نتنياهو مكبّل بالأزمات.. و”اسرائيل” محاصرة بالتحديات

41

سركيس ابوزيد

یشھد تكتل الیمین الحاكم في “إسرائیل” ازمات متتالية، وتراجع شعبیة حزب “اللیكود” برئاسة نتنیاھو، والمطالبة بمحاكمته بتھم الفساد، والانتقادات التي تطال حكومته حول سوء إدارتھا لأزمة فیروس “كورونا”. وقد تظاھر الآلاف أمام مقر إقامة نتنیاھو مطالبین باستقالته، وشارك في التظاھرة نشطاء من الیسار والیمین وحتى من حزب “اللیكود” نفسه. وأدى تفشي فیروس “كورونا” إلى إرجاء محاكمته إلى الشھر المقبل.  
نتنیاھو قلق، أولًا بسبب استمرار الاحتجاجات، وثانیًا بسبب الشباب الذین یأتون إلى المظاھرات بجماعات غفیرة، وثالثًا، بسبب الیمینیین المعارضین.

وفي محاولة لتصدیر أزماته الداخلیة وملفات الفساد وحرف الأنظارعن محاكمته، ھدد نتنیاھو بتفكیك حكومة الطوارئ والذھاب لانتخابات رابعة بھدف تحقیق أھداف ومصالح شخصیة تضمن له البقاء على كرسي رئاسة الحكومة وتُبعده أكثر عن قفص الاتھام.

نتنیاھو المأزوم شعبیًا وسیاسیًا یواجه في ھذه المرحلة ثلاثة تحدیات رئیسیة:

1 -أزمة “كورونا”: تضغط جائحة “كورونا” على “إسرائیل” في أكثر من اتجاه ومستوى، ولا تقتصر تداعیاتھا السلبیة على الوضع الصحي للإسرائیلیین، بل باتت تضغط بقوة على الاقتصاد والأمن الاجتماعي. الموجة الثانیة من الفیروس تضرب بقوة، ووصلت إلى حد احتلال “إسرائیل” المرتبة الثالثة بعد الولایات المتحدة وتشیلي، بعدد الإصابات نسبة إلى عدد السكان.

وبحسب البیانات، فإن عدد العاطلین عن العمل یقارب الـ800  ألف، بینھم 575 ألفًا خرجوا في إجازة غیر مدفوعة الأجر، علما بأن قطاعات كاملة باتت بحكم الإفلاس والتوقف النھائي، من دون أفق فعلي للخروج من الأزمة.

وباتت جائحة “كورونا” وتداعیاتھا عاملا رئیسا في التجاذبات السیاسیة بین النخبة الحاكمة، بل امتدت لتكون مادة تجاذب بین المؤسستین السیاسیة والعسكریة، فیما الأفق مسدود عن المعالجة. وفي ھذا الإطار، یضغط وزیر الأمن بیني غانتس كي تتولى وزارته مع الجیش الإسرائیلي مواجھة “كورونا”، الأمر الذي یرفضه نتنیاھو ویجھد كي یحول دونه، فمعالجة “كورونا” من قبل خصومه السیاسیین الذین یسیطرون على وزارة الأمن تبعد الأضواء عنه مع التركیز على نجاحاتھم، وخاصة إن استطاع الجیش الحد من انتشار الفیروس. ویخشى نتنیاھو نتیجة كھذه في مرحلة حساسة جدا من ناحیة سیاسیة، قد تشھد انفراط عقد الحكومة والتوجه إلى انتخابات مبكرة رابعة، ما یعني إعطاء رصید بالمجان للخصوم .

وأزمة “كورونا” أججت الخلاف داخل الائتلاف الحكومي، وحیث إن نتنیاھو ممتعض بشدة من تصرفات غانتس ویعتبرھا تتعارض مع توجھات الحكومة حیال التعامل مع أزمة “كورونا”، سواء على الصعید الصحي أو الاقتصادي، یقول إن غانتس یسعى إلى تبني مواقف شعبویة لكسب رضا الجمھور ولیست فعّالة عملیًا. ویرى أن غانتس وحزبه أفشلوا الإجراءات الضروریة للحد من انتشار “كورونا” وإنقاذ أرواح الناس لأسباب سیاسیة، ما سیؤدي حتما إلى فرض الإغلاق الكامل وإلحاق أضرار اقتصادیة لا ضرورة لھا. في المقابل، یقول قیادي في حزب غانتس إنه بدلا من التھرب من المسؤولیة عن إدارة أزمة “كورونا”، على نتنیاھو أن ینتصر للجیش الإسرائیلي، وأن تقود وزارة الدفاع المعركة المیدانیة ضد “كورونا”.

2- خطة الضّم خسرت واحدًا من أھم مقوماتھا، وھو الزخم الأمیركي الذي میّز موقف الإدارة الأمیركیة عندما حدد نتنیاھو موعد تنفیذھا كاملة في الأول من تموز الماضي. فالإدارة الأمیركیة أرسلت الى نتنیاھو عدة مطالب وشروط لكي تمنحه الضوء الأخضر لإطلاق مخطط ضم الأراضي من الضفة الغربیة إلى “إسرائیل ” وفرض القانون الإسرائیلي علیھا.

كما اشترط البیت الأبیض خلال ھذه المداولات توفر حالة من الاستقرار السیاسي في “إسرائیل” لمساندة مخطط الضم، والكف عن الانقسامات والتھدیدات بالتوجه إلى انتخابات جدیدة، وأن تقبل خطة ترامب بالكامل، ومن ضمن ذلك الموافقة على إقامة دولة فلسطینیة في قطاع غزة و70  في المئة من الضفة الغربیة. ولكن نتنیاھو یُصر على تحریك ملف الضم والدفع به خلال فترة الحكومة الراھنة، من دون الإعلان عن قبول الدولة الفلسطینیة. وھو یبني على وجود خلافات في الإدارة الأمیركیة حول ھذه المواضیع ما بین كبیر مستشاري الرئیس ترامب وصھره جارید كوشنیر الذي یرید تنفیذ “صفقة القرن” بالاتفاق مع دول عربیة ویُتھم بعرقلة تنفیذ مخطط الضم حتى الآن، وبین السفیر الأمیركي لدى “إسرائیل”
دیفید فریدمان الذي یؤید ضما سریعا وأحادي الجانب، لأن ھذا الضم سیساعد الرئیس ترامب في معركته الانتخابیة.

بالإضافة الى الموقف الأمیركي، ھناك عراقیل أخرى أبرزھا المعارضة الدولیة، خصوصًا الأوروبیة، بالإضافة الى الخلاف الداخلي، وحیث تتسع المعارضة الإسرائیلیة الداخلیة لمخطط الضم، خصوصا بعد تأكید القیادات الأمنیة معارضتھا وتحذیراتھا من أن تنفیذ أي ضم سیؤدي إلى انتفاضة فلسطینیة ثالثة، مع احتمال أن یتسبب كذلك بتصعید أمني مع جبھة غزة، ما یخلق أوضاعا جدیدة یمكن أن تأتي بنتائج وخیمة.

3 – التحدي الأمني بات یُعرف بتھدید الجبھة الشمالیة الأوسع الممتدة من جنوب لبنان مرورا بالجولان وبغداد وصولا إلى طھران. والمعركة ضمن ھذه الحدود تدور منذ سنوات، من دون أن تنھي التھدیدات. المعركة مستمرة بلا توقف، لكن یتداخل فیھا أكثر من عامل متناقض بین الكبح والدفع والتحفیز والردع وموازنة الثمن الحالي للأفعال الإعتدائیة مقابل أثمان لاحقة أكبر وأوسع وأكثر إیلامًا منها:

– إلى الآن، تصمد قواعد الاشتباك وتمتنع “إسرائیل” قسرًا عن كسرھا، إذ إن من شأن محاولة الكسر التدحرج إلى مواجھة عسكریة من الصعب تقدیر المدى الذي یمكن أن تبلغه.

– الوجود الإیراني في سوریا: لا یبدو أن الضربات الإسرائیلیة في الساحة السوریة من شأنھا إنھاء ھذا الوجود، بل في المقابل بدأ یترسخ أكثر فأكثر، خصوصًا مع توقیع اتفاقات أمنیة وعسكریة ثنائیة أثارت حفیظة “إسرائیل”. في ھذه الساحة تحدیدًا، التحدي كبیر جدًا وتأثیراته قاسیة على “إسرائیل” على المدیین المتوسط والبعید. ففي ھذه الساحة، تبدو “إسرائیل” شبه مكبلة عن المبادرة وفقًا لاستراتیجیتھا المعتمدة في ضرب أعدائھا والتأثیر في قراراتھم وتوجھاتھم. لذلك تحرص “إسرائیل” حتى الآن على تجنبھا لأنھا تتخوف من أثمانھا وتخشى تداعیاتھا الإقلیمیة. باختصار ناتنياهو مكبل بالازمات و”اسرائيل” محاصرة بالتحديات.

العهد الأخباري

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا