أوروبا “المؤمركة” تتدحرج نحو الافلاس والفوضى

401

صوفيا ـ جورج حداد

حتى الحرب العالمية الثانية كان الاستعمار القديم (الكولونياليزم) هو السائد في العالم (ما عدا الاتحاد السوفياتي الذي كان محاصرا ومعزولا)، وكان مركز ارتكاز النظام الكولونيالي هو: الانتاج (اي الصناعة والزراعة المرتكزة الى الصناعة). وكانت المتروبولات (البلدان الاستعمارية الاوروبية) هي “مصنع العالم”. أما المستعمرات وشبه المستعمرات، التي سميت في وقت ما “العالم الثالث”، فقد فرض عليها فرضا بالقوة المسلحة ان تكون:

-1- مصدرا للمواد الاولية (الخام والزراعية) لتزويد الصناعة في المتروبولات.
-2- اسواقا لتصريف المنتوجات الصناعية والزراعية المصنعة للمتروبولات.

وكان ما يسمى “مقصص الاسعار” يفرض بقوة السلاح على شعوب بلدان المستعمرات وشبه المستعمرات، أي أن تشتري سلع البلدان الاوروبية بأسعار مرتفعة (أكثر من قيمتها الحقيقية)، وأن تبيع موادها الأولية بأسعار منخفضة (أدنى من قيمتها الحقيقية).

وطبعا كانت الطبقات الرأسمالية الحاكمة في الدول الاستعمارية تستحوذ على القسم الأعظم من تلك الأرباح “الفائضة” الناتجة عن “نقص الأسعار” (أي فروقات الأسعار) سالف الذكر. ولكنها كانت “تتنازل” عن جزء أقل أو أكثر من تلك الأرباح “الفائضة” لرفع مستوى معيشة الجماهير الشعبية في أوروبا الاستعمارية، من أجل تخديرها والحصول على دعمها للسياسة الاستعمارية، وعلى الأقل شراء سكوتها عن تلك السياسة.

والنتيجة التاريخية لذلك النظام الكولونيالي كانت: أن التقدم والبحبوحة في بلدان أوروبا الاستعمارية لم يكونا الا بفضل ذبح وقهر واذلال وتجويع شعوب “العالم الثالث” المستعمرة وشبه المستعمرة.

وجاءت الحرب العالمية الثانية وسجلت نقطة تحول في النظام العالمي السابق: فمن جهة ظهر المعسكر الاشتراكي (السابق)، ومن جهة ثانية جرى انهيار النظام الكولونيالي القديم بفضل ثورات شعوب المستعمرات وشبه المستعمرات. ولم يعد بامكان دول المتروبولات الاستعمارية السابقة (التي خرجت من الحرب ضعيفة وشبه مدمرة) فرض “انتاجها” بالقوة على العالم الثالث كما في السابق. وانتشر الفكر الاشتراكي كالنار في الهشيم في جميع أرجاء “العالم الثالث”. وتبنت هذا الفكر ولا سيما في جوانبه الاقتصادية والاجتماعية جماعات كثيرة تعادي او تختلف مع الشيوعية سياسيا ودينيا وايديولوجيا. ونشأت امكانية واقعية لان ينهار النظام الرأسمالي العالمي بمجمله. ولكن التدخل الجيوستراتيجي الاميركي، عسكريا وسياسيا واقتصاديا، قطع الطريق على هذه الامكانية.

فأميركا لم تخرج  من الحرب سليمة ومعافاة بسبب بعدها عن ساحات القتال، فقط، بل انها خرجت أكثر غنى بكثير عما كانت عليه، وتحولت فعليا الى “بنك العالم”، الذي تجمعت فيه احتياطات الذهب والوف مليارات الرساميل الهاربة من بلدانها بسبب الحرب والثورات وانهيار النظام الكولونيالي القديم. وادى هذا التراكم للرساميل العالمية في اميركا الى ظهور الشركات متعددة الجنسية والاحتكارات الرأسمالية العالمية الكبرى ونواتها الرساميل اليهودية، والى اعتماد الدولار بوصفه العملة الدولية الرئيسية، وظهور البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لضبط عملية السيطرة الدولارية على الاقتصاد العالمي بمجمله. وكل ذلك ادى الى تحقيق نقلة نوعية في النظام الرأسمالي العالمي، تمثلت في نقل مركز الارتكاز للاقتصاد الرأسمالي العالمي من “الانتاج” الى “التمويل”، المتمثل في القروض والتوظيفات والاستثمارات، وهو ما أسس لظهور النظام النيوليبرالي الجديد والعولمة (الاميركية) وما يسمى “الرأسمالية المتوحشة”. وبفضل هذه الآليات عملت اميركا ولا تزال تعمل لفرض هيمنتها على العالم.

وأدى هذا “التحول النوعي” في النظام الرأسمالي ـ الامبريالي العالمي الى النتائج التالية:

-1- الارتفاع الجنوني لنسبة حصة القطاع المالي في الاقتصاد العالمي من 5% في اعقاب الحرب العالمية الثانية، الى 50% اليوم.

-2- محورة الاقتصاد العالمي حول الدولار، اي وضعه تحت رحمة ماكينة طباعة الدولار الورقي التي تمسك بها المجموعة المالية اليهودية التي تسيطر على “قائمقام” البنك المركزي الاميركي المسمى “فيديرال ريزرف بنك”.

-3- تحويل اميركا الى دولة طفيلية بشكل شبه كامل. اذ اصبح الانتاج الاميركي يمثل اقل من 18% من الاقتصاد الاميركي، الذي بدوره يمثل اقل من 20% من الاقتصاد العالمي، في حين انها ـ اي اميركا ـ تستهلك اكثر من 40% من الانتاج العالمي.

-4- تحولت اوروبا ذاتها، بكل تاريخها العريق، الى حوش خلفي ومنطقة نفوذ لاميركا. وبالتالي صارت اوروبا تنتج، واميركا تستهلك انتاجها (وانتاج غيرها) مقابل عملة ورقية (دولارية) تفقد قيمتها الشرائية باستمرار. وهذا يعني ان اوروبا فقدت بالتدريج كل الثروة الاضافية التي سبق لها ان نهبتها من شعوب المستعمرات وشبه المستعمرات طوال مئات السنين، ـ فقدتها في بضعة عقود فقط لصالح اميركا. واصبحت ـ اي اوروبا ـ تعيش يوما بيوم على انتاجها الخاص، الذي اخذ بدوره يفقد قيمته التسويقية بالتدريج بفعل الارتباط بالدولار الذي يفقد قيمته الشرائية بالتدريج لصالح الطغمة الاحتكارية المالية الاميركية ـ اليهودية التي تصدر الدولار الورقي.

-5- وبفعل سعي الكتلة المالية الاحتكارية الأميركية ـ اليهودية العولمية الى الحصول على الأرباح كيفما كان، فقد شجعت موضوعيًا على التصنيع وزيادة الانتاج في ما سمي “النمور الاسيوية” اليابان وكوريا وتايوان وماليزيا واندونيسيا وغيرها، و”تغاضت” وشجعت موضوعيا ايضا على النهضة الصناعية العارمة للصين التي يحكمها الحزب الشيوعي والتي يبلغ عدد سكانها 50% اكثر من عدد سكان اوروبا واميركا مجتمعتين. وأخذت هذه البلدان تنتج بكميات هائلة سلعا صناعية (بمواصفات دولية) ارخص بكثير من السلع الاوروبية الغالية، لأن أجور اليد العاملة فيها أدنى بكثير من أجور اليد العاملة “المدللة” في اوروبا. وشكل انتاج البلدان المستعمرة السابقة مزاحمة شديدة وقاتلة للانتاج الاوروبي الذي تقلصت نسبته بشكل كبير جدا في نطاق التجارة العالمية.

وأخيرًا، وبحكم القوانين الاقتصادية العامة ذاتها للرأسمالية، انفجر البالون المنفوخ للرأسمال المالي الريعي (الفوائدي ـ المضارباتي)، واندلع في أميركا سنة 2008 حريق  الازمة المالية ـ الاقتصادية التي امتد لهيبها الى أوروبا. والسبب الأساسي والرئيسي لهذه الأزمة المتمادية الى الان، هو الاصطدام الانفجاري بين لامحدوية الارتفاع الجنوني للارباح الناتجة عن السياسة المالية الربائية ـ المضارباتية، وبين محدودية القدرة الشرائية للمستهلكين. وقد استطاعت اميركا ان تعالج جزئيا ومرحليا عواقب الازمة، بفضل قدرتها على طباعة المزيد من العملة الدولارية الورقية التي لا خيار للعالم سوى ان “يقبضها” شاكرا(!). اما اوروبا فليس لها هذه الامكانية. ولهذا فإن معاناتها من الازمة هي اكبر من معاناة اميركا بكثير، وهي “تحل” المشاكل الناتجة عن الازمة بالتضخم والبطالة وخفض مستوى معيشة الجماهير الشعبية الاوروبية.

وعلى هذه الخلفية جاء وباء كورونا. وسواء كان هذا الوباء شكلا من أشكال الحرب البيولوجية (كما يوحي دونالد ترامب في اتهاماته المتكررة للصين)، أو هو ظاهرة “طبيعية” نتيجة تلوث البيئة بسبب وحشية تعامل نظام الجشع الرأسمالي مع الطبيعة، فإن الازمة الاقتصادية تشق طريقها بسرعة وشدة في اوروبا: الانتاج ينكمش بنسب عالية جدا تحت الصفر، والبطالة تتفاقم، والخدمات الاجتماعية تتضاءل بشكل كارثي، والنظام التعليمي ينهار، والاسعار ترتفع بشكل جنوني.

واذا كانت أميركا قد قدمت لاوروبا “مشروع مارشال” الانقاذي بعد الحرب العالمية الثانية، من أجل الهيمنة على أوروبا، فإن أميركا اليوم (المأزومة بدورها) لا تستطيع ولا تريد مساعدة أوروبا، بل تريد حل أزمتها الخاصة على حساب اوروبا والعالم أجمع، اذا استطاعت الى ذلك سبيلًا.

وفي مثل هذا الوضع المأساوي، بكورونا وبدون كورونا، فإن أوروبا (وفي اعقابها اميركا) تقف على أعتاب الافلاس والفقر والمجاعة الحقيقية والفوضى. وليس من حل “رأسمالي” لهذا الوضع الكارثي الا بأن تعمد اميركا الى شن الحرب على روسيا والصين وايران للسيطرة عليها ونهب خيراتها غير المحدودة. ولكن باب هذا “الحل” هو مقفل تماما، لان الاستراتيجيين العسكريين الاميركيين يعلمون علم اليقين أن الأسلحة المتفوقة الروسية قادرة على ان تمحو من الوجود بالنووي كل مدينة اميركية، وكل المدن الاميركية، في أقل من ساعة. وفي حال استبعاد السلاح النووي وخوض حرب بالاسلحة الكلاسيكية فإن الاساطيل البحرية والجوية الروسية والصينية قادرة على ان تنقل الى الاراضي الاميركية عشرات ملايين المقاتلين الاشاوس، من الروس والصينيين والايرانيين وحلفائهم، كي يخوضوا حربا برية في كل زوايا الارض الاميركية ذاتها، وهو ما ليست اميركا مستعدة له اي استعداد.

العهد الأخباري

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا