جذور البلطجة المالية الاميركية ـ اليهودية في العالم

470

جورج حداد

تدعي الدولة الأميركية أنها دولة ديمقراطية تحافظ على القانون والشرعية الدوليين. ولكنها في الواقع تضطلع بدور الغانغستر، قاطع الطريق والبلطجي الذي يرهب ويبتز جميع دول العالم، الصديقة وغير الصديقة لاميركا. وتتجلى هذه البلطجة الدولية أكثر ما تتجلى في سياسة فرض العقوبات المالية والتجارية والاقتصادية على الدول الأخرى، مستغلة الوضع المميز للدولة الأميركية في النظام المالي العالمي الذي أنشأته في نهاية الحرب العالمية الثانية، والذي يضطلع فيه بدور مركزي بنك “الفيديرال ريزرف” الأميركي الذي يسيطر عليه تمامًا المليارديرية اليهود. ولأجل فهم طبيعة السياسة الاميركية من الضروري تشريح نظام البلطجة الاميركي:

نشأة بنك “الفيديرال ريزرف” ودوره:

في أعقاب الأزمة الاقتصادية في أميركا في 1907، عقد اجتماع سري للغاية لعدد من أكبر رجال البنوك، في جزيرة دجيكيل بولاية جورجيا، وذلك في 22 تشرين الثاني 1910، ودام الاجتماع مدة اسبوع بسرية تامة. وبعد ست سنوات كتب عن هذا الاجتماع الصحفي المالي الاميركي بيرتي فوربس (مؤسس مجلة فوربس).

وكان الحضور هم: السيناتور اولدريتش، رئيس لجنة الاصلاحات البنكية في الكونغرس، والسكرتير الثاني في وزارة المالية، وفرانك فاندرلوب ـ رئيس ناشيونال سيتي بنك في نيويورك، وهنري دافيدسون ـ المبعوث الخاص لـ ج. ب. مورغان، وبول ووربيرغ ـ وهو مهاجر الماني وممثل للبنك اليهودي “كون، لويب وشركاهم” وكذلك احدى اشهر العائلات اليهودية في نيويورك.

ويكتسب هذا الاجتماع السري أهمية استثنائية لأنه يمثل أهم الشخصيات البنكية وأهم الشخصيات المالية اليهودية لا الاميركية وحسب، بل والاوروبية ايضا (من خلال بول ووربيرغ وعلاقاته بالمعسكر الالماني، ومورغان وعلاقاته باخطبوط روتشيلد في اوروبا وعلاقاته بالمعسكر الانجليزي ـ الفرنسي).

وبناء على ما سمي مشروع اولدريتش، تقرر في هذا الاجتماع السري انشاء البنك المسمى “نظام الاحتياط الفيدرالي” (الفيديرال ريزرف)، قبل ان يبحث هذا الموضوع في مؤسسات الدولة الاميركية.

وفي 1913 تأسس رسميا (U.S. Federal Reserve System)، كي يقوم بدور البنك المركزي الاميركي، وصادق عليه الرئيس وودروو ويلسون. ونشأ “الفيديرال ريزيرف” كمؤسسة خاصة تماما، ليس لملكيتها أي علاقة بالحكومة الاميركية، ولكن يشارك في مجلس ادارتها مندوبون عن الحكومة الاميركية. وهو يتشكل من عدد من بنوك مختلف الولايات الاميركية ذات الحجم “الوطني”، اي متجاوزاً الولاية الواحدة. ويمتلك “الفيديرال ريزرف” حق اصدار الدولار الاميركي. وباعتباره ملكية خاصة فإن “الفيديرال ريزرف” يؤمن للحكومة الفيديرالية الدولارات البنكنوتية مقابل حصوله على فائدة سنوية.

ما الذي حدث بعد وقوع الازمة وانشاء بنك “نظام الفيديرال ريزرف”؟

ـ تم ابراز وودروو ويلسون الذي اصبح فيما بعد رئيسا للدولة. وكان يقف خلفه شخصيات مثل: مورغان، شيف، فارتبورغ، فاندرلوب وغيرهم. وكان “يقود” الرئيس بشكل مباشر ماندل هاوس وبرنارد باروخ، اللذان اصبحا بمثابة “كارديناليْه” او مستشاريْه الماليين الاقربين.
وكانت هذه التغييرات الاميركية، التي تحكمت بها الطغمة المالية اليهودية، مقدمة لتغييرات اقتصادية وسياسية، هي التي قادت الى وقوع تلك “الحادثة” وهي اشعال الحرب العالمية الاولى.

ماذا نسنتنج من ذلك؟

ـ انه تم استغلال ازمة 1907 لاقرار التوجه نحو انشاء بنك مركزي اميركي، بهدف معلن هو التحكم بالاسواق المالية وعدم تكرار الازمات. ولكن بدلا من ذلك تم التآمر لانشاء بنك اصدار موحد يسيطر عليه الماليون اليهود، اعطي رسميا دور بنك مركزي، ليقوم ليس بمنع الازمات، بل بتدبيرها واختلاقها وادارتها، ليس اميركيا وحسب، بل وعالميا ايضا. وان هذا البنك، كامتداد للاخطبوط اليهودي (لعائلة روتشيلد وغيرها) كان اكبر مهندس للحرب العالمية الاولى.

وفيما بعد الحرب العالمية الاولى انتهج “الفيديرال ريزرف” سياسة اصدار تضخمية مترافقة مع سياسة تسليف تضخمية، الامر الذي اسهم في اندلاع ازمة الكساد الكبير في 1929 ـ 1933.

ومع بداية عهد فرانكلين روزفلت تمت احدى اكبر عمليات النصب الدولاري. ففي نيسان 1933 صدر قرار يقضي بالغاء المعيار الذهبي (التغطية الذهبية) للدولار، وحرية استبدال الدولار الورقي بالذهب. وفرض على المواطنين بيع الذهب الذي لديهم الى الدولة حصرا، وبالاخص تسليم الدولارات الذهبية مقابل دولارات ورقية؛ ونص القانون الخاص بذلك ان الذي يرفض بيع ذهبه للدولة يتعرض لعقوبة السجن ولغرامة مالية كبيرة جدا.

وفي تشرين الاول 1933، بعد ان تم “شراء” الكمية الاكبر من الذهب من المواطنين، اعلن روزفلت تخفيض قيمة الدولار (devalvation)، اي انه جرى تخفيض سعر الاوراق التي اعطيت للمواطنين مقابل المعدن الثمين. وهي لصوصية مكشوفة في وضح النهار، وباسم القانون.

ومنذ ذلك الحين تحول الدولار الى عملة اعتباطية ـ سلطوية، لا اعتبار لتغطيتها الذهبية، وتتحكم الدولة بقيمتها، اي عمليا الكتلة المالية اليهودية العليا، المالكة لـ”الفيديرال ريزرف”. وادى الغاء المعيار الذهبي في عهد روزفلت الى اتاحة الامكانية لطبع الدولار بشكل غير محدود، ولمضاعفة الكتلة المالية كل عشر سنوات او اقل، ولاطلاق جيوش من السماسرة الماليين ـ العملاء، والنصابين، المدربين، في كافة ارجاء العالم من اجل ايقاع كافة الانظمة المالية في الشبكة الاميركية.

ويقول المؤرخ الروسي فاليري شامباروف (راجع جريدة “نوفا زورا” البلغارية ـ العدد 43 ـ 25 تشرين الثاني 2008) “ان الكساد الكبير قد زلزل ليس فقط الولايات المتحدة الاميركية. اجل، لقد كانت هذه اول ازمة اميركية تنتقل الى الدول الاخرى. وكانت اكثر ايلاما في المانيا، لانها كانت الدولة الاكثر ارتباطا بالبيزنس الاميركي. وقد استفادت “الايدي الخفية العالمية وراء الكواليس” من ذلك لاجل ايصال هتلر الى السلطة. وكان رجال السياسة والمخابرات الاميركيون قد اهتموا به (اي بهتلر) منذ سنة 1922 ـ 1923، وحصل حزبه على مبالغ طائلة من الخارج. وفي حاشية هتلر ترى بوضوح “البصمة الاميركية”. والعبقري المالي لدى هتلر كان على وجه التحديد يالمار شاخت، وثيق الارتباط بالوول ستريت الاميركي. وجميع الشركات تقريبا في الرايخ الثالث، التي كانت تنتج الاسلحة، كانت شركات مختلطة المانية ـ اميركية. وكانت “الايدي الخفية العالمية من وراء الكواليس” قد عملت حسابها ان يقوم هتلر بسحق مزاحمي الولايات المتحدة الاميركية في اوروبا، وبعد ذلك يقوم بالهجوم على الاتحاد السوفياتي”.

وفي الحساب الاخير، فإن السياسة المالية والاقتصادية الاميركية، التي طبخت داخل جدران قلعة “الفيديرال ريزرف”، ونفذتها مؤسسات الدولة الاميركية، خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، اضطلعت بدور رئيسي، (وان لم تكن اعطيت الاهتمام الكافي بها من قبل الباحثين التاريخيين)، في التحضير للحرب العالمية الثانية.

فخ بريتون وودز:

مع نهاية الحرب العالمية الثانية كان الهدف الرئيسي للولايات المتحدة الاميركية اعادة تشكيل النظام العملوي العالمي بشكل جديد من المعيار الذهبي العالمي. وقد تمت بلورة النظام الجديد نهائيا في المؤتمر الدولي في بريتون وودز الذي انعقد في الفترة ما بين 1-22 تموز سنة 1944، بالمشاركة الفعالة وممارسة الضغط من قبل اميركا. وفي هذا المؤتمر وضعت عملات جميع بلدان العالم في كفة، والدولار الاميركي وحده في كفة. وبموجب قرارات هذا المؤتمر فإن كل عملة وطنية تسعر بمقدار معين من الذهب (التغطية الذهبية التقليدية)؛ وبالتالي فإن كل دولة تطبع من عملتها الوطنية الورقية كمية توازي ما تملكه من احتياط ذهبي، وذلك لاجل حاجة سوقها المالية الداخلية. اما الدولار وحده فلم يتم تسعيره بالذهب، بل تم تسعير الذهب به. وأقرت معاهدة بريتون وودز سعر اونصة الذهب بـ35 دولارا ورقيا اميركيا حسبما طلبت الحكومة الاميركية.

وطبعا جرى اختيار الدولار بوصفه عملة التسعير العالمية، وعملة الدفع العالمية، وعملة الاحتياط العالمية، الوحيدة. واستنادا الى نفوذها السياسي والعسكري والى علاقاتها التجارية وقوة اقتصادها (وليس الى ما تملك من ذهب) أخذت اميركا تضخ عشرات ومئات مليارات الدولارات الى مختلف بلدان العالم، بواسطة التجارة الدولية، والقروض، وما يسمى “المساعدات”، و”مشروع مارشال” لاعادة انهاض اوروبا الغربية، والبترودولار وغير ذلك. وتهافتت البنوك المركزية لمختلف البلدان لتجميع الدولارات الاميركية السحرية وتحويلها الى عملة احتياطية مرادفة وبديلة للتغطية الذهبية العينية. وبذلك تدفقَ الذهب الى اميركا. وإن كمية الدولارات الورقية التي ضختها اميركا الى الخارج ظلت في كل الاحوال اكبر بكثير من كمية الذهب التي بحوزتها (على قاعدة 35 دولارا = 1 اونصة ذهب)، وبذلك تم “تصدير” سياسة التضخم التي كان “الفيديرال ريزرف” قد اعتمدها في الداخل، الى خارج الولايات المتحدة، وأصبح المصير الاقتصادي للعالم الرأسمالي بأسره وللدورة المالية العالمية مرتبطا او بالاصح تحت رحمة ادارة “الفيديرال ريزرف”. وكان الماليون الاميركيون يؤكدون بغطرسة انه لا يجب ان يتضايق احد من تراكم الميزانيات الدولارية في الخارج، لان الاجانب لن يعمدوا الى تحويلها الى ذهب.

ونذكر هنا انه بعد فترة وجيزة حققت الادارة الاميركية خطوة هامة، عززت بها قرار بريتون وودز بتسعير أونصة الذهب بـ35 دولارا. وهذه الخطوة هي اجتماع الرئيس الاميركي روزفلت حينذاك مع الملك السعودي عبد العزيز آل سعود في 14 شباط 1945، حيث اتفق الرئيس والملك على المحافظة على اسعار النفط في حدود 2،5 ـ 3 دولارات للبرميل، الامر الذي فيه اجحاف كبير للسعودية ولجميع الدول المنتجة للنفط. ولكن السعودية حرصت على الالتزام بهذا الاتفاق، مما أعطى الدولار وزنا اقتصاديا ملموسا، الى جانب المخزون الضخم من الذهب الذي تجمع لدى “الفيديرال ريزرف”، والى جانب هيبة اميركا كدولة عظمى. وأصبح بالامكان قياس الدولار بالنفط أيضًا. ومن هنا تكتسب العبارة الوصفية للنفط “الذهب الاسود” وقعًا خاصًا. وكانت شركات تسويق النفط، أساسًا الأميركية، تشتري النفط الرخيص، وتبيعه في الأسواق العالمية بضعف أو بضعة أضعاف سعر الشراء، محققة أرباحًا خيالية، مما كان يعبر بشكل نموذجي عن تطبيق سياسة شراء الخامات من دول العالم الثالث بأسعار رخيصة (ادنى من قيمتها)، وبيع المنتوجات الصناعية للدول المتقدمة بأسعار عالية (اعلى من قيمتها)، وهو ما يسمى: مقص الأسعار.

وقد حققت أميركا عن طريق هذه السياسة المالية ـ العملوية الدولارية (البنكنوت الورقي من اميركا ـ الذهب من بنوك العالم ـ والنفط من الدول المنتجة) أرباحًا هائلة عن طريق النصب الدولي ليس الا. وبالتدريج صار “الانتاج” الرئيسي الذي تعول عليه أميركا هو طباعة أوراق البنكنوت ورميها في الأسواق المالية الأميركية والعالمية؛ وكان لهذا أثره البالغ لجهة تخفيض حوافز الانتاج الاميركي؛ فبين اللصوصية والانتاج اختارت أميركا اللصوصية، ولا عجب أن تتحول لاحقًا الى أكبر دولة مدينة ذات عجز في الميزان التجاري وعجز في ميزانية الدولة بألوف مليارات الدولارات.

ولكن خلال حرب التحرير الفيتنامية الثانية 1956ـ 1973 (التي شاركت فيها اميركا كي يكون لها موطئ قدم عسكري اضافي بمواجهة الصين الشعبية والاتحاد السوفياتي)، وبسبب كونها عسكريا “دولة رأسمالية كرتونية ينخرها وينخر جيشها الفساد تماما” تكبدت اميركا خسائر مالية هائلة، واصبحت حرفيا على شفير الانهيار التام كدولة، بفضل الصمود البطولي للشعب الفيتنامي ودماء ابنائه، “وساهمت هذه العوامل وغيرها في تعاظم المشاكل الاقتصادية في أميركا فلجأت إلى الذهب للمساهمة في حلها فتقلـّص احتياط الذهب بداية عام 1971 إلى نحو تسعة آلاف طن بانخفاض نسبته 55٪ مقارنة بالاحتياط قبل ذلك بنحو 20 سنة. وحاول الرئيس نيكسون معالجة التضخم من خلال عدد من الاجراءات الاقتصادية لكنه لم يحقق نجاحاً مهماً. وخشي حـَمـَلة الدولار من استمرار تآكل قيمة احتياطهم الدولاري بسبب التضخم فبدأت بعض البنوك المركزية بتحويل دولاراتها إلى ذهب بموجب الوعد الأميركي. وفي 15/8/1971 استدعى الرئيس نيكسون مدير صندوق النقد الدولي إلى البيت الأبيض وأبلغه عزمه حظر استبدال الدولارات بالذهب، وذلك قبل نصف ساعة من بدء العمل بالقانون”. (فؤاد النمري، مقال: الحادي عشر من سبتمبر، موقع: الحوار المتمدن). وبكلمات اخرى ففي آب 1971 حسم الرئيس نيكسون المسألة إذ عمل على إبطال اتفاقية بريتون وودز وقطع الارتباط بين الدولار والذهب، ومنذ ذلك الحين بدأت قيمة الدولار تتحدد بالعرض والطلب. وانقضى بذلك عهد معيار الذهب. وانكشف تماما الوجه اللصوصي لاميركا امام جميع الدول التي صدقتها واستخدمت الدولار كعملة احتياطية. وفي غضون سنة او سنتين ارتفع سعر اونصة الذهب اضعافا. واليوم يبلغ سعر اونصة الذهب اكثر من 30 ضعف سعر اتفاقية بريتون وودز (35 دولارا للاونصة)، وهو ما يعطي فكرة واضحة عن مدى ضخامة ووقاحة لصوصية اميركا التي تدعي الدفاع عن الدمقراطية وحقوق الانسان وحقوق الشعوب.

لكن النظام المالي العالمي الخاضع لاميركا واليهودية العالمية هو الآن على شفير السقوط والانهيار التام بفضل المقاومة الصلبة التي يواجهها من قبل “المحور الشرقي الجديد” المتمثل في روسيا والصين وايران، باقتصاداتها الكبرى، وقدراتها العسكرية الكاسحة، والتي تطرح اقامة نظام مالي عالمي جديد على اساس المنفعة والمصالح المتبادلة لجميع دول وشعوب العالم.

العهد الاخباري

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا