عسكر الانقلاب في السودان يصالح العدو…. من الذكريات مع عبد الخالق محجوب..

31

تتزايد أعداد المطبعين من قادة الدول العربية مع العدو الإسرائيلي.

وكانت “جمهورية السودان الإتحادية” بقيادة العسكر مع مجموعة من الساسة المحترفين، نهّازي الفرص للوصول إلى فوق، آخر من “بشرنا” الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإقدامها على هذا الفعل المستنكر..

أطرف ما حاول رئيس حكومة التطبيع في السودان التذرع به لتبرير فعلته استذكار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والإدعاء أنه قد سمح بذلك في القمة العربية الإستثنائية التي عقدت في الخرطوم، إثر هزيمة 5 حزيران 1967.

والحقيقة أن الرئيس جمال عبد الناصر، الذي كان قد اشتد عليه المرض، ومعه الآسى، ثم الفجيعة بسوء إدارة المشير عبد الحكيم عامر للمعركة، قد رفع في قمة الخرطوم “اللاءات الثلاث.. لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف”.

ولقد ران الصمت بعد هذه الكلمات المدوية… وبعد لحظات تنحنح الملك فيصل آل سعود، سائلاً عن النفقات الضرورية لإعادة بناء القوات المصرية بما يمكنها من الصمود ثم الاستعداد للعودة إلى مواقعها الأصلية شرق القناة..

وبهدوء مثير أخذ الرئيس عبد الناصر الملف الذي يحمل تفاصيل التكاليف المطلوبة لإعادة بناء القوات المسلحة وألقاه في اتجاه الملك فيصل، وغادر القاعة على الفور.. فيما سائر الملوك والرؤساء العرب مرتبكون، حائرون، لا يعرفون كيف يتصرفون!.

*****

بعد مرور أسابيع على تلك الواقعة قام عبد الخالق محجوب، الأمين العام للحزب الشيوعي في السودان، والذي كان يحظى بشعبية واسعة في بلاده، بزيارة إلى القاهرة للقاء الرئيس جمال عبد الناصر.

بعد التحية والسلام والاطمئنان عن الصحة، قال عبد الخالق محجوب:- سيدي الرئيس، بل يا جمال عبد الناصر.. أعرف أنك محرج، وأن الهزيمة ثقيلة الوطأة، وأنت تحس أنك مغدور ومن بيت أبيك ضربت ( .. في إشارة إلى بهوت الحس بالمسؤولية عند عبد المشير عبد الحكيم عامر، الذي كان يتفقد القوات المصرية في بعض سيناء، على الضفة الشرقية لقناة السويس عند بدء الهجوم الإسرائيلي.. مما أضاف إلى التقصير والخفة أن القيادة قد دققت في الرد على العدوان حتى لا تصيب بنيرانها القائد العام للقوت المسلحة المصرية!…)

مرت لحظة صمت، وكان عبد الناصر خلالها منصتاً ينتظر أن أكمل حديثي، فقلت: سيدي الرئيس، أنا أتحدث كأمين عام للحزب الشيوعي السوداني، وأريد أن تحدثني فتبلغني بملاحظاتك على الدور الذي لعبه السوفيات في هذه الحرب، وهل قصّروا وكان بإمكانهم أن يقدموا أكثر وأن يحذروا وينبهوا بمعلومات مخابراتهم..

صمت عبد الخالق محجوب لحظات، وتنهد قبل أن يتابع: بلغني ملاحظاتك جميعاً، وسأركب الطائرة إلى موسكو، وثق أنني سأبلغها للرفاق في المكتب السياسي بأشد مما يمكن أن تقوله سيدي الرئيس..

وختم محجوب قائلاً: عند هذا الحد، وقف الرئيس عبد الناصر، فوقفت طبعاً، وفوجئت “بالريس” يتقدم مني معانقاً وهو يقول: شكراً يا عبد الخالق، شكراً أيها الصديق المخلص.

بعد ذلك، يضيف محجوب، جلسنا، وطفق “الريس” يروي التفاصيل قبل أن يزودني بملف كامل عما تمت تلبيته من مطالب مصر وما لم تقدمه القيادة السوفياتية.

*****

ما أبعد المسافة بين الخرطوم في أمسها المتوهج، والخرطوم اليوم، حيث يتباهى نتنياهو بأنه التقى بعض العسكريين من قادتها في بعض الدول الأفريقية وأنه سيكون سعيداً جداً بأن يجيء إلى الخرطوم لتدشين علاقات الصداقات مع عسكر السودان الحاكم.

*****

بالطبع، يمكن للحكم العسكري المطَّعم ببعض المدنيين، أن يتذرع ببؤس الأحوال في “أرض النيليين – الأزرق والأبيض”..

لكن المؤسف أن الصلح مع العدو الإسرائيلي لن يوفر حياة أفضل لشعب السودان العظيم، وأن وعود ترامب وتعهداته ستذهب هباء مع ريح الإنتخابات الرئاسية، وسواء أفاز ترامب أم خسر امام منافسه بايدن.. فليس معنياً لا اليوم ولا غداً، بما يطلبه السودان.. الذي ما أكثر ما يحتاج إلى العون… الذي لن يأتي، بالقطع، من عند العدو الإسرائيلي..

… وفلسطين لن تصير “إسرائيل” بشهادة دماء الشهداء التي سالت على أرضها، وفيها دماء كثير من السودانيين!

على الطريق

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا