مباحث في الاستخبارات (240) الحروب السرية

145

بشير الوندي

مع بداية الحرب الباردة اثر الحرب العالمية الثانية , ومع الهزائم المتوالية للجيش الامريكي في فيتنام وهزائم فرنسا في الجزائر وغيرها من الخيبات الاستعمارية الدولية , صار التفكير الجدي بقلب المعادلات الاستخبارية في العالم والذي تبلور في بداية ثمانينات القرن الماضي الى منهج ثابت هو منهج ابدال الحروب التقليدية الى حروب استخبارية سرية .
———————————–
الاستخبارات في الصدارة
———————————–
مما لاشك فيه ان صنف الاستخبارات هو صنف خطير في الجيوش وتقع على كاهله الاجابة عن الاسئلة الصعبة التي لايمكن للجيوش ان تتحرك دفاعاً او هجوماً الا بها , لأنها ببساطة تجيب عمّا يدور لدى جانب العدو من استعدادات وتجهيزات وخطط وعوائق وثغرات وسواها , وحين يجيب على الاسئلة الصعبة يكون قد انجز معظم مهامه ماعدا مهمة تحديث الاجابات وفق آخر المعطيات , وبذا تنتهي مهمته الصامتة السرية ليبدأ دوي المدافع وتنطلق المعارك العلنية وتنتهي بالانتصار او بالانكسار , وهذا هو لب العمل الاستخباري في الحروب الكلاسيكية .
ومع تطور العلاقات الدولية بالتوازي مع توسع آفاق التقنيات في كافة مجالات الحياة , ازدادت اهمية الادوار التي تلعبها الاجهزة الاستخبارية التي كانت تقتصر على جمع المعلومات , لتتوسع الى آفاق تصبح فيها تلك الاجهزة هي غرفة العمليات وهي قائد الحرب وهي التي تكسبها او تخسرها بعيداً عن دوي المدافع .
فبدلاً ان ينحصر دورها في ان تكون العين للذراع العسكري المحرك للجيوش , صارت هي العين وهي الذراع المنفذ لحروب من نوع آخر هي الحروب الاستخبارية السرية , وهي الحروب التي اشار اليها صن تزو في فن الحرب من أنَّ ” اعظم درجات المهارة هي تحطيم مقاومة العدو دون قتال”.
اما الادوار العسكرية فلم تختفي وانما اصبحت ادوارها تقتصر على نوعين , الاول يكون حين لاتنفع الحروب الاستخبارية ولاتحقق غاياتها فيكون آخر الدواء الكيّ , والثاني يتمثل بالدور التكاملي الذي يبدأ بعد سلسلة من الحروب السرية الاستخبارية المنهكة للعدو , ليأتي التحرك العسكري ليتوج جهود الاستخبارات بنصر سهل ماكان ليكون كذلك لولا العمليات السرية والحروب الاستخبارية التي تهيء كامل الارضية , وهنالك دور ثالث للجيوش يتمثل بزرع الرهبة والخوف او بتوازن الرعب لاسيما في مجال القدرات النووية او بمجال الاسلحة غير التقليدية التي تبث الرعب .
———————–
ميزات ومتطلبات
———————–
تمتاز الحروب السرية بميزات ومتطلبات لاتتوافر في المعارك الحربية , لعل اهمها هي :
1- السرية المطلقة : وفي بعض الاحيان بالسرية المشاعة , ففي مجال السرية المطلقة تطلق يد الاجهزة الاستخبارية من آية قيود دبلوماسية او اخلاقية , لأن غطاء السرية يعطيها امكانية واسعة للتحرك والتملص من المسؤولية في ذات الوقت كمن يعمل حساباً بإسم مزيف على الفيس بوك حيث تراه يشتم ويقوم بكل الموبقات , بينما تراه في حسابه الشخصي رصين وبعيد عن اية الفاظ جارحة .
اما في باب السرّية المشاعة , ففي بعض الاحيان تعمد الاجهزة الاستخبارية الى خلق الحيرة المربكة لدى الجهة المستهدفة بحيث انها تنفي علاقتها بأية عملية في حروبها السرية , لكنها تتعمد ان تشيع صلتها بالعمليات دون دليل , لخلق قناعات بالقوة والسطوة والتمكن ولتخلق وسادة وثيرة من الاستسلام لدى الخصوم.
2- تحتاج الاجهزة الاستخبارية في حروبها السرية الى الاموال والى موازنات كبيرة بحكم اختلاف مهامها من مهمة التجسس الى مهام كثيرة ومتشعبة تنفيذية تتطلب الكثير من اللوجستيات والتغطيات المالية , وهو مافعلته ادارة ريغان مع بدايات تبنيها للحروب الاستخبارية حيث زادت موازنة الCIA بنسبة 25% عن المعتاد لتغطية عملياتها .
3- نتج عن تبني الحروب الاستخبارية الحاجة الى توسيع منقطع النظير لأقسام الاستخبارات لاسيما الاقسام الخاصة بالعمليات , بالاضافة الى تشعب في اختصاصات اضافية كالتزوير وسواها , وهذا الامر تطلب توسع الاجهزة الاستخبارية في كوادرها البشرية , ورغم ذلك حافظت الاجهزة الاستخبارية على قاعدة ذهبية في عملياتها تتمثل بان يكون لها في كل عملية عدد افراد مرشق مع اذرع متشعبة , ذلك ان معظم الادوار المناطة بالحروب الاستخبارية تعطى للعملاء من ابناء البلد المستهدف , فعلى سبيل المثال فإن احداث قلاقل وتظاهرات تدعو لإسقاط نظام ما لاتتطلب الا بضعة افراد من عناصر الجهاز الاستخباري يقومون بتهيئة نخبة مجتمعية وتدريبها لتهييج الشارع والتحضير لساعة الصفر او خلقها مع فتح الخزائن لجيوش الكترونية تعمل بشكل مركزي , ومن ثم يقوم هؤلاء بدورهم بجر المئات فالآلاف الى الشوارع بحجة المطالبة بالحقوق , وهنا يأتي دور ضخ الاموال لادامة القلاقل مع بعض العمليات التي تزيد من جذوة العنف , والنتائج تأتي تترى , فالعملية لاتحتاج الى اعداد كبيرة من عناصر الاستخبارات , لأن ابناء البلد المستهدف هم من سيهدمون بلدانهم بمعاولهم شريطة ضخ الاموال .
————————————
اوجه الحروب الاستخبارية
————————————
تتنوع التوصيفات والادوات والاشكال للحروب الاستخبارية , والتي لاتكون منفصلة عن بعضها البعض وانما تتكامل اشكالها فيما بينها كما في الحرب الباردة التي تشمل اكثر من نوع من انواع الحروب الاستخبارية والتي تستخدم في كثير من جوانبها ادوات ناعمة كالحرب النفسية او الاساليب الخشنة كالاغتيالات والتفجيرات , ومن اشكال الحروب الاستخبارية :
1- الحروب الاهلية : التي تقوم على اسس قومية او مذهبية او قبلية فتلك الحروب هي من الاعيب الاجهزة الاستخبارية .
2- الحروب النفسية : وهي جوانب من الحروب الاستخبارية التي تستخدم فيها الاشاعات والتخويف والجيوش الالكترونية , وغالباً لاتكفي لوحدها , فاما تؤدي الى قلاقل داخلية ضمن حروب الاستخبارات , او ان تكون احياناً مقدمات لإضعاف المقاومة للبلد المستهدف من اجل تسهيل مهمة العمل العسكري ضده .
3-الحرب الاقتصادية : وهي من الحروب الاستخبارية الموجعة ولها اشكال عديدة بعضها علني كالعقوبات الدولية , والجزء الخطير منها سري من قبيل حرق المحاصيل وتفجير المنشآت الاقتصادية او عرقلة الاتفاقيات الاقتصادية التي تقيمها دول صناعية مع البلد الهدف , او تزييف عملة البلد الهدف من اجل تحطيم عملته , او وضع العراقيل امام البلد المستهدف لمنعه من الحصول على العملة الصعبة او عن تصدير منتجاته , وغيرها كثير .
4- الحرب بالوكالة : وهي من طرائق حروب الاجهزة الاستخبارية الشهيرة , وبها يتم الصراع مع دولة ما من خلال دولة ثالثة او من خلال تنظيمات عسكرية ممولة وامثلتها كثيرة , اقربها ساحة سوريا وصراع الفصائل المسلحة وكل يتم تمويله من جهة استخبارية معادية لمثيلتها .
5- الحروب الوبائية : وقدبرزت بشكل صارخ في ازمة كورونا بين امريكا والصين.
6- الحرب الاعلامية : اينما تجد قنوات اعلامية او اذاعات معارضة من الخارج فإن الممول هي جهة استخبارية ما وهو جزء من اشكال الحرب الناعمة الاستخبارية, ويشمل الامر كافة اشكال التطبيقات الاعلامية .
7- الحروب السيبرانية والقرصنة الالكترونية وانتاج الفيروسات الالكترونية المدمرة هي من اشكال وادوات الحروب الاستخبارية .
8- حروب العصابات : التنظيمات والعصابات والتفجيرات الارهابية و الاغتيالات والكثير من العمليات التي تتم على طرفين متناقضين بغية تهييج كل منهما ضد الآخر , هي من اشكال الحروب الاستخبارية تخطيطا و تسليحاً وتمويلاً.
————-
التكامل
————-
ان كل الاشكال السابقة هي نماذج من الحروب الاستخبارية والتي لاتستخدم لوحدها بشكل مستقل وانما تستخدم معاً بحسب قوة العدو المستهدف , فقد تستخدم معه نوعان او ثلاثة بما يكفي لإسقاطه , وهي كما رأينا تحتاج الى تخطيط والى غرف عمليات والى اموال والى محو الآثار بعد كل عمل لإخفاء ادلة التدخل حتى لو تطلب الامر اغتيال العملاء الذين ساهموا في تحقيق الاهداف من اجل اسكاتهم وضياع الحقيقة .
كما ان بعض تلك الادوات لايراد منها المبالغة بالآمال في نتائجها , وانما يراد منها اضعاف الخصم الى اقصى درجة حتى يستسلم سياسياً – من قبيل اسقاط حكومة وابدالها بأخرى طيّعة , او باضعاف الدولة المستهدفة بحيث تكفي حرب صغيرة محدودة لتحقيق النصر عليها .
——————
السرُّ بالسر!!!!!
——————
غالباً ماتدرك استخبارات البلد المستهدف الحرب الاستخبارية السرية عليها وتعرف الدولة التي تقوم بذلك – او مجموعة الدول – , الا انها في معظم الاحيان لاتمتلك الدليل , او ان كشفها للادلة قد يعرض بعض اسرارها للكشف (من قبيل ان لديها عميل سري في بلد الدولة المعتدية لاتريد كشفه ) , هنا تعمد استخبارات البلد المستهدف – ان كانت محترفة الى الرد بالمثل وبذات السرية ومثاله ان تقوم الاستخبارات المعادية بعمل تفجير لمنشأة , فيتم الرد بضرب منشأة للبلد المعتدي في سرية وصمت وهنا يعني الرد انه ” لو عدتم عدنا ” , لذا تبرز الحاجة في البلدان المستهدفة لاسيما بلدان الشرق الاوسط الى ان تعي اجهزتها الاستخبارية الجوانب التي يستخدمها العدو في حربه الخفية معها , فلايوجد عمل استخباري مهما بلغت سريته الا ودلت افعاله عليه , فالحكومات في البلد المستهدف تعرف العدو لكنها لاتستطيع البت في صلته بما يجري , وهنا يأتي دور اجهزتها الاستخبارية لضرب اذرع العدو بذات طريقته , اي من دون ان تبدو وكأنها تقطع اذرع المتعاملين معه , وهي حرب استخبارية سرية هي الاخرى , فالاجهزة الاستخبارية تحارب بعضها البعض بذات الاسلوب في صمت من دون ابراز ردود فعل علنية للامر الا في حال توافر الادلة والاعترافات المؤكدة , وحينها تتحول الامور من الصراع الاستخباري الى القنوات الاعلامية والسياسية والشكاوى الدولية .
———-
خلاصة
———-
الحروب السرية الاستخبارية هي سمة العصر , والتعامل معها هو تعامل مع مجهول , ومن ثم لابد ان تتنبه الاجهزة الاستخبارية بالتعاون مع المجتمع الى خطورة مايحاك لها , فزمن الغارات المفاجئة انتهى , ولعل مثال ماجرى في بيروت هو مثال صارخ لاساليب الحروب الاستخبارية حيث ان العدو معروف وواضح ولكن من دون دليل يسمح بجره الى المحاكم الدولية , فلابد من التحصن المجتمعي لأن المجتمعات في بلداننا باتت هي الحلقة الاضعف للاختراق , والله الموفق.

مجلة تحليلات العصر الدولية

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا