تصحيح المسار بين العراق والسعودية.. هل تقرّ الرياض بما عليها؟

22

 عادل الجبوري

   خطوات مهمة واجراءات سريعة، شهدتها الأسابيع القلائل الماضية لاعادة احياء العلاقات العراقية – السعودية بعد قطيعة وخصام ومشاكل وأزمات وغياب للثقة، لاحت معالمها الاولى مع غزو نظام صدام لدولة الكويت في صيف عام 1990، وامتدت حتى بعد سقوط ذلك النظام في عام 2003، وبروز الكثير من الحقائق والمعطيات التي كان من المفترض أن تفضي الى تصحيح المسارات الخاطئة وتعيد بناء وترميم الجسور المدمرة بين بغداد والرياض، كما حصل بين بغداد وعواصم عربية واقليمية ودولية عديدة.

طيلة سبعة عشر عاما لم تتحلحل العقد الشائكة في علاقات بغداد والرياض، بل أكثر من ذلك ظهرت عقد أخرى، رغم أن التواصل والحوار بين الطرفين لم ينقطع تقريبًا، الا أنه كان أشبه بحوار الطرشان كما يقولون، لأن ما كان يطرح بين الطرفين بمختف الصعد والمستويات الرسمية داخل أروقة السياسة وعبر المنابر الاعلامية شيء، وما يجري في الميدان شيء آخر، والكمّ الكبير من الوقائع المخفية والمعلنة يؤكد ذلك.

فبينما لم يترك كبار الساسة والمسؤولين الحكوميين السعوديين فرصة أو مناسبة الا وأكدوا فيها على أهمية العلاقات البناء والايجابية مع العراق، كانت الوقائع والحقائق على الارض – وربما ما زالت – تؤشر الى العكس من ذلك، ولعل الكثيرين يتذكرون أن الحكومة العراقية نجحت في الأعوام الأولى التي تلت الاطاحة بنظام صدام بإقناع العديد من الدول بإطفاء أو تخفيض ديونها المترتبة على العراق، الا أنهم لم يفحلوا بإقناع السعودية باتخاذ ذات الخطوات، علما أن ما كان بذمة العراق لها هو عبارة عما قدمته لنظام صدام خلال حربه ضد الجمهورية الاسلامية في ايران، أي إن كل ما قدمته الرياض لنظام صدام عاد على الشعب العراقي بالأذى والضرر، والأدهى من هذا، أن النظام السعودي ضغط كثيرا على الدول الخليجية -وفي مقدمتها الكويت- حتى لا تتساهل مع العراق!

والمسألة الأخرى، هي أنه في الوقت الذي سعت فيه الكثير من الدول الى اعادة تمثيلها الدبلوماسي في العراق من خلال فتح سفاراتها مجددًا وتعيين سفراء لها، أحجمت الرياض عن ذلك لعدة أعوام، قبل أن تقوم بذلك أواخر عام 2015، وتعين ضابط استخبارات سابق هو ثامر السبهان سفيرا في بغداد، والذي أثار الكثير من الجدل وردود الأفعال الغاضبة في الأوساط السياسية والشارع العراقي نتيجة تدخلاته وتجاوزه سياقات عمله وحدود وظيفته الدبلوماسية، حتى أرغمت الرياض بعد أقل من عام على استبداله بسفير آخر هو عبد العزيز الشمري، من ذات الخلفية العسكرية الأمنية إلا أنه أكثر هدوءًا واعتدالًا من السبهان.

الى جانب ذلك، فإن السعودية كانت أحد أبرز الأطراف الخارجية التي تورطت بدعم وتمويل واسناد الجماعات والتنظيمات الارهابية المسلحة في العراق، سواء بالأموال أو الفتاوى التحريضية أو الاعلام، وفي ملفات الجهات الأمنية العراقية، احصائيات ربما تكون دقيقة عن أعداد الارهابيين السعوديين الذين فجروا أنفسهم وسط تجمعات المدنيين في الأسواق وأماكن العبادة والمدارس والجامعات، فضلًا عن استهداف المؤسسات الحكومية، وكذلك بأعداد الذين تم القاء القبض عليهم وأودعوا في السجون أو تم اعدامهم.

تصحيح المسار بين العراق والسعودية.. هل تقرّ الرياض بما عليها؟
التفجيرات الارهابية في العراق

ناهيك عن أن الرياض، حرصت على مساعدة ودعم قوى وشخصيات سياسية عراقية على حساب قوى وشخصيات أخرى، لتعزيز وتكريس الانقسامات السياسية وتعميق الاختلافات والتقاطعات بين الفرقاء العراقيين.

هذه الحقائق والمعطيات التي تحوي بين طياتها قدرًا كبيرًا من التفاصيل والخفايا، لا بد أن توضع على طاولة البحث والنقاش والتفاوض، حينما يراد تصحيح مسار العلاقات بين بغداد والرياض، اذ لا يكفي لتصحيح المسار، أن تبادر بغداد الى فتح أبوابها بمجرد أن الرياض أرادت ذلك.

لا شك أن اعادة فتح معبر عرعر الحدودي بين العراق والسعودية، وتوظيف الأخيرة جزءًا من رساميلها للاستثمار في العراق، وتعزيز العلاقات في المجالات والجوانب العسكرية والاستخباراتية، خطوات مهمة وبناءة، ولكن يفترض أن تسبقها أو تترافق معها خطوات تفضي الى تصفير أو حسم القضايا والملفات الخلافية العالقة، وهي بلا شك قضايا وملفات حساسة وخطيرة، لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهلها والقفز عليها، والانطلاق من نقطة الصفر وكأن شيئًا لم يكن.

فمثلما طالبت الرياض وما زالت تطالب بديونها المستحقة على العراق، وهي تسمى وفق القوانين الدولية بـ”الديون البغضية”، فإنها مطالبة بتعويض العراق كدولة وحكومة وأفراد عما لحق به من أضرار مادية وبشرية جراء الارهاب الذي كان للسعودية دور كبير في ايجاده وتمكينه، وهذا ما لم يعد خافيًا على أحد.

في ذات الوقت، فإنه لا بد من أن تضع الحكومة العراقية سياقات وآليات تضمن عدم قيام السعودية باستغلال الانفتاح الاقتصادي والسياسي والأمني لإلحاق المزيد من الأذى والضرر بالعراق، أو اتخاذه ميدانًا لتصفية الحسابات مع أطراف أخرى، فضلًا عن ذلك، فإنه حتى بالنسبة للمشاريع الاستثمارية، من المهم بمكان أن تخضع لدراسات الجدوى الاقتصادية بالنسبة للعراق، لا أن تمرر عبر المجاملات والمصالح الخاصة والحسابات الضيقة. فعلى سبيل المثال، يتطلب اعطاء الضوء الأخضر للاستثمار السعودي في صحراء العراق الواسعة، تقديرات دقيقة مسبقة عن أهمية وضرورة مثل ذلك الاستثمار، من حيث أبعاده الاقتصادية الايجابية، كتوفير فرص العمل للأيدي العاملة المحلية، وتنمية الواقع الزراعي في الجوانب التي ما زالت الامكانيات والقدرات المحلية عاجزة عن تحقيقها، فضلًا عن ضمان المحافظة على الثروات الطبيعية – من قبيل المياه الجوفية – وعدم تبديدها في مشاريع قد لا تتناسب فائدتها مع حجم الثروات المهدورة، ناهيك عن وجوب الأخذ بعين الاعتبار مجمل الأبعاد الأمنية الاستراتيجية المتعلقة بمحددات ومعايير الأمن الوطني للبلاد.

   بعبارة مقتضبة، حينما تفتح بغداد أبوابها للرياض، لا بد من التدقيق والتمحيص في الميادين والمساحات والمجالات التي سوف تتحرك فيها وعليها ومن خلالها، والنتائج والمخرجات المترتبة على كل ذلك، وبالطبع بعد اغلاق وتصفية الملفات والقضايا السابقة – الراهنة، بالشكل الذي يحفظ حقوق العراق ومواطنيه، وعدم التفريط بها تحت ذرائع وحجج واهية، وشعارات فضفاضة وعائمة، وأولويات مرتبكة وغامضة.

موقع العهد الاخباري

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا