السعودية من مبادرات السلام مع إسرائيل إلى التطبيع

80

عبد الحميد صيام

في عام 2005 حلت كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية  للرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، ضيفة على مصر واختارت أن تلقي محاضرة في الجامعة الأمريكية في القاهرة. ومما جاء في محاضرتها “لأكثر من خمسين عاما كانت سياستنا في الشرق الأوسط تقوم على الاستقرار لا الديمقراطية، فاكتشفنا أخيرا أننا خسرنا الاثنين معا”. هذا هو أفضل وصف لنتائج السياسة الأمريكية في المنطقة: لا ديمقراطية ولا استقرار، بسبب السياسات الثابتة والاستراتيجية التي أقرتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة التي تريد للمنطقة أن تبقى متخلفة متناحرة، وسوق استهلاك ومصدرا لتصدير النفط الرخيص.

لقد بنيت السياسة الثابتة للولايات المتحدة في المنطقة على أربع دعائم مترابطة ومتشابكة تشد بعضها بعضا:

أولا: ضمان أمن إسرائيل أولا وقبل كل شيء وضمان تفوقها العسكري والأمني والتكنولوجي النوعي على كل دول المنطقة مجتمعة. إسرائيل بالنسبة لكل الرؤساء الأمريكيين حليف إستراتيجي لا تتغير السياسة نحوها إلا بمزيد من الدعم، حيث يتسابق الحزبان الأساسيان على من يدعمها أكثر ومن يسهل امتلاكها السلاح والتكنولوجيا ومليارات الدولارات والتصدي لأي محاولة لإدانتها في المحافل الدولية وخاصة في مجلس الأمن. أما الأجهزة الدولية التي لا تستطيع الولايات المتحدة وقف الإدانة فيها فقد انسحبت منها تضامنا مع إسرائيل مثل اليونسكو ومجلس حقوق الإنسان أو رفضت الانضمام إليها مثل المحكمة الجنائية الدولية.

ثانيا: ضمان تدفق النفط بأسعار معقولة بحيث تحدد الشركات النفطية الكبرى بالتعاون مع الدولة حجم الإنتاج وارتباطه بالأسعار. فإذا ارتفعت الأسعار زاد الإنتاج لتخفيض السعر وإذا انخفضت الأسعار أكثر من اللازم تم تخفيض نسبة الإنتاج لتعود الأسعار إلى الارتفاع. وكانت الولايات المتحدة قد اتفقت مع السعودية رسميا بأن يتم تخفيض دولار واحد عن السعر العالمي عن كل برميل يباع للولايات المتحدة. وهذا الاتفاق ظل ساري المفعول منذ التقى الرئيس الأمريكي روزفلت بالملك السعودي المؤسس عبد العزيز آل سعود في شباط/فبراير 1945 على متن السفينة الحربية يو إس كوينسي. المرة الوحيدة التي حاولت السعودية أن تشق عصا الطاعة كان عام 1973 خلال حرب أكتوبر عند قطع إمدادات النفط تضمانا مع جبهة القتال فكانت النتيجة أن دفع الملك فيصل الثمن غاليا.

ثالثا: وقف تمدد الاتحاد السوفييتي إلى المنطقة، وهو ما عرف بـ “بمبدأ أيزنهاور” الذي أطلقة في كانون الثاني/يناير 1957 وذلك بالتركيز على أن الشيوعية كفر وإلحاد وأن هذه المنطقة إسلامية أساسا ولا مكان للملحدين فيها. وهذا ما دفع السعودية لإنشاء رابطة العالم الإسلامي ونشر الفكر الوهابي المتطرف وبناء مئات إن لم يكن آلاف المدارس في العالم الإسلامي لنشر الفكر المتزمت والذي يسكت عن ظلم الحاكم ويهتم أكثر بعورات المرأة ومبطلات الوضوء وتكفير من لا يتبع تلك العقيدة.

رابعا: احتواء الحركات الوطنية والتصدي للقادة الوطنيين الذين يحركون الجماهير في سبيل الاستقلالين السياسي والاقتصادي والسيطرة على الموارد الوطنية والتحرر من الهيمنة الأجنبية.  فقد قامت وكالة الاستخبارات المركزية بتدبير انقلاب في إيران للإطاحة برئيس الوزراء المحبوب محمد مصدق عام 1953 وأعادت الشاه إلى الحكم بعد أن هرب إلى روما. كما أنها عملت بكل الوسائل لاحتواء الرئيس جمال عبد الناصر فأسست مع بريطانيا “حلف السنتو” أو ما سمي “حلف بغداد” عام 1955 لتكوين تحالف بين العراق الملكي وإيران وتركيا وباكستان ومن ورائهم إسرائيل، كي لا يصل المد الثوري إلى قلب العروبة في بلاد الشام والعراق. لكن الحلف انهار بعد انهيار الملكية في العراق عام 1958 ثم ما لبثت في نفس العام أن أرسلت قوات المارينز إلى لبنان لإنقاذ حكومة كميل شمعون بعد قيام مظاهرات عارمة في لبنان للانضمام إلى دولة الوحدة التي أعلنت للتو بين مصر وسوريا. بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط إذن لا قيمة للمبادئ التي تدعي الولايات المتحدة أنها ملتزمة بها ومنها الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون والمساواة بين الرجل والمرأة.

الثالوث الخطير: نفط وأمن وإسرائيل

إذن بكل بساطة لا يمكن للسعودية أو غيرها من دول الخليج أن تضمن تدفق النفط للأسواق العالمية إلا بتأمين حماية أمريكية لأمنها. وما دامت علاقة أمريكا بإسرائيل استراتيجية فليس من المنطق ولا المعقول أن تكون هناك عداوة استراتيجية بين أي من دول الخليج والكيان الصهيوني إذا كانت الولايات المتحدة هي الضامن لأمن الخليج من جهة والتفوق الإسرائيلي من جهة أخرى. وكل ما يقال عن التضامن العربي ودعم القضية الفلسطينية واعتبارها القضية الرئيسية لهذه الدول لا يعدو كونه تضامنا لفظيا إضافة إلى دعم مادي بسيط وتأييدا كلاسيكيا لقرارات الجامعة العربية التي تكرر نفس الجمل الخشبية حول التضامن العربي واعتبار القضية الفلسطينية القضية المركزية الأولى للدول العربية.

فالسعودية لا يمكنها أن تخرج عن خطط الدولة الحامية لأمنها والضامنة لتصدير النفط، مصدر دخلها الاستراتيجي وبالتالي فإن العاملين يؤثران على الموقف من إسرائيل. ولذلك لا نستغرب إذا اكتشفنا أن تعاونا سعوديا إسرائيليا كان قد تعزز ضد جمال عبد الناصر، وأن توريط عبد الناصر في حرب اليمن ووقوف إسرائيل مع السعودية آنذاك أصبحت مسألة حيوية، ولذلك كانت هزيمة يونيو1967 قاصمة الظهر لجمال عبد الناصر برضى وموافقة وتشجيع سعودي. والوثائق الآن متوفرة لمن يريد الاطلاع عليها.

السعودية ومبادرات السلام

كانت السعودية أول من أطلق مبادرة سلام عربية شاملة، وخاصة بعد انشقاق مصر عن الصف العربي وتفردها في التوصل لاتفاق كامب ديفيد مع إسرائيل برعاية أمريكية دون دعم عربي. أطلق الكسندر هيغ، وزير خارجية الولايات المتحدة في زمن الرئيس ريغان، نداء للسعودية للخروج من حالة الجمود السياسي وتمنى “على أصدقائنا العرب أن يبدوا استعدادا أكبر لركوب المخاطر من أجل السلام مع الإسرائيليين كي يكون التعاون في مجال الأمن سهلا باعتباره تعاونا ضروريا لردع أي تدخل سوفييتي ولردع الدول العاملة لحسابه”.

فما كان من الأمير فهد إلا أن استجاب للنداء فأطلق مبادرته العظيمة باسم مبادرة النقاط الثماني أو مبادرة الأمير فهد. وبعد ديباجة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس العربية، وكأن هناك اعترافا ضمنيا بقدس يهودية، وحق الفلسطينيين في العودة وتعويض من لا يرغب في العودة، ذكرت المبادرة في نقطتها السابعة لأول مرة “تأكيد حق دول المنطقة في العيش بسلام” وهو ما تضمن فكرة الاعتراف باسرائيل. لقد أطلقها الأمير فهد في نيسان/أبريل 1981 والثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية في أوج قوتهما وتحالفهما، إسرائيل رفضتها أولا ولم يتم الترحيب بالمبادرة في قمة فاس الثالثة عشرة التي انعقدت بتاريخ 25 تشرين الثاني/نوفمبر 1981. إلا أن الأمير عاد وطرحها بعد خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وتشتت الأوضاع وانشغال العراق بالحرب مع إيران، في قمة طارئة في نفس مدينة فاس بتاريخ 6 ايلول/سبتمبر 1982. اعتمدت المبادرة كما هي بحضور ياسر عرفات وأطلق عليها مبادرة فاس التي اعترفت فيها الدول العربية الحاضرة للقمة بإسرائيل ضمنيا، وهو ما أوحى لناجي العلي أن يشرشحها برسوماته.

بعد أحداث 11 ايلول/سبتمبر 2001 الإرهابية وإسقاط برجي مركز التجارة العالمي، واكتشاف أن من بين المنفذين 15 سعوديا، ارتعبت فرائص السعودية وكادت تنهار خوفا. وسرعان ما قدمت مبادرة سلام لتبيض وجهها وتبعد عن نفسها تهمة الإرهاب لكن على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته. فما كان من الأمير عبد الله، ولي العهد، والحاكم الفعلي للسعودية بسبب مرض الملك فهد، إلا أن قدم مبادرة سلام أخرى تقوم على شقين أساسيين: التطبيع الكامل مقابل السلام الكامل. يأتي السلام أولا يليه التطبيع ثانيا. وقد أسقط من المبادرة حق العودة للاجئين إلا أن إصرارا جاء من سوريا وبدعم من الحليف اللبناني أجبر القائمين على المبادرة بإضافة بند جديد ينادي بـ”حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقا لقرار الجمعية العامة رقم 194″. وتبنت المبادرة قمة بيروت لتصبح “مشروع السلام العربي” في اذار/مارس عام 2002. إسرائيل رفضت المشروع واعتبرت لا قيمة له.

بعد عقد من الزمان لم تعد مبادرة السلام العربية ذات وزن. وبدأت الدول العربية تتراجع عنها واحدة تلو الأخرى خاصة بعد ثورات الربيع العربي وتعاظم قوة إيران في المنطقة.

في الذكرى العاشرة لهجمات سبتمبر، عاد تركي الفيصل، السفير السابق للسعودية في واشنطن وذكّر في مقال في “النيوويررك تايمز” بضرورة الالتفات لمبادرة السلام العربية كنقطة انطلاق للمفاوضات، وفي عام 2014 ظهر الفيصل في معرض نظمته ألمانيا تحت عنوان “صندوق مارشال الألماني” لمناقشة مبادرة السلام العربية وكان يجلس إلى جانب مدير المخابرات الإسرائيلية الجنرال عاموس يادلين. وفي عامي 2015 زادت وتيرة الاتصالات سرا وعلنا. وفي عام 2016 قام الجنرال السعودي المتقاعد أنور عشقي بزيارة علنية لإسرائيل التقى فيها بمدير وزارة الخارجية يوري غولد.

لقد أثارت موجات الربيع العربي مخاوف السعودية لسببين: انتشار الديمقراطية والحكم الرشيد وتمكين الشعوب وهذا سيؤدي إلى تصدع الأنظمة السلطوية الكاسرة، من جهة ومن جهة أخرى وصول التيارات الإسلامية المعتدلة الممثلة في الإخوان المسلمين وتنويعاتهم سدة الحكم كما حدث في مصر وفلسطين من قبلها والمغرب وليبيا في انتخابات 2012. وهذا ما تخشاه السعودية. أضف إلى ذلك توسع النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان والعراق وفلسطين (دعم حماس والجهاد) واليمن.

وجدت السعودية نفسها بعد عالم 2015 متورطة في مجموعة ملفات شائكة:

– حرب اليمن والتي يبدو أنها لن تحسم بسرعة كما كانت تبشر وسائل الإعلام السعودي؛

– انخفاض أسعار النفط لدرجة كادت تطيح بالعديد من المشاريع؛

– تشوه صورة المملكة بعد جريمة تقطيع الصحافي جمال الخاشقجي في القنصلية السعودية باسطنبول وخطف الأمراء وتعذيبهم وحجز رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري والتاجر الأردني صبيح المصري ما أدى إلى هروب رؤوس الأموال من السعودية وكثرة الانتقادات الحادة للمملكة؛

– وأخيرا توسع شبكة العلاقات الإيرانية في المنطقة وخاصة بعد توقيع الاتفاقية النووية مع الدول الست والإفراج عن مليارات الدولارات المجمدة في بنوك الغرب والتي أنقذت الاقتصاد الإيراني وسهلت تطوير أسلحته التقليدية وقدرات البلاد للتدخل في شؤون المنطقة. فرأت قيادات السعودية الشابة عديمة الخبرة أن المراهنة على إسرائيل في موضوع الملف الإيراني أفضل. التقط الإشارة نتنياهو الذي مد خيوط التواصل مع السعودية عن طريق محمد بن زايد الأقرب إلى القيادة الإسرائيلية. وبدا الإثنان معا يخططان لتمتين العلاقات مع إسرائيل حيث وجدا التشجيع المطلق من إدارة ترامب وخاصة من جاريد كوشنر صديق بن زايد والمهندس الحقيقي لتنصيب بن سلمان وليا للعهد مقابل التقارب مع إسرائيل والتخلي عن القضية الفلسطينية وتكوين جبهة واسعة ضد إيران باستخدام المال والسلاح إن لزم الأمر.

وما يجري هذه الأيام بعد فوز بايدن بانتخابات الرئاسة الأمريكية، يسير في اتجاه المواجهة مع إيران قبل رحيل ترامب ولو مواجهة ثانوية أو محدودة. ومن هنا نفهم اللقاء الذي تم بين نتنياهو ومحمد بن سلمان يوم الأحد الماضي بصحبة وزير الخارجية الأمريكي بومبيو واغتيال العالم النووي الإيراني، محسن فخري زاده، الجمعة وتحرك حاملة الطائرات أبرهام لنكولن إلى المنطقة. استفزاز متواصل لإيران لعلها تبدأ بهجوم أو عمليات انتقامية فيعطى المبرر لترامب لتوجيه ضربة قاسية لإيران قبل رحيله من البيت الأبيض ليورط الرئيس الجديد في نزاع حدد إطاره سلفا وهو عدم العودة إلى الاتفاق النووي وهو ما تريده السعودية وإسرائيل. فهل ستنجر إيران إلى الفخ المنصوب لها من الشريكين الإسرائيلي والسعودي؟

القدس

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا