أرمينيا والاتفاق التركي-الروسي

51
  • د. علي عباس،

حققت روسيا (وتركيا بجزء أصغر) في ليلة 9-10 تشرين الثاني انتصاراً عظيماً بعد التوصل إلى الاتفاق في ناغورنو قاراباغ[1]، ولكن في المقابل كان ذلك الاتفاق يعدّ خسارة للجانب الأرمني والأذري كذلك! فإلى هذه اللحظة لا أحد يعرف التفاصيل، ولكن وكما تناقلت العديد من المصادر الإعلامية، أرسلت روسيا الاتحادية إلى إقليم ناغورنو قاراباغ 2000 جندي من جيشها.

وُقع هذا التفاهم من قبل نيكول باشينيان وإلهام الييف وفلاديمير بوتين بعد سلسلة من الأحداث الدراماتيكية ودوامات جارفة من الأخبار والتثقيف الإعلامي الزائف، الذي كان يرمي إلى الحفر تحت باشينيان وبناء أساس قوي لتغيير السلطة في يريفان، وهذا يعدّ المفتاح لفهم الاحداث المتتابعة.

في السابع من الشهر الحالي وبصورة مفاجئة أُجلي السكان في قرية ستيبيناكرت[2]، حيث اقتيدوا في الطرق الجبلية الوعرة وهذا أحد أهم الأسباب التي تؤكد على القرار المفاجئ في الإجلاء المتمثل بالاتفاق أعلاه.

في الحقيقة، اشتد القصف الاذري على الخطوط الأمامية للجبهة في بداية شهر تشرين الثاني الحالي، ولكن على الرغم من ذلك لم يصل الوضع بالأرمن إلى إعلان خسارتهم للحرب وإشهار رايات الاستلام، إذ لم تتقدم القوات الأذرية بنحو كبير كما ادعت في وسائل إعلامها، إلا في مدينة هاردوت، حيث سيطر الأذريون على مناطق الوادي غير المأهولة بالسكان، والتي تقع على حدود ناغورنو قاراباغ قبل عام 1991[3]، ومن هنا ادعوا توغلهم بين مدينة هاردوت وشوي.

من الجدير بالذكر الالتفات إلى مصطلح “الجانب الأرمني” والمقصود به هنا جيش دفاع جهورية ارتساخ وليست أرمينيا، حيث لم تدخل الأخيرة بإمكانياتها العسكرية رسمياً في هذا النزاع المسلح، وهذا ما هيّج الانتقادات اللاذعة من قبل الشارع الأرمني، ولاسيما من قبل بعض الخبراء الأمنيين (من ذوي الميول الروسية) بأن أرمينيا كان يستوجب عليها قصف مدينة غانجا الأذرية وشبكة الأنابيب الخارجة من أذربيجان عبر جورجيا ووصولاً إلى تركيا، واقترحوا بأن باشينيان لا يفعل ذلك بضغط من أوروبا، التي في المقابل لا تقدم لأرمينيا أي مساعدات تذكر. كان من المؤكد أن تكلفة مشاركة أرمينيا رسمياً في هذا النزاع المسلح هي نقل هذه المعارك إلى عمقها الجغرافي وهذا ما يفسح المجال لتركيا في التدخل العسكري في قصف أرمينيا، ولكن ومن جهة أخرى فإن ذلك سيدفع الجانب الروسي إلى الرد عبر هجمات مضادة حمايةً لأرمينيا نظراً للتحالفات العسكرية المبرمة بين الطرفين.

خريطة تقسيم مناطق النفوذ 4

على الرغم من قلة المعلومات الخاصة بناقلات السلاح الروسية التي دخلت إلى أرمينيا ومنها إلى جمهورية ارتساخ، فلا يوجد أي دليل قطعي يشير إلى وصول هذه الإمدادات؛ ويعود ذلك الى التحليل المنطقي في استفادة روسيا الاتحادية من تفاقم المشكلات في هذه المنطقة، وهذا ما سيدفع أرمينيا إلى طلب التواجد العسكري الروسي رسمياً على أراضيها، وهذا ما تتشوق اليه روسيا، حينها ستتأكد روسيا من فرض سيطرتها، التي بدت تفلت تدريجياً من يديها.

بعد ثورة عام 2018 في أرمينيا، كانت السلطة بيد باشينيان، الذي شرع بمحاولات تنويع سياسته الخارجية بعناية كبيرة من طريق تكثيف التعاون مع أوروبا، فضلاً عن فوز جو بايدن في الانتخابات الأمريكية ومعاونته كامالا هاريس المتربطة بعلاقات وثيقة مع الجالية الأرمنية، قد يعني لروسيا تهديداً آخراً محدقاً في إضعاف نفوذها في أرمينيا المتمثلة بتوغل هيمنة النفوذ الغربية على أراضي جنوب القوقاز، ولكن والتوافق مع التوغل التركي في ذات المنطقة يعني لروسيا شراً صغيراً لا بد منه ويمكن السيطرة عليهعبر توزيع مناطق النفوذ في المنطقة بين الروس والاتراك.

في التاسع من الشهر الحالي وبعد يومين من الإجلاء المشكوك به في قرية ستيباناكرت، ومحاصرة رئيس ارتساخ، كل ذلك أوحى إلى فقدان جمهورية إرتساخ السيطرة على مدينة شوشي، إذ أُعلن عن هذه المعلومة باشينيان، وهناك أدلة كثيرة عن الكذب في هذه المعلومات؛ مما أدى إلى ارتفاع الأصوات المعارضة في يريفان، حيث ركزت التوقعات على أن تلك الليلة سيتم فيها إقصاء باشينيان من قبل القوى السياسية المعارضة ذات الميول الروسي، التي وجهت الاتهامات له بالخسارة ومطالبته بالتنحي عن الكرسي[5]. لقد تركز منطق أساس هذه الاتهامات، على توجهات باشينيان على سياسيته المائلة إلى الكفة الغربية، التي أدت بدورها إلى تراجع تعاونه مع الجانب الروسي وهذا ما انعكس فعلاً على فقدان أرمينيا للدعم الروسي أمام الهجمات الأذرية- التركية، وذلك لإثبات الإرادة الروسية، بأن أرمينيا مسلوبة القوى دون الدعم الروسي، وأن أي انفراد في سياستها سيؤدي إلى تراجع الوضع الأمني بها.

تجدر الإشارة إلى حقيقة، أن الييف وتركيا لم يكونا مستعدين للدخول في مواجهة مع القوات المسلحة الروسية، لذا فإن تهديد التدخل الروسي أجبر باكو وأنقرة على قبول الشروط الروسية، التي لا تعد لتركيا واذربيجان مستحيلة التنفيذ، إذ إن قبول تركيا يعني وصولها إلى دمج منطقة جنوب القوقاز ومنظمة منطقة العبور التركية- الروسية ومن الصعب الاستبعاد (ولاسيما أنا لا نعرف تفاصيل الاتفاق) أن تظهر في المستقبل دوريات عسكرية تركية-روسية في ناغورنو قاراباغ؛ وبهذا الصدد، فإن أعظم إنجاز لتركيا يتمثل ببسط سيطرتها التامة على أذربيجان وإن روسيا الاتحادية تصبح في المقابل اللاعب الرئيس في المنطقة؛ وهذا يعني في الحصيلة تقسيم النفوذ بين طرفين رئيسين هما تركيا وروسيا، اللتان سيحاربان محاولات التدخل من قبل أي طرف ثالث.

وفضلاً عما ذكر، تبقى العديد من الأسئلة قائمة، فحسب المعلومات الواردة عن الاتفاق، لم ينتج عنه تأكيد عودة الإدارة الأذرية إلى ناغورنو قاراباغ، ولكن من المعلوم أن بقية المناطق تقع حالياً تحت السيطرة الروسية في واقع الحال. وأما عن السيطرة الاذرية فستُسترجع الأراضي المسيطر عليها من قبل جمهورية ارتساخ وهي المناطق التي كانت قبل عام 1991 لم تتبع إلى ناغورنو قاراباغ وهنا يُطرح السؤال الآتي: هل ستكون نسبة من السيطرة الأذرية على ناغورنو قاراباغ؟ وإذا كان الجواب بنعم، فما هي ملامح الدور الروسي من هذا الموقف؟ الزمن كفيل بالإجابة، ولكن من المؤكد بأن روسيا لن تعطِ الكثير للأذريين لأن في خلاف ذلك، لن يعود الأرمن إلى ارتساخ؛ وبهذا ستخسر روسيا نفوذها في أرمينيا، وهذا ما تتسابق به القوة الغربية بأن الروس قد خذلوا الأرمن؛ وهذا ما يُسمع أصداؤه حالياً في يريفان بالمطالبات في الاستمرار في المعارك، ورفض اتفاق إيقاف إطلاق النار.

في هذه اللحظة، نستطيع أن نلخص من الفائز ومن الخاسر في هذا الاتفاق:

  • روسيا ستبسط سيطرتها التامة على أرمينيا وارتساخ سيبقى مستعمرة لها.
  • ستقترب روسيا من إقصاء السلطة الأرمنية الحاكمة وتحجيم النفوذ الأرمني المائل إلى الغرب.
  • ستستحوذ تركيا على أذربيجان وستوسع أقاليم العبور بالتوافق مع روسيا في منطقة جنوب القوقاز.
  • سيفقد الغرب نفوذه تماماً في المنطقة أعلاه.
  • ستفقد أرمينيا نفوذها في ارتساخ وستبقى تحت تهديد الخضوع التام إلى روسيا، التي ومن خلال تواجدها العسكري القوي في ارتساخ ستجبر أرمينيا بأكملها إلى الخضوع التام وهذا ما قد يؤدي إلى الاعتراضات في الشارع الأرمني عامة.
  • تشير المعطيات وبقوة إلى أن منطقة نةغورنو قاراباغ ستفقد الإدارة الأذرية وإن القوات الروسية ستعبد الطريق الرابط بين المنطقة وأرمينيا؛ وهذا ما قد يؤدي إلى الإطاحة بحكم الييف؛ وحينئذ ستعمل تركيا على إقضائه من الحكم، واستبداله بسلطة جديدة خاضعة بنحو تام إلى الإدارة التركية.
  • مركز البيان للدراسات والتخطيط

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا