت هذه جزءاً من أنشطة إيران وتواجدها ودورها في محاربة داعش في العراق.                            لقد كانت إيران، أثناء الحرب، تُواصل تقديمها المساعدات الاستخباراتيّة الهامّة للقوّات الكرديّة والعراقيّة. وقد ذكرت  بعض الصحف تقارير تشير إلى أنّ إيران نشرت قوّات استخباراتيّة لتتبّع اتصالات داعش وأنشطتها، كما أشارت وسائل الإعلام إلى أنّها أرسلت طائرات مسيّرة إيرانيّة الصنع إلى العراق لمواجهة تنظيم داعش (عادل خان، 2015).

لقد تكبّدت إيران الكثير من الكلفة و النفقات خلال حرب داعش. على سبيل المثال، ضحّت إيران بأربعين مستشاراً عسكريّاً  لقوات الحشد الشعبي من  15مارس2013 إلى 3  أغسطس (Alfoneh, 2017)، وقد كان للحرس الثوري والجنرال سليماني دور بارز في تكوين وتنظيم وتدريب واستشارة الحشد الشعبي خلال الحرب، وتحرير الموصل وغيرها من المدن التي احتلّها هذا التنظيم المتطرّف، وقد اعترف بذلك قادة الحشد الشعبي (Roggio and
Weiss, 2015).

 

 

 

  1. استقلال كردستان العراق وعودة خطر التقسيم

كان الاستفتاء على الاستقلال في كردستان العراق قد خلق تحدّيات واجهتها الستراتيجيّة الرئيسيّة للسياسة الخارجية الإيرانيّة داخل العراق. وقد كانت مخاوف إيران ذات ثلاثة أبعاد هي داخليّة إيرانيّة، وعراقيّة إقليميّة، ودوليّة. فعلى الصعيد الداخلي أبدى المسؤولون الإيرانيّون قلقهم إزاء الآثار السلبيّة للاستفتاء على الأمن القومي الإيراني، وتكثيف الميول القوميّة الكرديّة وتحريضها على مطالب الانشعاب في كردستان إيران. وفي مجال الأمن الداخلي العراقي، فإنّ استقلال كردستان العراق يهيّئ الأرضيّة المناسبة لتفكّك العراق، لاسيّما في المناطق السُنّيّة، وفي حال حدوث مثل هذا السيناريو، فستكون هذه المناطق تحت تصرّف القوميّين العرب والسُنّة المعارضين لإيران، وهذا ما يشكّل تهديداً لمستقبل إيران. إنّ مخاوف إيران في المنطقة يعود سببها إلى دعم إسرائيل لتأسيس دولة كردّية. كانت طهران قلقة من مخطّطات إسرائيل الجيوسياسيّة في شمال العراق، وخصوصاً بعدما حاولت دعمها للاستفتاء العام حول الاستقلال الكردي، وردَّها على تواجد إيران وحزب الله على حدودها الشمالية (نديمي، 2017).

وعلى الصعيد الدولي، لدى المسؤولين الإيرانيّين شكوك حول سياسة الأميركان في العراق، وسعيهم إلى إيجاد حكومة موالية للغرب، وهذا ما يقلق إيران.

من وجهة نظر القادة الأكراد، أنّ الحكومة المركزيّة العراقيّة، على الرغم من فدراليتها ومحاربة الأكراد لداعش والتكاليف الكبيرة التي دفعوها في هذا المجال، لم تكن على استعداد  لإجراء الاستفتاء وتنفيذ المادة 140 من الدستور، وذلك لإنهاء الخلافات حول الأراضي المتنازع عليها، كما أنّ الحكومة المركزية تهرّبت من تقاسم الموارد النفطيّة بشكل عادل، أو دفع ميزانية كردستان التي قُطعت منذ عام 2014م، وعدم الدعم المالي وتوفير السلاح لقوات البيشمركة وتعليمهم.

بعد تحرير الموصل من سيطرة داعش، أثار الأكراد قضيّة إجراء استفتاء للاستقلال عن العراق، بينما كانت بعض المناطق، بما في ذلك “الحويجة” إحدى مدن محافظة كركوك، لاتزال تحت سيطرة داعش.

وفي 7 حزيران 2017، أعلن مسعود البارزاني، رئيس إقليم كردىستان، أنّه سيتم  إجراء  استفتاء حول استقلال الإقليم وذلك بتاريخ 25 أيلول 2017. ورأى أنّ هذا الاستفتاء هو حق قانوني وطبيعي لشعبه وبعد ذلك سيتفاوض مع بغداد حول نتائج الإستفتاء بطريقة سلميّة بعيدة عن العنف ((Macdiarmid, 2017.

لقد أعلنت الحكومة العراقية، ومنذ البداية، معارضتها للاستفتاء واعتبرته غير شرعي ويتعارض مع وحدة العراق وسلامة أراضيه. كما أنّ دول المنطقة ولأسباب مختلفة منها أسباب أمنيّة، إضافةً إلى بعض القادة الأكراد، عارضوا  مسألة الاستفتاء. ورغم هذه المعارضة، ومخاوف مجلس الأمن الدولي، فقد أُجري الاستفتاء في25 سبتمبر/أيلول 20017، في المناطق الكرديّة والمناطق المتنازع عليها، بما في ذلك كركوك ومدن أخرى كانت تحت تصرّف الأكراد نتيجة لحرب داعش، وقد ضاعفت هذه القضيّة الحساسيّات (كاجو، 2017).

ومنذ البداية عارض القادةُ والساسةُ والعسكريونَ الإيرانيونَ الإستفتاء، على مختلف المستويات. وقد أكّد آية الله الخامنئي، في لقاء له مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، على الحفاظ على وحدة الأراضي العراقيّة قائلاً: إنّ الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة بصفتها جارة للعراق، تعارض الحديث عن إجراء استفتاء لإنفصال جزء من العراق، وترى التحريض على هذا الموضوع مخالفاً لاستقلال العراق وهويّته (موقع مكتب السيّد القائد آية الله الخامنئي).

كما أنّ وزير الخارجيّة الإيراني محمد جواد ظريف، في حديث له مع وكالة الأنباء (إرنا)، اعتبر الاستفتاءَ الذي اُجري في كردستان مخالفاً للدستور العراقي ولا يصب في مصلحة كردستان، وغير مبرّر، وسيضرّ بأمن العراق أيضاً. وأكّد أنّ هذه الحركة ستشكّل خطراً كبيراً على  أمن العراق والمنطقة، وأردف قائلاً: المتوقَّع هو أن تكون بداية المباحثات تحت خيمة الدستور العراقي، خاصّةً المبدأ الأوّل الذي يؤكّد على وحدة العراق وسلامة أراضيه كمبدء لا يتغيّر، دون أن يؤثر على المحادثات في المستقبل (وكالة إرنا).

كما أعلن رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني، عن تكرار موقف إيران قبال الاستفتاء قائلاً: إنّ إيران التي كانت تقف دائماً إلى جانب الأشقّاء الأكراد كصديق وحليف في أصعب الظروف، لا ترى الاستفتاء في مصلحة إقليم كردستان. كما تحدّث شمخاني عن الإجراءات والنشاطات السياسيّة والدبلوماسيّة التي قامت بها إيران مع  قادة الإقليم والحكومة العراقيّة ودول الجوار، مبيّناً أنّ موقف إيران الثابت يؤكّد الحاجة إلى الحفاظ على وحدة الأراضي العراقيّة في إطار الفدراليّة، وأنّ أيّ تغيير خارج هذا الإطار سيجعلنا نعيد النظر في حساباتنا وتعاملنا مع إقليم كردستان العراق (موقع صحيفة مردم سالاري، 1396 (2017م)).

هذا وكانت إيران وتركيا قد قامتا بإجراء تدريبات عسكريّة على حدودهما مع كردستا ن العراق، تأهّباً لأيّة حالةٍ  طارئة  من عدم الاستقرار في المنطقة.

كان الإعلان عن  إجراء الاستفتاء في الإقليم والمناطق المتنازع عليها وفي الوقت المحدّد، قد دفع الحكومة المركزيّة العراقيّة  إلى أن تطلب من إيران وتركيا أن تغلقا حدودهما الجويّة مع إقليم كردستان العراق، حيث تمّت الاستجابة إليه من قِبل المجلس القومي الأعلى الإيراني والسلطات التركية وتنفيذه بسرعة (موقع المشرق، 2016).

وبُعيدَ إجراء الاستفتاء، رفضت الحكومة العراقيّة النتائج واتّخذت سلسلة من الإجراءات العقابيّة ضد إقليم كردستان. كما سعت بغداد، عن طريق إيران وتركيا، إلى عزل حكومة الإقليم. وأخيراً وفي تشرين الأوّل/أكتوبر/017 ، تمكّن  الجيش والحشد الشعبي من استعادة  السيطرة على كركوك والمناطق التي احتلّها الأكراد بعد 2014م. وقد قامت القوّات الصديقة لإيران، والتي تُعدّ من المجموعات الهامّة المكّونة للحشد الشعبي أمثال: “منظّمة بدر” و”كتائب حزب الله” و”عصائب أهل الحق”، بدور بارز في السيطرة على هذه المناطق وإفشال مُخطّط  تقسيم العراق (ٍSpyer,2017).

إنّ الدور البارز الذي قامت به إيران في الضغط على إقليم كردستان، ومساعدة  القوّات العراقيّة لضمان الحفاظ على كامل أراضيها، لاسيما استعادة كركوك والمناطق الاُخرى، دفع بعض المراقبين الأجانب إلى اعتبار إيران هي المنتصر في هذه التطوّرات المذكورة وتوقّعوا  أن يكون لها نفوذ و دور بارز في مستقبل العراقgramer,2017)).

فقد اتّخذت الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، في ظلّ الظروف الراهنة، والتي كان أبرزها عدم استتباب الأمن والاستقرار في المنطقة، رؤيةً حازمة وبعيدة النظر إزاء الاستفتاء، رغم أنّ عدم التدخّل في شؤون الدول الأخرى يُعدّ أحد مبادئ السياسة الخارجيّة الإيرانيّة، غير أنّ بعض القضايا مشتبكة مع بعض دول الجوار، ولا يمكن تفسيرها على أنّها قضيّة داخليّة بحتة. فالقضيّة الكرديّة نموذج للقضايا الداخليّة ذات التأثيرات الإقليميّة والدولية، ومن هذا المنطلق، كانت إيران ترى أنّ هذا الاستفتاء في ظلذ الظروف الراهنة سيسبّب اضطراباً سياسيّاً وأمنيّاً في المنطقة. ومع أنّ علاقة إيران ودّية مع إقليم كردستان، إلّا أنّ القضيّة الكرديّة قضيّة دوليّة ستؤثّر على أكراد إيران وتركيا وسوريا، وستؤدّي إلى حدوث اضطرابات في الشرق الأوسط قد تؤدّي إلى حدوث تغييرٍ في النظام الحالي. أضف إلى ذلك أنّ إجراء الاستفتاء، في ظل الظروف السياسيّة والأمنيّة الحالية في العراق، سيؤدّي إلى حدوث توتّرات واضطرابات أمنيّة واسعة، ولهذا ترى إيران أنّ هذه المسألة مرتبطةٌ بالوضع الأمني والنظام الإقليمي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخاتمة

خلافاً للاعتقاد المتداول بين الكتّاب الغربيّين والعالم العربي على أنّ سياسة إيران الخارجيّة، بعد إسقاط النظام البعثي في العراق سنة 2003 م، مبنيّة على نظريّة الواقعيّة العدوانيّة  ويعتبرونها تهاجميّة وطائفيّة، إلّا أنّ هذه المقالة ترى أنّ سياسة الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة  دفاعيّة، وتعتقد أنّ نظريّة توازن التهديد هي أفضل ما يفسّر السياسة الخارجيّة للجمهوريّة الإسلاميّة تجاه العراق الجديد. ولكن إحدى مشاكل تطبيق هذه النظريّة في هذه الدراسة هي أنّ النظريّة تعرض مسألة خلق التوازن من خلال الائتلاف والتحالف بين الدول ضدّ الحكومة المُهدِّدة، لاسيّما على مستوى الدول العظمى. ومن هذا المنطلق، فإنّ هذه النظريّة، كسائر النظريّات، تصطدم ببعض التقييدات حينما تفسّر سياسة إيران الخارجيّة في عراق ما بعد 2003 م . ومن جهةٍ أخرى، فإنّ هذه الرؤية، ونظراً إلى المخاوف الأمنيّة العميقة إزاء التهديدات التي يشكّلها التواجد الأميركي في العراق والحديث عن تغيير النظام  في إيران من جهة، ومن جهةٍ أخرى، وعلى مستوى العراق (التحدّيات العراقيّة الكثيرة في الماضي وبعد 2003 لأمن إيران ومصالحها،) يمكن تفسير ستراتيجيّة إيران الخارجيّة وسياستها في العراق بطريقة أفضل.

يقع التهديد على مستويين: خارجي (غير عراقي): إنّ الغزو الأميركي والحضور الواسع للقوّات الأميركيّة في العراق وعلى حدود إيران، تَرافق مع تهديد وسياسة خارجيّة من قِبل المحافظين الجدد في البيت الأبيض، وتصريحهم الواضح حول سياسة تغيير النظام في إيران ومشروع الشرق الأوسط الجديد.

لم يكن القادة الإيرانيّون قلقين فقط، وإنّما كانت لديهم مخاوف جديّة إزاء الاتفاقيّة الأمنيّة بين أميركا والحكومة العراقيّة حول التواجد العسكري على الأراضي العراقيّة عام 2008، وكان الحضور الأميركي في العراق يمتلك جميع مؤهّلات التهديد من وجهة  نظر “والت”، بما في ذلك القوّة، والقرب الجغرافي (التواجد العسكري الكبير)، والنوايا العدوانيّة تجاه إيران.                                              وإضافةً إلى ذلك، فقد أبدى القادة الإيرانيّون انزعاجهم من هذا الغزو والحضور الواسع في العراق، ممّا قادهم إلى إيجاد توازن مع أميركا والتقليل من نفوذها ودورها هناك.

وهذا التوازن لم يتم عن طريق التحالف مع دول أخرى ضدّ أميركا، وإنّما جاء من خلال توثيق العلاقات مع القوى السياسيّة العراقيّة وتشجيعها لتكوين ائتلافات كبيرة لتشكيل حكومة صديقة في بغداد.

وداخلي (عراقي): إنّ تاريخ التهديدات الأمنيّة العراقيّة لإيران طويلة وممتدّة منذ أمدٍ طويل، إضافةً إلى قوّة العراق العامّة، فهو يمتلك نفس عناصر التهديد، من القرب الجغرافي، والقوة الاقتصاديّة، والقوّة العسكريّة الهجوميّة، والنوايا العدوانيّة التي كانت حاضرة لدى بعض القادة والحكومات السابقة لهذا البلد تجاه إيران، وخصوصاً أنّ هناك ما يثير ذلك كالاختلافات الحدوديّة، وقضيّة الأكراد، وتأثيرها على الأقليّات الإيرانيّة، وادّعاءات مختلف المسؤولين في هذا البلد حول العرب وخوزستان، ودعم المعارضة السياسيّة الإيرانيّة والانفصاليين، وتحريض عرب المنطقة ضدّ إيران، فكانت جميع هذه الأمور في اطار المنافسة بين البلدين في منطقة الشرق الأوسط إبان نظام الشاه.

وهذه التحدّيات كانت على الدوام تثير مخاوفَ إيرانيّة كبيرة. كما أنّه في فترة ما بعد الثورة، كان العراق قد استمر في دعم الجماعات السياسيّة المعارضة في بداية الثورة وحرب الثماني سنوات مع إيران. وفي المقابل قامت إيران، إبان حكومة الشاه والجمهوريّة الإسلاميّة، بإيجاد سياسة موازنة من خلال دعم الأقليّات الكرديّة والشيعة للتصدّي واحتواء هذه التهديدات.

وبعد احتلال أميركا للعراق في عام 2003، والخشية من وصول حكومة عراقيّة معادية لإيران  إلى السلطة أو تقسيم العراق، تبنّت إيران سياسات كان من أهمّها منع أو تضعيف احتمال عودة حكومة تهدّد أمنَ وسلامةَ الأراضي الإيرانيّة. و في سياق مواجهة هذه التهديدات الفعليّة والمحتملة، كانت الستراتيجيّة الأساسيّة للسياسة الخارجيّة الإيرانيّة هي الحفاظ على وحدة الأراضي العراقيّة من خلال تقديم الدعم لحكومة منسجمة وصديقة لإيران في بغداد.                                                                                               وممّا لاشك فيه أنّ الدعم لدولةٍ كهذه سيساعد على الحدّ من نفوذ أميركا وإفشال الخطط والضغوط الموجّهة ضدّ إيران، وذلك من خلال إيجاد حكومة عميلة.

أضف إلى ذلك زوال مخاوف إيران من تقسيم العراق وما سيحصل نتيجة ذلك.                                                            كما أنّ تأسيس حكومة صديقة سيهيّئ الأرضيّة المناسبة لتأسيس فصلٍ جديد من العلاقات الحسنة مع جمهورية إيران الإسلاميّة.

لقد اُتُّبعت هذه السياسة الإيرانيّة في الانتخابات العراقيّة من 2005 إلى 2018 بطريقة جيّدة، ورغم مساعي الولايات المتحدة والسعوديّة لمتواصلة، وخروج الرئيس الأميركي ترامب من الاتّفاق النووي، إلّا أنّ الحكومة التي وصلت إلى سدّة الحكم كانت منسجمة وصديقة لإيران. وهذا الأمر مهمٌّ جدّاً في ظلّ العقوبات الأميركيّة الجديدة على إيران.

ومن جهةٍ أُخرى، فإنّ الحفاظ على كامل الأراضي العراقيّة كان بالنسبة لإيران أمراً حيويّاً؛ بسبب التحدّيات الكبيرة من قِبل الانفصاليين الأكراد والمتطرّفين السُنّة، أضف إلى ذلك ظهور داعش الذي جعل العراق على حافة التفكّك والانهيار.

لا شكّ أنّ القضيّة الكرديّة خطيرة، لأنّ تقسيم العراق وانفصال كردستان يمكن أن يكون لهما أثرٌ مباشر على الأكراد في إيران ويضاعف مستوى المطالب السياسيّة الكرديّة فيها، وقد يساعد هذا الاتّجاه على تصاعد مطالب الأقليّات الاُخرى في إيران.

إنّ ظهور داعش لم يدفع العراق نحو التقسيم والانهيار فحسب، وإنّما وبسبب اتجاهاتها المعادية للشيعة والنوايا العدوانيّة تجاه إيران، والقرب الجغرافي والقوّة الهجومية، أدّى إلى إيجاد تحدٍّ كبير لإيران وحلفائها. ولو استطاعت داعش توطيد خلافتها، لفشل مشروع إيران بأكمله لتكوين حكومة صديقة ومتّحدة في العراق، ولهذا أقدمت إيران على تشكيل ائتلاف بين إقليم كردستان والحكومة العراقيّة من أجل تحقيق التوازن والمواجهة قبال التهديد المشترك.

ولكي تحقّقَ إيران ستراتيجيّتها في سياستها الخارجيّة، فقد استخدمت نفس الآيديولوجيّة الإسلامويّة والمساعدات الاقتصاديّة- العسكريّة، مع مستوى عال من النفوذ السياسي عن طريق الحضور الفعّال في المعادلات السياسيّة داخل العراق.

لم تناقش هذه المقالة مخاوفَ إيران الأوليّة بسبب الحضور والدور الذي قامت به أميركا في هذا البلد والتصدي لتهديداتها والعمل على تقليص دورها  في التحوّلات داخل العراق، وإنّما ناقشت الستراتيجيّة الرئيسة للسياسة الخارجيّة لإيران التي ارتكزت على دعم حكومة صديقة في بغداد، والدفاع عن وحدة جميع الأراضي العراقيّة المرتبطة بأمن إيران وسلامة أراضيها، وذلك عن طريق استخدام وسائل وأدوات شتّى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصادر

1- آخر المشاورات بين المسؤولين الإيرانيين والأتراك حول الإستفتاء\ إغلاق الحدود الجوية الإيرانيّة والتركيّة بوجه كردستان.\هجوم سكان إقليم كردستان على محطات الوقود 25\9\2017، مشرق نيوز،https://www.mashreghnews.ir/news/778565

2-أمير عبد اللهيان، حسين (2009)، الإتفاقيّة الأمنيّة بين بغداد وواشنطن، السلوك الأميركي في العراق الجديد، مجلّة السياسة الخارجيّة الفصليّة، السنة 23،العدد1.                                                             3ـ هل تطوّرالعلاقات الاقتصاديّة بين إيران والعراق، من خلال لغو تأشيرة السفر الروحي (المعنوي) إلى العراق  سيحلّ العقدة  والمشاكل؟ (5\3\2019)، وكالة أنباء فارس، متاح على الرابط:https://www.farsnews. com/news/13971213000920

4-تیشه بار، ماندانا، ظهيري نجاد، مهناز(2005) السياسة الخارجيّة العراقيّة: دراسة حول دور العراق الجيوسياسي في العلاقات مع الجيران. طهران، دار ذره للنشر.

5-جوادي أرجمند، محمد جعفر (2013) العلاقات الخارجيّة لجمهوريّة إيران الإسلاميّة مع دول الجوار، (1978- 2011)، طهران، دار ميزان للنشر.

6–رئيس منظمة تطوير وتنمية الصادرات، تفاصيل متوسط قيمة صادرات إيران إلى العراق سنة2018 ،( 5\4\2019) وكالة تسنيم،متاح على الرابط:

https://www.Tasnimnews.com/fa/news/1398/01/16/1981261

7ـ سعید الإيرواني، أمير(2008) “اتّجاهات أميركا للتطورات في العراق، ستراتيجيّة مناهضة إيران”همشهري الدبلوماسية، السنة الثالثة، العدد 24.

8ـ دانايي فر، حسن (2018) سفير إيران السابق في العراق، مقابلة شخصيّة للكاتب.                                9- دهقان، يد الله (2010)، دراسة العلاقات السياسيّة الإيرانيّة العراقيّة خلال فترة رئاسة أحمدي نجاد، طهران ، مؤسسة أبرار الثقافيّة للدراسات والبحوث المعاصرة.                                             10ـ المرشد الأعلى للثورة الإسلاميّة خلال لقائه برئيس الوزراء العراقي: لا تثقوا بأميركا، إنّهم يترصّدون الفرصة للقيام بالضربة.20\6\2017، متاح على الرابط :

http://www.leader.ir/fa/content/18565

-11غرایاق زندي داوود (2011)، السياسة الخارجيّة الأميركيّة تجاه جمهوريّة إيران الإسلاميّة: منشورات معهد الأبحاث الستراتيجيّة.

12-كاظمي قمّي، حسن، (2018) سفير إيران السابق في العراق، مقابلة شخصيّة قام بها الكاتب.

13- ردّة فعل ظريف على الإستفتاء في إقليم كردستان العراق. متاح على: https//www.ir//news/news82682223/

-14 ردّة فعل إيران  الصريحة على الإستفتاء في إقليم كردستان العراق 18\9\2017

موقع مردم سالاري، متاح على:http://www.mardomsalari.net/4417

-15یزدان فام، محمود (2011)، نظرة على العلاقات العسكريّة والأمنيّة بين العراق وأميركا من منظور مستقبل العراق، دراسة الإتجاهات الداخليّة والخارجيّة، لمؤلفه غلام رضا خسروي، طهران، منشورات معهد الأبحاث والدراسات الستراتيجيّة .

16ـ نيما عادل خواه (2015)، التدخّل الإيراني في العراق ضدّ الدولة الإسلاميّة [داعش]: الستراتيجيّة، التكتيكات، والتأثير، رصد الإرهاب، المجلّد 13؛ العدد 2، يوجد على الموقع التالي:

https://jamestown.org/program/iranian-intervention-in-iraq-against-the-islamic-state-strategy-tactics-and-impact.

17ـ  علي الفونه (2017)، قوّات الحشد الشعبي المدعومة من إيران تعدّ العدّة لعراق ما بعد الدولة الإسلاميّة، 3 آب/أوغسطس، معهد الشرق الأوسط، يوجد على الموقع التالي:

http://www.mei.edu/content/io/iran-backed-popular-mobilization-forces-preparing-post-islamic-state-iraq.

18ـ أليساندرو برونو (2015)، الجذور البعثيّة للدولة الإسلاميّة، 31 آب/أوغسطس، يوجد على الموقع التالي:

https://www.geopoliticalmonitor.com/the-baathist-roots-of-islamic-state/.

19ـ دينا اسفندياري وآريانه طباطبائي (2015)، سياسة إيران في مواجهة الدولة الإسلاميّة في العراق والشام [داعش]، الشؤون الدوليّة 91: 1، المعهد الملكي للشؤون الدوليّة. يوجد على الموقع التالي:

https://www.chathamhouse.org/sites/…/INTA91_1_01_Esfandiary_Tabatabai.pdf.

20ـ جوزيف فَلتَر وبرايان فِشمان (2008)، الستراتيجيّة الإيرانيّة في سياسة العراق و وسائل أخرى”، 13 أكتوبر/تشرين الأوّل، مركز مكافحة الإرهاب في وَست بوينت (الأكاديميّة العسكريّة الأميركيّة).

https://fsi-live.s3.us-west-1.amazonaes.com/s3fs public/Felter_Iranian_Strategy_in_Iraq.pdf

21ـ روبي گريمر وبول ماكليري (2017)، النزاع العراقي الكردي في كركوك يفتح الباب لنفوذٍ إيراني متزايد، 16 أكتوبر/تشرين الأوّل. يوجد على الموقع التالي:

http://foreignpolicy.com/2017/10/16/iraqi-kurdistan-clash-kirkul-open-door-to-more-iranian-influence-slows-fight-against-islamic-state-isis-terrorism-middle-east/

22ـ أَلي گرانمايه (2017)، الستراتيجيّة الإيرانيّة ضدّ الدولة الإسلاميّة [داعش]،  مجلس ECFR (المجلس الأوربّي للعلاقات الخارجيّة). يوجد على الموقع التالي:

http://www.ecfr.eu/article/commentary_iran_strategy_against_the_islamic_state320

23ـ حارث حسن القروي (2014)، الأزمة الطائفيّة في العراق: إرث من الإقصاء، 23 نيسان/أبريل. يوجد على الموقع التالي:

http://carnegie-mec.org/2014/04/23/iraq-s-sectarian-crisis-leagacy-of-exclusion-pub-55372

24ـ إيران في العراق: كم حجم النفوذ؟ (2005)، تقرير الشرق الأوسط، العدد 38، 21 آذار/مارس. يوجد على الموقع التالي:

https://www.crisisgroup.org/…/iran/iran-iraq-how-much-influnce

25ـ كيمبرلي كاگان (2017)، حرب إيران بالوكالة ضدّ الولايات المتّحدة والحكومة العراقيّة، واشنطن دي سي: معهد دراسات الحرب ومجلّة ويكلي ستاندرد، الحاشية 7.

26ـ مهران كَمرَوا (2008)، الولايات المتّحدة وإيران: تنافسٌ خطير ولمن مسيطَرٌ عليه، معهد الشرق الأوسط، العدد 9.

27ـ سيروان كَجّو (2014)، ظهور داعش، فرصة ذهبيّة لأكراد العراق. يوجد على الموقع التالي:

http://carnegieendowment.org/sada/55954

28ـ كامبل ماكدايارميد (2017)، مسعود برزاني: لماذا حان الوقت لاستقلال الأكراد؟. يوجد على الموقع التالي:

https://foreignpolicy.com/2017/06/15/masoud -barzani-why-its-time-for-kurdish-independence/

29ـ فرزين نديمي (2017)، الخيارات العسكريّة الإيرانيّة مقابل استقلال الأكراد. يوجد على الموقع التالي:

http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/irans-military-options-against-kurdish-independence

 

30ـ عرض لزيارة السكرتير بَرِي إلى العراق وكردستان (11/12/2018). يوجد على الموقع التالي:

https://energy.gov/articles/readout-secretary-s-visit-iraq-and-kurdistan, December 11, 2018.

31ـ بِل روجيو وكالِب وَيس (2015)، قائد الميليشيات الشيعيّة يقول إنّه سيقود انقلاباً على الحكومة لو أمره بذلك المرشد الأعلى في إيران. يوجد على الموقع التالي:

https://www.longwarjournal.org/archives/2014/11/us-designated-terrorist-of-iraqi-militia-reportedli-in-aleppo.php.

 

32ـ جوناثان سباير (2017)، سقوط كركوك: صُنع في إيران، 18 تشرين الأوّل/أُكتوبر. يوجد على الموقع التالي:

https://www.the-american-interest.com/2017/10/18/fall-kirkuk-made-iran/

33ـ ستيفن أم. والت (1985)، “تشكيل التحالف وتوازن القوّة في العالم”، الأمن الدولي، المجلّد التاسع، العدد الرابع، ص 3-43.

ستيفن أم. والت (1987)، أصول التحالفات، إيثاكا، نيويورك: مطبعة جامعة كورنَل.

ستيفن أم. والت (1990)، أصول التحالفات، إيثاكا، نيويورك: مطبعة جامعة كورنَل.

  • مركز الهدف للدراسات / قم المقدسة
  • http://hadafcenter.com/

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا