حملات لمقاطعة المنتج الفرنسي.. اتفاق شعبي ودفاع سعودي إماراتي

74

انتفاضة شعبية إلكترونية في عدة عواصم عربية ضد التصريحات العنصرية للرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بشأن الإسلام والمسلمين، حيث طالب المغردون على منصات التواصل الاجتماعي بضرورة اتخاذ موقف جدية في مواجهة الإساءات الفرنسية المتكررة ضد المسلمين.

وكان ماكرون في كلمته أثناء حفل تأبين المدرس الفرنسي (صموئيل باتي) الذي قتل على يد لاجئ شيشاني من أصل روسي، قبل عدة أيام في إحدى ضواحي باريس، بسبب نشره لرسوم مسيئة للنبي عليه السلام، قال إن بلاده لن تتخلى عن تلك النوعية من الرسوم “وإن تقهقر البعض”، مضيفا أن باتي قتل لأن “الإسلاميين يريدون الاستحواذ على مستقبلنا”.

التصريحات الأخيرة وما سبقها من موجة هجوم ممنهجة ضد الإسلام وصلت إلى استهداف المحجبات وطعنهن والتلويح بمنع اللحوم الحلال من الأسواق الفرنسية، قوبلت بردود فعل منددة من قبل المنظمات والكيانات الإسلامية، تزامنت مع حملات لمقاطعة المنتجات الفرنسية ردًا على تلك الإساءات المتكررة.

تنديد إسلامي

إصرار ماكرون على التأكيد على أن بلاده لن تتخلى عن الرسوم المسيئة بحق الرسول الكريم أثارت حفيظة منظمة التعاون الإسلامي التي دانت في بيان لها ما وصفته “استمرار هجوم فرنسا المنظم على مشاعر المسلمين بالإساءة إلى الرموز الدينية”.

وأبدت استغرابها من الخطاب السياسي الرسمي الصادر عن بعض المسؤولين الفرنسيين في هذا الملف على وجه التحديد والذي ترى أنه “يسيء للعلاقات الفرنسية الإسلامية ويغذي مشاعر الكراهية من أجل مكاسب سياسية حزبية” الأمر الذي يتطلب إعادة نظر بحسب البيان.

وفي قطر طالب طلاب من جامعة قطر بضرورة إلغاء فعالية الأسبوع الثقافي القطري الفرنسي الذي ستنظمه خلال الفترة من 25 إلى 29 أكتوبر/تشرين الأول الجاري ردا على الموقف الفرنسي، فيما استجابت إدارة الجامعة لهذا القرار، معلنة تأجيل الفاعلية لأجل غير مسمى، مؤكدة على أن أي مساس بالعقيدة والمقدسات والرموز الإسلامية “أمر غير مقبول نهائيا”.

الموقف تجاوز التصريحات الدبلوماسية والمواقف الرسمية إلى الضغوط الاقتصادية، حيث بدأت بعض الشركات في سحب المنتجات الفرنسية من جميع فروعها، كما هو الحال مع شركة “الميرة للمواد الاستهلاكية” بالدوحة، والتي أكدت التزامها بالعمل وفق رؤية تنسجم مع الدين الإسلامي الحنيف والعادات والتقاليد العربية والإسلامية الراسخة.

لبنانيًا.. اعتبرت دار الإفتاء على لسان أمينها العام أمين الكردي أن “مفهوم الحرية الذي يمارسه البعض في حق رسول الإسلام ويسوق له ويغطيه ماكرون، سيؤدي لتأجيج الكراهية بين الشعوب والنزاعات الدينية”. وفي الكويت دعا رئيس مجلس الأمة (البرلمان) مرزوق الغانم، حكومة بلاده إلى استنكار الإساءات المقصودة لرموز الإسلام، مطالبًا إياها بالتحرك العملي ضمن المحيط الدبلوماسي لحظر الإساءة لكافة المعتقدات حول العالم.

مقاطعة المنتجات الفرنسية

تحت عنوان #مقاطعة_المنتجات_الفرنسية غرًد عشرات الآلاف من العرب والمسلمين الداعين لمقاطعة البضائع الفرنسية المنتشرة في الأسواق العربية، ليتصدر هذا الوسم قائمة أكثر الوسوم انتشارا في معظم الدول العربية، هذا بجانب وسوم أخرى تدين الفجاجة الماكرونية بحق الإسلام منها #ماكرون_يسيء_للنبي و#إلا_رسول_الله.

الحملة لاقت تفاعلًا كبيرًا لدى الشارع العربي، لاسيما بعدما أعلنت العديد من الأسواق الكويتية إزالة البضائع الفرنسية من فوق أرفف متاجرها، وهو ما قوبل بترحيب كبير، وإشادة بالغة الحفاوة من المغردين الذين طالبوا بقية المتاجر العربية بحذو الموقف ذاته.

بعض النشطاء نشروا قوائم بأسماء أشهر المنتجات والماركات الفرنسية الموجودة في الأسواق العربية، والتي تسيطر تقريبًا على حصة الأسد في المبيعات اليومية، في محاولة للتعريف بها لمقاطعتها، فيما أكد آخرون على أن المقاطعة الاقتصادية ربما تكون الأكثر ألمًا لعنهجية ماكرون وتطاوله.

وتشكل المقاطعة الاقتصادية أحد أبرز الردود الموجعة والمؤثرة على عنصرية ماركون الذي يستند في موقفه إلى دعم اليمين المتطرف في بلاده وبقية أوروبا، متناسيًا أن مواقفه تلك قد تكبد بلاده عشرات المليارات من الدولارات، خسائر بسبب المقاطعة وانسحاب بعض الشركات.

في تقرير سابق لـ “نون بوست” أشار إلى احتمالية أن يكون الحصاد الأول لعنصرية الحكومة الفرنسية تجاه المسلمين فقدان قرابة 5 مليارات يورو سنويًا، قيمة استثمارات اللحوم الحلال في البلاد، التي تعد الأكثر استهلاكا لها في أوروبا، في ظل تجاوز عدد المسلمين بها حاجز الـ 5 ملايين مواطن فيما يذهب اليمين المتطرف إلى زيادة الرقم الفعلي عن هذا المعلن.

وتشير الإحصائيات الخاصة بمستوى العلاقات الاقتصادية بين فرنسا والدول العربية إلى قدرة سلاح المقاطعة على تحقيق ضربات موجعة حال تصويبه فرنسيًا، حيث يتجاوز حجم التبادل التجاري بين الطرفين 55 مليار دولار سنويًا، هذا بخلاف مئات المشروعات الاستثمارية بينهما.

وتذهب التقديرات إلى أن هناك مايقرب من 880 منشأة عربية تستثمر في فرنسا، تقوم بتشغيل 31400 موظف براتب ثابت، فيما وصل إجمالي استثماراتها مجمعة إلى 7.6 مليار يورو، أسهمت في تصدير سلع فرنسية بقيمة 27 مليار يورو، وتساعد بشكل كبير في إنعاش الاقتصاد الوطني الفرنسي.

وتأتي السعودية في المرتبة الاولى عربيًا كأهم شريك تجاري مع فرنسا حيث وصلت قيمة الحجم التجاري بين البلدين 34.5 مليار ريال (9.2 مليار دولار)، فيما تعمل 80 شركة فرنسية داخل المملكة، توظف أكثر من 30 ألف شخص، وتبلغ قيمة استثماراتها 15 مليار دولار في السعودية.

الميزان التجاري يميل لمصلحة فرنسا بحدود 4.6 مليار ريال (1.2مليار دولار) أي ما يعادل 13 في المائة من إجمالي التبادل التجاري بين البلدين، فيما يبلغ حجم الاستثمار السعودي في فرنسا نحو 553 مليار يورو، وهو ما يعادل 26 مؤسسة تابعة لشركات سعودية، و1129 وظيفة وإيرادات تصل إلى 380 مليار يورو.

ثم تأتي الإمارات في المرتبة الثانية، حيث وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 18.3 مليار درهم، «4.44 مليار يورو»، فيما يميل الميزان التجاري لصالح فرنسا بقيمة 8 مليارات درهم «1.9 مليار يورو» حيث صدّرت فرنسا منتجات وبضائع إلى الإمارات ب13 مليار درهم، «3.16 مليار يورو»، فيما استوردت من الإمارات ب 5.3 مليار درهم، «1.28 مليار يورو»، وفق الإحصائيات الرسمية.

تحفظ سعودي إماراتي

معظم من لم يتفاعلوا مع حملة المقاطعة التزموا الصمت، إما لأسباب اقتصادية كونهم مرتبطين بمصالح مع الشركات الفرنسية أو لمصالح سياسية، لكن المثير للجدل أن بعض الأسماء الشهيرة والمعروفة إعلاميًا في السعودية والإمارات حملت لواء التبرير للفرنسيين، ساعين إلى تشويه الحملة وإلصاقها بالإخوان تارة، وتركيا تارة أخرى.

فهاهو تركي الحمد، أستاذ العلوم السياسية السابق، بجامعة الملك سعود بالرياض، وأحد المقربين من ولي العهد محمد بن سلمان، يبرر لماكرون حملته المعادية للإسلام، واصفًا أنها تستهدف الإسلام السياسي، غير أن “الإخوان حولوها إلى حملة على الإسلام ككل” وأضاف في تغريدة له ” الإخوان يريدون احتكار الإسلام ففرنسا فتحت لهم أبواب الهجرة، فكيف تتنكر لهم..قليل من العقل..”.

الموقف ذاته أكد عليه الإعلامي السعودي عضوان الأحمري، رئيس تحرير “إندبندنت عربية” السعودية، حين أشار إلى أن “تركيا هو العدو الأول للسعودية وأمنها وليست فرنسا” مبررًا عنصرية الرئيس الفرنسي ضد الإسلام بقوله إن “هجوم ماكرون وتصريحاته رد فعل طبيعي على جريمة وحشية ارتكبها إرهابي أهوج” وعاود التأكيد مرة أخرى على أن ” مقاطعة تركيا مستمرة والذين يحاولون صرف النظر عنها وتخفيف أثرها بحرف البوصلة نحو باريس لن ينجحوا”.

إماراتيًا… دخل الأكاديمي عبد الخالق عبد الله، مستشار  محمد بن زايد، على خط الدفاع والتبرير عن الوقاحة الفرنسية، مؤكدًا أن موجة الدفاع عن النبي التي وصفها بـ “حملة الإخوان ضد حرب فرنسا المحقة على الغلو والتطرف” بأنها ” ليست مخلصة لوجه الله وليست دفاعًا عن الإسلام بل هي متاجرة بالدين”.

الكاتب الإماراتي علي بن تميم، يؤيد وجهة النظر ذاتها حين علق قائلا إن “تركيا أساءت للرسالة المحمدية ولتراث العرب والمسلمين، وأن فرنسا سعت دون كلل إلى عدم الارتهان للجماعات الإسلاموية المتطرفة التي تريد احتكار الصواب ونشر الاحتراب بالزيف والسراب وفتاوى الإرهاب”.

وبضدها تتميز الأشياء، ففي الوقت الذي انفجرت فيه منصات التواصل الاجتماعي في الإمارات والسعودية والبحرين ومعها مصر للمطالبة بمقاطعة البضائع التركية بسبب ما أسموه “الموقف العدائي للرئيس رجب طيب أردوغان ضد بلادهم”، إذ بهم يغضون الطرف عن اتخاذ نفس الموقف مع التطاول الفرنسي على الإسلام، رغم أن الخلاف هنا عقدي وديني وليس سياسي كما في الحالة التركية.

إن لم تستطع نصرة الحق فلا تصفق للباطل.. لكن يبدو أن الذباب الإماراتي السعودي لا يتوارى خجلًا في الزود عن العنصرية ضد الإسلام ولو كان المستهدف رسول البشرية ودرة تاجها الأول، وذلك نكاية في تركيا أو انتقامًا من الإخوان، حتى لو كان ذلك على حساب ركائز الدين وأعمدة العقيدة، لتواصل الأقعنة سقوطها كاشفة عن الوجوه الحقيقية التي دوما ما روجت لشعارات الدفاع عن الدين وحمل هموم الأمة وقضاياها.

نون بوست

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا