استراتيجيات التأثير في وسائل الاعلام بالبيئة العراقية

97

د. مثنى الغانمي

عضو مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

مما لا شك فيه شغل القنوات الفضائية والمحطات الاذاعية والمؤسسات الصحفية ووسائل التواصل الاجتماعي مساحة كبيرة من اهتمامات الجمهور لا سيما بعد تجسيد صريح لمقولة عالم الاتصال الكندي ماكلوهان ان وسائل الاعلام حولت العالم الى قرية كونية صغيرة في إشارة الى فاعلية الوسائل تلك بتغطية الاحداث والاخبار ونقلها من مكان الى أبعد وقد تكفلت نظريات الاتصال بهذا الجانب عبر تجارب قام بها علماء اتصال الغرب.

فبات الاعلام محورا محركا لأغلب الاحداث التي تقع في الدول ومنها دول المنطقة وتحديدا العراق الذي مر بربيع مبكر للتغيير السياسي، ازاح ستار الشمولية وحالة التوحد التي عانت منها قطاعات الدولة ومنها الاعلام في العراق،  فبعد الانفتاح الذي شهدته الساحة المحلية على مختلف الاصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والاعلامية، حرصت وسائل الاعلام على بلورة تصورات واعتقادات جديدة ووعي آخر لدى المواطن العراقي ما بعد عام 2003، والحقيقة ان هذا الامر ما انفكت عنه اغلب وسائل الاعلام العراقية بمختلف جهات التمويل والرعاية، ما حتم على اغلب التيارات والأحزاب السياسية منح البعد الإعلامي في تفسير الواقع العراقي الجديد أهمية كبيرة إذ ترجم هذا الاهتمام بتأسيس مؤسسات إعلامية وصحفية تعود لاغلب أصحاب النفوذ والقرار السياسي في العراق، لذا اعتقد وقبل كل شيء علينا تحديد مرجعية وسائل الاعلام في العراق لما سيعطي ذلك الحجوم في توزيع نسب ومساحات التأثير التي تسعى لها تلك الوسائل تحقيقا لاهداف ومشاريع سياسية، ويقسم المختصون المرجعيات تلك الى ثلاثة اقسام هي:

1- اعلام خاص بالدولة: هو الاعلام الذي يكون التمويل المالي فيه من قبل ما يسمى المال العام بعيد عن توجيه الإدارة وتأثيرها وهي بهذا المفهوم تمثل اعلام دولة وليس اعلام حكومة.

2- اعلام الأحزاب: وهو الاعلام المعبر عن اهداف وتوجهات الأحزاب السياسية والطائفية والعرقية والممولة من قبلها.

3- اعلام الافراد: وهو الاعلام الأهلي الممول من قبل الافراد او الهيئات الخاصة، وفي الغالب يكون هذا النوع مملوكا لشخصيات سياسية بالرغم من محاولة القائمين على هذا النوع من المؤسسات التذرع بتصريحات الاستقلالية والحيادية.

وبعد هذا التقسيم للأنماط المتعددة للإعلام العراقي يرى المتفحص بشكل جلي كيفية إدارة عملية التأثير التي يخطط لها صناع القرار في المؤسسات تلك إذ من الضروري التوقف عند تفاصيل دقيقة تقع ضمن عملية خلق الانطباع والتأثير في الملتقي وجعله ضمن مساحات التبني للخطاب الإعلامي للقناة او تحييده، وفي هذا الجانب تقع المسؤولية على عاتق النظريات المفسرة لدور وفاعلية وسائل الاعلام ومنها القنوات الفضائية في احداث التأثير والاثر فهناك الكثير من النظريات العلمية او ما يعرف بـــ(نظريات التأثير لوسائل الاعلام) التي تقترح أن الجمهور يتأثر بما يشاهده اذا كان ذلك يمس جزءا حقيقيا من حياته، الا أن ما يهمنا هو: ما الآليات التي تعتمدها وسائل الاعلام في التأثير بشقيه السلبي والايجابي عند المتلقي؟ حيث تشير دراسات علوم الاتصال ان جملة استراتيجيات ومعايير تعتمدها عمليات التأثير في الجمهور عبر النشاطات الاتصالية والإعلامية التي تعالجها وسائل الاعلام، ويمكن تحديدها في هذا الاطار:

1- استراتيجية المال السياسي: ويقصد به تغذية المؤسسة الإعلامية بالأموال من جهات معلومة وغير معلومة لتنفيذ خططها الاعلامية ومهامها (الفنية والادارية) بهدف تنفيذ وإنتاج برامج ونشاطات إخبارية متنوعة.

2- استراتيجية الالهاء: تتمحور هذه الاستراتيجية حول ضرورة تحويل انتباه الرأي العام عن القضايا المهمة الى أمور وقضايا ثانوية ومحاولة التلاعب بسلم أولويات اهتمام المواطن عبر التناول الإعلامي والتغطيات والمعالجات الإخبارية التي تسهم في بناء راي جمعي او قناعات شعبية حيال قضية من الدرجة الثانية واهمال القضية الاساسية.

3- استراتيجية افتعال الازمات واقتراح الحلول: تتلخص هذه الاستراتيجية بأهمية افتعال الازمات وخلق جو غير مستقر ومن ثم دفع الجمهور لحل يرضيه وفق مصالح واجندة الجهات التي ترعى تلك الوسائل.

4- استراتيجية التأجيل وجس النبض: تكشف هذه الاستراتيجية اسلوبا قد تلجأ اليه بعض الوسائل الإعلامية بتوجيه من جماعات القرار او الممولة، بتكثيف التغطيات الإخبارية التي تركز على اختبار مدى المقبولية الشعبية إزاء قرار ما او قضية ما من اجل تمريرها في وقت أخر والحوادث في البيئة العراقية كثيرة في هذا الجانب.

5- استراتيجية مخاطبة الجمهور: هذه الاستراتيجية من شأنها تمييز نوع الخطاب واللغة الإعلامية الموجهة للجمهور، لاسيما عبر فعاليات إعلامية يُخطط لها من اجل تحقيق أهدافها السياسية وتحتم هذه الاستراتيجية مراعاة مضامين تلك النشاطات وتوقيتاتها وطبيعة لغتها وآليات وعناصر تقديمها.

6- استراتيجية الذنب: هذه الاستراتيجية واحدة من اهم الاستراتيجيات التي تنص على تحميل الجمهور (الشعب) مسؤولية اختيار بعض شخصيات القوى السياسية الممثلة للواقع العراقي، ويتكشف ذلك وا ضحا عند ممارسة بعض وسائل الاعلام حربا ناعمة تجاه بعض المؤسسات الرسمية او تجاه شخصيات بعينها ولأهداف متعددة واحدة منها التسقيط الإعلامي او الابتزازات السياسية، او كشف حالات فساد حقيقة.

وبذلك يمكن القول أن البيئة العراقية أضحت ميدانا واسعا وغنيا بالمناورات الإعلامية التي تتحكم بطبيعتها جماعات الضغط والقرار من اجل إحداث التأثيرات المرجوة تحقيقا للمصالح المرسومة عبر أستراتيجيات وتكتيكات تُعتمد في التناول الاخباري للموضوعات او الاحداث الا ان الاستمرار في هذا النمط من التعاطي الإعلامي في العراق وفق سياق المصالح قد ينتهي بعدد من المؤسسات الإعلامية الى الإدمان اللاشعوري على حالة اللاخطاب.

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الأستراتيجية

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا