سد النهضة.. كيف يعبث الكيان الصهيوني بمياه النيل وما مصلحتها من دعم إثيوبيا؟

782

سعى الكيان الصهيوني خلال السنوات الأخيرة إلى رفع مستوى علاقاتها بإثيوبيا التي تعتقد أنها باتت أرضاً خصبة للاستثمارات ووقعت معاهدات عدة معها تتعلق بالمياه والكهرباء، وتشير الوقائع إلى أن تل أبيب تدعم أديس أبابا بموقفها من سد النهضة على حساب مصر.. فما غاياتها؟

في السادس من يونيو/حزيران عام 2016 هبطت طائرة رئيس الوزراء الإثيوبي السابق هايلي مريام ديسالين في مطار بن غوريون الإسرائيلي، هناك استقبل بحفاوة كبيرة كانت كفيلة بأن تعكس قدر الترحاب الإسرائيلي بهذه الزيارة وما وراءها من شغف بتطوير العلاقات بين إسرائيل التي يعيش فيها نحو 130 ألف يهودي من أصول إثيوبية، وإثيوبيا التي بدت متعطشة في ذلك الحين إلى الاستعانة بتل أبيب لتنفيذ مشاريع تنموية على أرضها من جهة، وتلقي الدعم والإسناد السياسي من جهة أخرى.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي استقبل نظيره الإثيوبي حينها “بحفاوة واحترام كبيرين”، لم يغفل اصطحاب وزير الزراعة أروي أريئيل معه إلى هذا اللقاء، إذ التقى أريئيل يومها وزير الزراعة والموارد الطبيعية الإثيوبي، ووقعا على اتفاقيات عدة تتعلق بالزراعة والتنمية بين البلدين.

رئيس الوزراء الإثيوبي السابق خلال زيارته إلى تل أبيب
رئيس الوزراء الإثيوبي السابق خلال زيارته إلى تل أبيب (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي)

خلال الزيارة ذاتها، اصطحب رئيس الوزراء الإثيوبي إلى جانب وزير الزراعة والموارد الطبيعية، كلاً من وزراء الخارجية، والدفاع، ووزير المياه والطاقة والكهرباء، ونائب وزير العلوم والتكنولوجيا، وهي تشكيلة تعكس رغبة إثيوبيا في تطوير العلاقات مع إسرائيل على أصعدة مختلفة، يبدو أهمها التكنولوجيا والمياه والزراعة.

هذه الزيارة لم تكن وليدة الصدفة، قبل ذلك بعام واحد قام نتنياهو بزيارة وصفها بـ”التاريخية” إلى أديس أبابا، خطب في حينها أمام البرلمان الإثيوبي قائلاً: “اليوم أفتخر بأن أعلن بأن إسرائيل عادت إلى إفريقيا بكل قوة”.

خلال تلك الزيارة كانت أنظار نتنياهو تتجه نحو مصادر المياه في إثيوبيا، والمساحات الشاسعة للأراضي الزراعية، وكان محور المباحثات في تلك الزيارة يتعلق بالمياه والزراعة والسياحة والإعلام والتطوير التكنولوجي، بحسب صحيفة هآرتس الإسرائيلية.

عين على المياه الإثيوبية 

على هامش هذه المباحثات عقد نتنياهو لقاءات عدة مع رجال أعمال وممثلين عن شركات إثيوبية وإسرائيلية، خاطب الجمع في أحد اللقاءات مكرراً “استثمروا في إثيوبيا، استثمروا في إثيوبيا”.

وأكد نتنياهو سعي تل أبيب إلى توثيق علاقاتها بأديس أبابا، وشدّد مرة أخرى على المياه، وقال: “عملنا خلال السنة الأخيرة على توثيق العلاقات أكثر، ضاعفنا التعاون الاقتصادي، وكل آمالي تنصب في تعميق العلاقات المتعلقة بالمياه على وجه الخصوص، هذا مجال يدركه رئيس الوزراء الإثيوبي (السابق) جيداً لأنه مهندس مائي، ويفهم جيداً ما يمكن أن يتم فعله في إثيوبيا”.

وتواصلت الزيارات المتبادلة بين إسرائيل وإثيوبيا خلال السنوات اللاحقة، إذ زار رئيس الوزراء الإثيوبي المنتخب آبي أحمد تل أبيب مطلع 2019 وأكد تعزيز التعاون بين البلدين.

في تلك الأثناء وبينما كانت تسعى إسرائيل إلى تطوير علاقاتها بإثيوبيا على صعيد تكنولوجي وزراعي ومائي، كانت أديس أبابا تستأنف العمل على بناء “سد النهضة” الذي ما زال يثير خلافات حادة بينها وبين مصر حتى اللحظة وفشلت كل المباحثات الرامية إلى التوصل إلى اتفاق، خاصة أن مشروع السد من شأنه أن يقلص حصة مصر من المياه ويتسبب في تصحر مساحات زراعية واسعة من أرض مصر ويرفع نسبة البطالة ويقلل الإنتاج الزراعي في بلد يعاني أصلاً من جراء شح الميزانيات، ومنهك من جراء القروض والدين الخارجي.

العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية التي تطورت فجأة خلال السنوات الماضية لفتت الأنظار، إذ أكدت تقارير إعلامية مساعي تل أبيب إلى دعم إنجاز مشروع سد النهضة ما من شأنه أن يعود عليها بمنافع كثيرة، حتى لو كانت تلك المنافع على حساب الجارة مصر.

دعم عسكري لإثيوبيا

في يوليو/تموز عام 2019 كشف موقع “تيك ديبكا” الاستخباري الإسرائيلي النقاب عن سعي تل أبيب إلى تحصين سد النهضة الإثيوبي، ومساعدة أديس أبابا على حماية سدها الذي قد يتعرض في أسوأ الأحوال إلى هجمات في حال فشل المفاوضات مع مصر والسودان.

وذكر الموقع أن طواقم من ثلاثة مصانع متخصصة في الصناعات العسكرية والدفاعية والجوية في إسرائيل أنهت مؤخراً (2019) العمل على نصب منظومات دفاعية جوية متطورة من طراز “Spyder-MR” حول سند النهضة الإثيوبي.

ونقل الموقع عن مصادر استخباراتية وأمنية إسرائيلية القول: إن “تل أبيب بدأت في نصب المنظومات الدفاعية حول سد النهضة في شهر مايو/أيار، واستغرق الأمر نحو شهرين ونصف من العمل المتواصل”.

وأشار إلى أن شركة الصناعات الدفاعية الإسرائيلية “رفائيل” وفّرت لإثيوبيا منظومة “بيتون” الدفاعية وكذلك منظومة “ديربي” وهي من صناعة محلية إسرائيلية، في حين وفّرت الصناعات الجوية الإسرائيلية ” MBT Missiles Division of Israel Aerospace Industries” شاحنات خاصة تحمل المنظومات الدفاعية.

وتؤكد المصادر الإسرائيلية أن منظمة “Spyder-MR” الدفاعية الجوية هي المنظومة الوحيدة في العالم التي بإمكانها إطلاق صاروخين من طرازين مختلفين معاً، وهما “بيتون” الذي يصل مداه إلى خمسة كيلومترات، و”ديربي” الذي يصل مداه إلى خمسين كيلومتراً.

سد النهضة.. إخراج إسرائيل

وقبل أن تتكشف معالم التدخل الإسرائيلي في الصراع على مياه النيل، ومساعيها لدعم إثيوبيا بشكل علني، كشف المهندس حيدر يوسف، وكيل أول وزارة الموارد المائية والكهرباء السوداني السابق، في حديث مع صحيفة “الوطن” المصرية، النقاب عن وقوف إسرائيل وراء سد النهضة منذ البداية.

وقال يوسف في حينه: إن “تل أبيب تقف وراء فكرة سد النهضة”، مشيراً إلى أن القانون الدولي يمنح إسرائيل حقاً في الحصول على مياه نهر النيل حال أنشأت كياناً اقتصادياً مع دول المنبع، “وهو ما تسعى إليه، إذ تخطط منذ أمد بعيد للاستيلاء على مياه النيل.

وكشف أن لدى إسرائيل “طابقاً كاملاً في وزارة الموارد المائية والكهرباء في “أديس أبابا”، فضلًا عن تدريب 500 مهندس ري إثيوبي في تل أبيب، كما تم توقيع اتفاقية بين وزارة الكهرباء الإثيوبية وشركة “تل أبيب” لإدارة كهرباء إثيوبيا”.

في السياق ذاته، كشف وزير الري المصري السابق محمد نصر الدين علام أن “إسرائيل تتلاعب بشكل خفي في أزمة سد النهضة، بمساندتها لإثيوبيا، من أجل التضييق على المصريين في نهر النيل”.

وأضاف علام، في حواره مع برنامج “مساء القاهرة” المذاع عبر قناة الحدث اليوم: أن “العدو الاستراتيجي يستخدم جميع أدوات سياسة العصا والجزرة في أزمة سد النهضة، حيث قالت بريطانيا منذ زمن بعيد، إن نهر النيل أهم شيء للمصريين، وإذا أردت أن تضيق عليهم الخناق “إقفل الحنفية”، وهم يريدون حالياً استخدام هذا السلاح”.

ما مصلحة تل أبيب؟

في الوقت الذي تتحدث فيه مصر عن الانعكاسات السلبية لسد النهضة على مواردها ومقدراتها واقتصادها، بدأ الحديث في تل أبيب يتعاظم حول الاستفادة من مشروع السد وعائداته على إسرائيل، وفي حين تشير تقارير إعلامية عربية إلى أن إسرائيل تسعى للسيطرة على مياه النيل والاستفادة منها، يبدو الحديث في تل أبيب مختلفاً، ورغم أنه يشير إلى “الاستفادة” من الأزمة، فإن شكل الاستفادة يبدو مغايراً.

يقول الكاتب في موقع “ميدا” الإسرائيلي للأبحاث ياغفاني كلاوبر: إن “أزمة سد النهضة أتاحت لإسرائيل فرصة كبيرة للتدخل كويسط بين مصر وإثيوبيا وغيرها من دول المصب”، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الأزمة “تُرجح كفة إسرائيل على حساب الفلسطينيين في قضايا مختلفة أيضاً”.

ويرى الكاتب أن العلاقات المصرية الإسرائيلية بعد أزمة “سد النهضة” ازدادت عمقاً في ظل خشية مصر من تأثير إقامة السد وانعكاساته الاقتصادية عليها، إذ سعت إلى توثيق علاقاتها بإسرائيل التي من شأنها أن تستثمر بعلاقاتها مع أديس أبابا لتخفيض الانعكاسات السلبية وتقليل المخاطر.

ويوضح أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لم يرسل وزير خارجيته سامح شكري إلى تل أبيب مصادفة بعد عودة نتنياهو من زيارة إثيوبيا بأيام قليلة فقط، “السيسي يسعى إلى الضغط على إثيوبيا عبر إسرائيل للحصول على شروط جيدة بما يتعلق بسد النهضة”.

ويضيف: “تدرك مصر أن لإسرائيل تأثيراً على إثوبيا وتسعى لاستغلال هذا التأثير في تقليل مخاطر السد على أراضيها، ومن أجل التوصل إلى اتفاق جيد لتقسيم حصص المياه”. ويشير إلى أن الفرصة مواتية أمام إسرائيل للعب دور في الأزمة.

ويقول: إن “لأزمة سد النهضة تأثيراً كبيراً على السياسة في المنطقة، إذ سيجد السيسي نفسه مضطراً لتعميق علاقاته بإسرائيل حتى لو كان ذلك على حساب الفلسطينيين لأنها تلعب دوراً في المشهد”.

ويعتقد بأن إسرائيل ومن خلال دورها في أزمة سد النهضة ستربح بقاء مصر إلى جانبها فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، “تل أبيب تتوقع أن يبقى السيسي مؤيداً لموقفها خاصة بما يتعلق بسيطرة حركة حماس على قطاع غزة، فالسيسي يرى التهديد الأكبر المتمثل بسد النهضة يجعله أكثر قرباً للموقف الإسرائيلي”.

وكان موقع “ماكور ريشون” الإسرائيلي كشف في أبريل/نيسان 2018 عن توجه مصر رسمياً لإسرائيل بطلب لمساعدتها في حل “أزمة سد النهضة”، مشيراً إلى أن القاهرة أوضحت لتل أبيب بأنها وبعد تدخلها في “مسيرات العودة بقطاع غزة، وتأييدها لمخطط السلام الذي يقوده الرئيس الأمريكي ترمب، فإنها تتوقع من إسرائيل مساعدتها في المباحثات مع إثيوبيا”.

في سياق متصل تشير دراسة أعدها أوفير فينتر لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي تحت عنوان “أزمة المياه في أرض النيل.. من أزمة إلى فرصة”، إلى أن “أزمة سد النهضة” من شأنها أن تزيد عمق العلاقات بين تل أبيب والقاهرة.

ويشير إلى أن الأزمة خلقت ظرفاً باتت فيه مصر بحاجة ملحة إلى التعاون مع إسرائيل على صعد مختلفة أهمها ما يتعلق بالاقتصاد والمياه.

ويلفت إلى أن أزمة سد النهضة ستفتح مجالاً كبيراً للتعاون بين مصر وإسرائيل بما يتعلق بالري والزراعة، خاصة أن إسرائيل تمتلك خبرة واسعة في هذه المجالات، وقد سبق أن استعانت تل أبيب بخبرتها في إدارة موارد المياه لتحسين علاقاتها مع الأردن، “وهذا ما تستطيع فعله تماماً مع مصر”.

ويرى أن مساعدة إسرائيل لمصر من شأنها أن تعود بنتائج إيجابية كبيرة على إسرائيل، ففضلاً عن العائدات الاقتصادية “ستربح إسرائيل ثقة مصر الأكبر بعد ذلك بمعاهدة السلام معها، وكذلك ستنجح في تعميق أواصر العلاقات بين الشعب الإسرائيلي والمصري وكذلك العلاقات بين المستويات السياسية والأمنية المختلفة بين البلدين”.

ويقول: إن “الأزمة قد تعيد إحياء مبادرة تزويد إسرائيل بمياه النيل مجدداً”، داعياً الجهات المعنية في تل أبيب إلى البدء في تشكيل لجان مختصة لبحث الأمر وتحقيقه.

بدوره، يقول الباحث في مركز القدس للاستراتيجيات والأمن عيران ليرمان: إن “إسرائيل تستطيع في ظل الأزمات المحيطة بمصر مد يد العون للقاهرة لرفع أسهمها من جديد، وذلك من خلال منحها دوراً كبيراً في الوساطة بين الإسرائيليين والأمريكيين من جهة والفلسطينيين من جهة أخرى من أجل تنفيذ صفقة القرن”.

TRT عربي 

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا