غرائب ترمب تبدأ بتكهنات الصحة ولا تنتهي بجدالات السياسة

508

عيسى نهاري 

أبرزها حقن المعقمات وتناول هيدروكسي كلوركين وتصاعدت بعد كتابي بولتون وأسرار “العائلة المسمومة”

عام استثنائي ابتلع إنجازات سياسية واقتصادية كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعوّل عليها لاستحقاق ولاية ثانية، في وقت ما زالت إدارته تكافح لإيقاف تفشي وباء “كوفيد-19” الذي غيّر موازين اللعبة الانتخابية، واستبدل الرهان على الإصلاحات الاقتصادية بتحدٍ جديد لإيجاد لقاحٍ واحد يعيد بدوره وظائف مفقودة، وينقذ الملايين من شبح الموت والبطالة.

لكن بالنسبة إلى رجل أعمال ونجم تلفزيوني وسياسي لاحقاً، لا يبدو الإدلاء بالتصريحات الطبية من دون إحداث ضجة أمراً سهل المنال، فضلاً عن الظفر بمواجهات تتطلب المعرفة المتخصصة، وعلى الرغم من تسلح ترمب بفريق بحثي من أهم الشخصيات في بلاده، فإن كثيراً من المعلومات الصحية التي يوردها شكلت مادة جدل عارضها الشارع وبعض مسؤوليه، واستدعت في أحيان عدة البيت الأبيض إلى توضيحها، وبلغ التضارب أوجه مع إفصاحه عن تناول عقار “هيدروكسي كلوركين” الذي منعته السلطات الصحية، وأخيراً حديثه عن علاقة نجاح إدارته في توفير الفحوص بزيادة الإصابات، وطلبه إبطاء إجراء الاختبارات بحجة أنها سلاح ذو حدين!

“حقن المعقمات في الجسم”

وفي إحدى إطلالاته اليومية في إبريل (نيسان) الماضي، قال ترمب “أنا لست طبيباً لكنني على دراية”، قبل أن يفجر في مساء اليوم ذاته موجة جدل صاحبها تهكم محلي واسع على تساؤله عما إذا كان حقن المعقمات في جسم الإنسان يمكن أن يساعد في مكافحة الفيروس التاجي، الأمر الذي دفع السلطات الصحية إلى التدخل والتوضيح، واستدعى تحذير ماركات نظافة شهيرة لعملائها من خطورة هذا التصرف.

واستند الرئيس الأميركي في تساؤله إلى أن هذه المعقمات تطرد الفيروس في دقيقة على حد تعبيره، ما شجعه على توجيه سؤاله إلى أحد الخبراء المحيطين به في المؤتمر الصحافي المتلفز، قائلا “هل هناك طريقة يمكننا من خلالها القيام بشيء كهذا عن طريق الحقن في الداخل أو التنظيف؟ لأنك كما ترى الفيروس يدخل الرئتين، ويبدأ بالتكاثر هناك، لذا سيكون من المثير للاهتمام التحقق من ذلك”.

توالت لاحقاً الاتصالات على الخط الصحي الساخن في ولاية ماريلاند، مطالبةً وكالة الطوارئ في الولاية بتنبيه الأفراد من “استخدام أي مطهر لعلاج الفيروس”. وفي ولاية واشنطن التي سجلت أول إصابة بالفيروس في البلاد الأكثر تضرراً عالمياً، حث المسؤولون على عدم تناول كبسولات منظفات الغسيل، ثم دق خبراء الصحة في جميع أنحاء الولايات ناقوس الخطر كون حقن هذه المواد ربما يسبب خللاً في وظائف الجسم يؤدي إلى الوفاة.

وبصرف النظر عن منطقية الاستفهام من عدمه، فإن التصريح المثير للجدل عبّر عن رغبة ملحة في إيجاد أملٍ وسط تسارع انتشار الفيروس الغامض، في وقت كان العالم يخطو في مراحل البحث الابتدائية لكشف خفايا الفيروس الجديد الذي أوقد مئات التساؤلات في أذهان الأطباء والباحثين، حتى أن لغة اليقين التي اعتاد الناس عليها اختفت، وصارت خطابات القادة خالية ومن دون وعود تُذكر، وأصبح الأطباء والعلماء يفكرون أكثر من مرة قبل الإدلاء بنتائجهم لقلة المعلومات التي يملكونها، ويؤثرون في أحيان كثيرة الصمت لإخلاء المسؤولية.

من جانبها حمّلت الإدارة الأميركية وسائل الإعلام مسؤولية اللغط، إذ قالت كايلي ماكناني، المتحدثة الإعلامية باسم البيت الأبيض، إن “الصحافة تعاملت مع حديث الرئيس بشكل غير مسؤول للخروج بعناوين سلبية”.

لكن ترمب قوّض في وقت لاحق حجتها، وذكّر بأن سؤاله لأحد خبرائه حول إمكانية حقن المطهرات كان في الواقع “مزحة متقنة حاكها لخداع الصحافيين”.

واستغلت رئيس مجلس النواب، نانسي بيلوسي، الحدث للسخرية من تعليقات ترمب، وانتقاد سياساته لتخفيف آثار فيروس كورونا، وقالت “الرئيس يطلب من الناس حقن معقم ليسول في رئاتهم”، واستدلت بذلك على “رفض الجمهوريين للعلم”، على حد وصفها.

ووفقاً للأطباء الذين يراقبون النشاط في مراكز الاتصال الخاصة بالسموم، فقد تزامن مع الحديث حول حقن المعقمات مع ارتفاع في حوادث منتجات التنظيف المنزلية، وأفاد مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها بزيادة عدد المكالمات الواردة إلى مراكز مكافحة السموم، وكذا زيادة كبيرة في التعرض العرضي للمنظفات والمطهرات المنزلية.

“ما الذي ستخسره؟”

ما زال دواء “هيدروكسي كلوروكين” محل نقاش محتدم في الأوساط الطبية، إذ علقت منظمة الصحة العالمية في مايو (أيار) الماضي استخدامه استناداً إلى دراسة في مجلة “ذي لانسيت” المرموقة اعتبرت العقار غير مفيد ومضر أحياناً بالمرضى، وبعد 9 أيام قررت المنظمة استئناف تجاربها السريرية الساعية إلى إثبات نجاعة دواء الملاريا في علاج فيروس كورونا، قبل أن توقف استخدامه مرة أخرى في 17 يونيو (حزيران) الحالي على خلفية توصل باحثين إلى أن العقار لا يؤدي إلى خفض معدل الوفيات بين المرضى الذين يتلقون العلاج عند مقارنته بمعيار الرعاية النموذجية.

لم يعبأ الرئيس الأميركي بكل هذه المتغيرات، وتجاهل حالة عدم اليقين، مفصحاً في 19 مايو الماضي، أنه يتناول الدواء منذ عشرة أيام لأغراض وقائية، رغم توصيات السلطات الصحية الأميركية بعدم استخدامه، وانقسام المجتمع الطبي على مستوى العالم.

وأكّد ترمب حينها أنّه ليس مصاباً، ولم تظهر عليه أية أعراض، لكنه يتناول حبّة يومياً، وفي وقت ما سيتوقف عنه، مضيفاً أنه “يخضع بصورة منتظمة لفحوص مخبرية لتبيان ما إذا كان مصاباً بالفيروس وقد أتت نتائج جميع هذه الفحوص لغاية اليوم سلبية”.

وعن السبب وراء إقدامه على ذلك، قال إنه “يعتقد بفعاليته، وسمع أموراً جيدة جداً عنه. أنتم تعرفون عبارة (ما الذي ستخسره؟)”، لافتاً إلى أن تناوله هيدروكسي كلوروكين “لن يؤدّي إلى ضرر، إذ يُستخدم منذ 40 عاماً، ويتعاطاه الكثير من الأطباء”.

من جانبها حذّرت إدارة الغذاء والدواء الأميركية من “هيدروكسي كلوركين” المضاد للملاريا، لإمكانية تسببه في حدوث تشوهات خطيرة في إيقاع القلب لدى مرضى الفيروس، وقد أدى إلى بعض الوفيات، وأضافت أن الأدوية يجب أن تُستخدم فقط في التجارب السريرية أو المستشفيات حيث يمكن مراقبة المرضى عن كثب لتفادي مشكلات القلب.

“كثرة الفحوص سببت زيادة الإصابات”

وبينما يضرب فيروس كورونا الولايات المتحدة بقوة وسرعة كبيرتين، مسجلةً أكثر من مليونين ونصف المليون إصابة، يواصل ترمب الربط بين مضاعفة عدد الاختبارات وكثرة الإصابات، ويعزو الحالات في بلاده إلى توسعها المستمر في الفحوص أكثر من أي دولة أخرى، مضيفاً أنه “مع تقليل الاختبارات ستكون هناك حالات أقل”.

وشهدت الأيام الماضية قفزة في عدد الحالات في معظم الولايات، على رأسها تكساس وفلوريدا التي اُنتقدت لتعجلها في تطبيق سياسات تخفيف القيود التي انعكست على اكتظاظ الشواطئ، وانتشار التجمعات.

وفي مستهل استجابة الولايات المتحدة للفيروس، انتقد خبراء الصحة العامة قدرة البلاد على إجراء اختبارات واسعة النطاق، قبل أن تضاعف الحكومة جهودها حتى استطاعت إجراء 478 ألف فحص يومياً في يونيو الحالي، مقارنةً ​​بمتوسط مايو الماضي الذي قُدر فيه عدد الفحوص بـ345 ألف فحص.

وبدّد متخصصو الصحة العامة الادعاءات الأخيرة، وأوضحوا أن البيانات لا تشير إلى أن سبب القفزة الأخيرة في الحالات اليومية هو زيادة الفحوص، مستشهدين بمعدل انتشار العدوى الذي لم ينخفض بعد، حيث ما زال يحوم حول 5 في المئة.

“طلبت إبطاء الاختبارات”

وفي آخر تجمع انتخابي في مدينة تولسا بولاية أوكلاهوما، الأسبوع الماضي، قال الرئيس الأميركي أمام الآلاف من أنصاره إنه “طلب من المسؤولين إبطاء اختبارات الكشف عن فيروس كورونا”، واصفاً إياها بأنها “سلاح ذو حدين” حيث أدت إلى اكتشاف عدد أكبر من حالات الإصابة.

وأضاف في تصريحه الذي أثار الجدل مجدداً وسمح لخصومه النيل منه، أن الولايات المتحدة أجرت الآن اختبارات لخمسة وعشرين مليون شخص وهو ما يزيد بكثير على دول أخرى، وتابع، “عند إجراء اختبارات بهذا الحجم ستجد عدداً أكبر من الأشخاص وعدداً أكبر من الحالات، ولذلك طلبت من معاونيّ إبطاء الاختبارات”.

ولم يسارع البيت الأبيض هذه المرة إلى التبرير أو إلقاء اللوم على الصحافة، بل أوضح أن الرئيس كان يمزح بشأن دعوته لإبطاء الاختبارات، وعلق أحد المسؤولين “من الواضح أنه كان يمزح، إننا نتصدر العالم في الاختبارات وأجرينا أكثر من 25 مليون فحص”.

لكن نظرية الخلط بين الجد والهزل لا تنفي إيمان ترمب بأن كثرة فحوص كورونا تضع البلاد في “مظهر سيء” على حد تعبيره، حيث وصفها في تغريدة على حسابه الرسمي على موقع “تويتر” بأنها “سلاح ذو حدين”، وأضاف “إلا أنه من الجيد أن يكون لديك”، وواصل الترويج لهذه الآراء في مقابلة أخيرة مع صحيفة “وول ستريت جورنال”.

وفي سياق متصل، يرى خبراء الصحة أن توسيع اختبارات الكشف عن الفيروس يسهم في زيادة بعض الحالات لكن ليس على إطلاقه، ويشددون على أهميتها باعتبارها وسيلة أساسية لمكافحة انتشار العدوى، وتقليل العبء على النظام الصحي، حيث إن الكشف المبكر ربما يساعد على تخفيف الأعراض، بالتالي عدم حاجة بعض المصابين إلى الذهاب إلى المستشفى، وهو ما تتبعه بروتوكولات العلاج في عدد من الدول.

“استمتعوا”

عندما أزاحت “سي بي إس” قبل يومين الستار عن استبيان يكشف وجود 5 في المئة فقط من مواطني الولايات المتحدة يعتبرون أوضاع بلادهم “جيدة جداً”، صارت هذه الأقلية حديث الساعة الأبرز في وسائل التواصل الاجتماعي، وتعرضوا لموجة انتقادات عنيفة، عدّهم البعض فيها من طبقة الأثرياء، وذهب آخرون إلى وصمهم بالنازية، أو السخرية مما اعتبروه غباءً.

وتسلط الدراسة التي شارك فيها أكثر من 2000 شخص الضوء على واقع الشارع الأميركي الذي لم يعد منقسماً إلى لوني الحزبين الأحمر والأزرق، أو لوني العرق الأبيض والأسود، لكن إلى متلثمين ومسفرين، سعداء وحانقين، وباحثين عن المرح والحياة الخارجية مقابل الملتزمين بإجراءات العزل في بيوتهم.

ومهما اختلفت توجهات الأفراد فإنهم يتشاركون توقهم للخروج وممارسة حياتهم الطبيعية، وهي رغبة تؤكدها أوضاع الدول التي عادت المياه فيها إلى مجاريها بركود ملحوظ، وإقبال شعوبها على ارتياد الأماكن العامة رغم تسارع انتشار الفيروس فيها، وبطبيعة الحال لا يمكن سلب الإنسان صبغته الاجتماعية.

ما يميز ترمب أنه يعرف متى وكيف يختار عدوه لكسب أنصاره، فحين تفشى كورونا في بلاده وعطل حركتها، لم يعلن حربه على الوباء فحسب، بل على الإغلاق الحكومي، وراحت معاركه مع الحكام المعارضين لإعادة الفتح المتسرع تتصدر عناوين الصحف. قرار تخفيف الإجراءات لم يكن ليصعب على الرئيس كونه قابلاً للتفاوض مع الحكومات المحلية، أما إيجاد لقاح فهو مسألة وقت وجهد علمي عصيين عن التكهن بعوائدهما، لذلك ربما يفضل سيد البيت الأبيض بتحرير بلاده من قبضة الفيروس انتزاعَ انتصارٍ ملموس على أن يظهر بمنظر اليائس الذي لم يحقق شيئاً.

وتأتي تغريداته المسلّحة بإلمامه بعقلية مواطنيه، تأكيداً على رهانه على فك القيود المفروضة في سبيل كسب قلوب الأفراد، لا سيما أن تخفيف الإجراءات يعني عودة الوظائف إلى ملايين العاطلين، وهو ما يبرر دعوة رئيس دولة عظمى الناس إلى الاستمتاع بشاطئ محلي في شمال شرقي البلاد بعد فتحه، قائلاً إنه “شَرُف للتو بتحرير قرابة 13 ألف كيلومتر مربع من البحر قبالة ساحل ولاية مين”.

وعند أخذ نظرة على موقعي تويتر وفيسبوك ستجد أن الكثير يميل إلى هذه السياسة التي يختلف معها الديمقراطيون، وعلى رأسهم جو بايدن الذي يحرص على ارتداء الكمامة، واتباع أشد الإجراءات. ولم يفوت المرشح الرئاسي الديمقراطي، استغلال تصريح منافسه قائلاً إن “ترمب يعتقد أن اكتشاف أن المزيد من الأميركيين مرضى سيجعله يبدو سيئاً، هذا هو ما يقلقه، إنه قلق بشأن المظهر السيء”. وأضاف “عدد الحالات يتزايد في 29 ولاية، وسنتعامل مع ذلك لفترة طويلة”، وأنه لا يمكن لترمب ثني الفيروس لتلبية رغباته السياسية، لا توجد معجزات قادمة”.

وربما تكون حظوظ نجاح هذا التوجه ضئيلة، إذ إن الأميركيين بالكاد احتملوا حبس أربعة أشهر خفف الشتاء من وطأتها، ولا يودون تفويت موسم شاطئي يحررهم من قيظ لا يطيقونه، ونظراً إلى حاجتهم إلى استعادة الوظائف، فإنهم كغيرهم من الشعوب يبحثون عن فرجة أمل، وعمن يبشرهم بالحلول، لا من ينذرهم بالمخاوف التي تنبض بها الصحف والقنوات. رغبات كثيرة عكسها قرار ترمب، باستقطاب العالم منصف السلاوي ليقود الجهود المتسارعة لإنتاج لقاح فيروس كورونا، حيث غيّر خبير الدوائيات الأميركي من أصل مغربي، في إطلالته الأولى في مايو الماضي، النظرة التشاؤمية التي ظل الدكتور فاوتشي يجهر بها بجوار الرئيس الممتعض، وبشَّر باقترابهم من إيجاد لقاح بحلول العام الحالي.

حارس التقاليد أمام رجل المصالح

وعلى الصعيد السياسي، حمّل ترمب الصين مسؤولية انتشار كورونا عالمياً، وانتقد سياسات منظمة الصحة العالمية، واتهمها بالتواطؤ مع بكين، ثم توجه التركيز الإعلامي على مناوشاته المتصاعدة على إثر اتهامات الغائب الحاضر جون بولتون، ومقتطفات كتابه المثير للجدل الذي يورد فيه طلب الرئيس الأميركي من بكين مساعدته لضمان الفوز بولاية رئاسية ثانية.

يضرب اختلاف وجهات النظر بين ترمب وبولتون في صلب سياسات الرئيس الذي لم يجد حلاً حينها غير عزل بولتون من منصب مستشار الأمن القومي، رغم كونه واحداً من الشخصيات المهمة والمعروفة بصرامتها والتزامها بتقاليد الحزب الجمهوري، ولعل هذه الطباع المتشددة هي التي أثرت في علاقتهما، فخلال سبعة عشر شهراً أمضاها في منصبه، لم يرق لبولتون عقد محادثات مع إيران، أو التقارب مع كوريا الشمالية، كما طال التباين عملية السلام في أفغانستان، والحرب التجارية مع الصين.

وتصاعد الخلاف بين الرجلين بعد انتشار مقتطفات من كتاب “الغرفة التي شهدت الأحداث”، يكشف فيه مستشار الأمن القومي السابق أسراراً شهدها خلال فترة عمله في البيت الأبيض، مثل التهديد بالانسحاب من حلف الناتو وتعليق المساعدات العسكرية لأوكرانيا، وغيرها من الملفات الحساسة التي دفعت وزارة العدل إلى تقديم طلب طارئ في محكمة اتحادية بواشنطن لمنع نشر الكتاب كونه يضر بالأمن القومي.

تدخلات الصين

وبالنظر إلى الاتهامات الأميركية للصين بنشر فيروس كورونا، ربما تكون بكين أحد أبرز المستفيدين من توقيت خروج مزاعم بولتون، غير أن الأخيرة لم تتوان عن التزام الصمت وسياسة عدم التدخل بشأن طلب الرئيس الأميركي من نظيره الصيني شي جينبينغ مساعدته للفوز بانتخابات 2020، خلال اللقاء الثنائي الذي جمعهما على هامش قمة مجموعة العشرين في اليابان يونيو الماضي، حين حوَّل ترمب ـ بحسب بولتون ـ المحادثة بشكل مفاجئ إلى الانتخابات الرئاسية في بلاده، ولمح إلى قدرات الصين الاقتصادية للتأثير في الحملات الجارية والتمس من شي أن يضمن أنه سيفوز.

وفيما يتطاير شرر الكتاب على سياسات واشنطن الخارجية، يبدو بولتون الخاسر الأكبر، فلا كسب الجمهوريين، ولا سلم من الصين المستاءة من إثارة مسائل كبناء معسكرات الاعتقال لأقلية الإيغور المسلمة في إقليم شينجيانغ التي يحاول مسؤولو البلد الآسيوي تبريرها، والتي يدعي بولتون أن ترمب اعتبرها السياسة المناسبة، وهو ما يتعارض مع خطوة الأخير قبل أكثر من أسبوع، عندما صادق على قانون يفرض عقوبات على مسؤولين صينيين بسبب انتهاكات حقوق جماعة الإيغور.

وكانت التغطية الوحيدة لهذه المزاعم في وسائل الإعلام الصينية، في “غلوبال تايمز” الناطقة باللغة الإنجليزية، وهي صحيفة وطنية مدعومة من الدولة موجهة نحو جمهور أجنبي، اتهمت بولتون بأنه “متشدد مناهض للصين يسعى إلى تشويه بكين وتشويه سمعة السياسة الداخلية الأميركية”.

وعلق المتحدث باسم الخارجية الصينية تشاو ليجيان قائلاً إن بلاده لا تنوي التدخل في الانتخابات الأميركية، وتتفهم موقف الرئيس الأميركي الواضح من مسألة إقليم شينجيانغ، وذلك رداً على سؤال لشبكة “سي إن إن”، التي أشارت إلى حذف التصريح من النسخة الرسمية لنص المؤتمر تبعاً لسياسات تتعمد تجاهل الأسئلة الحساسة.

“جاهل بالجغرافيا”

وتخفّ جدية الكتاب عند إيراده قول ترمب أن مواطنيه يريدون منه أن يلغي الحد الدستوري الذي يسمح للرؤساء بالبقاء لفترتين رئاسيتين فقط، وذلك بعد أن أخبره الرئيس الصيني أنه يريد العمل معه لمدة ست سنوات أخرى، كما يزعم جهل ترمب بامتلاك بريطانيا أسلحة نووية، وأنه قال لرئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي في أثناء لقاء جمعهما في 2018 “أوه، هل أنتم قوة نووية؟”. يصف بولتون أن طريقته لم تنم عن المزاح.

وكتب المستشار السابق أن ترمب سأل ذات مرة رئيس أركانه في ذلك الوقت الجنرال جون كيلي، عما إذا كانت فنلندا جزءاً من روسيا، وأشار إلى أن الرئيس أكد في اجتماع أجري في البيت الأبيض في أغسطس (آب) 2018، أن فنزويلا كانت “جزءاً من الولايات المتحدة”، وطلب البحث عن خيارات عسكرية لغزو الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية، وإبقائها تحت السيطرة الأميركية، واصفاً غزو فنزويلا بأنه “فكرة رائعة”.

ما الذي أفشل العزل؟

ولم يغفل الكتاب الاتهام الذي شكّل شرارة المساعي الديمقراطية في مجلس النواب لعزل الرئيس، والتي تصدرت الساحة العالمية، قبل أن يدحضها مجلس الشيوخ الذي يتمتع بأغلبية جمهورية. وأشار إلى أن سيد البيت الأبيض علق المساعدات العسكرية لأوكرانيا العام الماضي، للضغط على رئيسها فلاديمير زيلينسكي، كي يكشف معلومات تضر بمنافسه الديمقراطي جو بايدن في انتخابات الرئاسة الأميركية.

وبعدما ساءت علاقة بولتون مع رئيسه وزملائه، عاد الصقر الجمهوري ليستنكر تصرف الديمقراطيين بحصر الاتهام بشكل ضيق بأوكرانيا، في وقت كانت فيه تجاوزات ترمب الشبيهة بما فعله مع كييف موجودة على نطاق سياسته الخارجية بالكامل، مشيراً إلى أنه لو لم يُركز مجلس النواب على الجوانب الأوكرانية وتضارب المصالح الشخصية، لكانت هناك فرصة أكبر لإقناع الآخرين بأن هناك جرائم أخرى ارتكبت.

“أكاذيب ومحض خيال”

من جانبه، وصف ترمب ادعاءات مستشاره للأمن القومي سابقا بـ”السخيفة”، واعتبرها أكاذيب وروايات مختلقة تهدف إلى إظهاره بصورة سيئة، وقال إن “الكثير من التصريحات التي ينسبها إليَّ لم أقلها يوماً، خيال بحت، يحاول فقط الانتقام لأنني أقلته”.

وندّد وزير الخارجية مايك بومبيو بما وصفها بـ”الأكاذيب”، وقال “من المحزن والخطير في آن واحد، أن يكون الدّور العام الأخير لجون بولتون هو دور الخائن الذي أضرّ بأميركا، من خلال انتهاكه الثقة المقدّسة مع شعبه”، مضيفاً أنه وفقاً للمقتطفات المنشورة، فإن “الكتاب يتضمن عدداً من الأكاذيب وأنصاف حقائق وأُخرى كاذبة تماماً”.

العائلة المسمومة تحت المجهر

ولم تهدأ عواصف بولتون، حتى جاءت ماري، ابنة شقيقة ترمب، لتشكل صداعاً آخر، بكتابها “أكثر من اللازم وغير كافٍ، كيف خلقت عائلتي أخطر رجل في العالم”، الذي يكشف تفاصيل مثيرة حول علاقة ترمب مع أبيه وشقيقه وخبايا علاقاته المدمرة، وسخريته من والده عندما بدأ يستسلم لمرض الـ”ألزهايمر”.

“اندبندنت عربية” اطلعت على موقف الناشر “سيمون وشوستر” الذي وصف الكتاب بأنه يحمل لوحة ثورية وموثوقة لترمب والتاريخ المظلم لعائلته “المسمومة” التي صنعت منه “أخطر رجل في العالم”، على حد وصف كاتبته، الطبيبة النفسية، التي تشرح كيف صار عمها شخصاً يهدد الصحة العالمية، والأمن والاقتصادي، والنسيج الاجتماعي.

وتدور الأحداث في منزل جديها الكبير الفخم في قلب كوينز، نيويورك، حيث نشأ دونالد وأشقائه الأربعة، وسط كابوس من الصدمات والعلاقات المدمرة، ومزيج مأساوي من الإهمال وسوء المعاملة، وتبين المؤلفة كيف أسهمت أحداث وأنماط عائلية معينة في خلق “الرجل المتضرر” الذي يحتل المكتب البيضاوي، بحسب دار النشر.

وابتعدت ماري إلى حد كبير عن الأضواء خلال رئاسة عمها، لكنها انتقدته في مقابلة نادرة قبل 20 عاماً، وكانت حينها قد رفعت رفقة شقيقها دعوى قضائية بشأن وصية جدها فريد ترمب الأب، وزعما أن دونالد وأشقاءه مارسوا “تأثيراً لا مبرر له” في عملية توزيع العقارات التي كانت تساوي مئات الملايين من الدولارات.

ترمب مصدوم

الواقعة الأخيرة وإن كانت فريدة من نوعها على المستوى العائلي، فإنها ليست سابقة أولى على الصعيد الإداري، ولا تبدو الأخيرة، إذ تصادم ترمب من قبل مع العديد من مساعدي البيت الأبيض السابقين، وأعضاء إدارته الذين أقدموا على نشر كتب سببت له مشكلات، بمن فيهم مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق جيمس كومي، وأندرو ماكابي، نائب الـ”إف بي آي” سابقاً، وكليف سيمز، مساعده السابق، ومسؤول مجهول نشر لائحة اتهام شككت في صلاحيته لمنصبه الرئاسي.

واكتفى الرئيس الأميركي بما قاله لموقع “أكسيوس”، بأن ماري غير مسموح لها بالنشر لتوقيعها عام 2001 اتفاقاً بعدم الإفصاح وصفه بـ”الشامل والمحكم، وجاء بعد تسوية نزاع حول ملكية عقارات لفريد ترمب وروبرت وفريد الابن والد ماري الذي توفي عام 1981 بسبب إدمان الكحول، غير أن رفض القضاء في نيويورك منع نشر الكتاب لعدم الاختصاص جاء ليشكل صاعقة أخرى.

وقال ترمب إنه ليس العضو الوحيد في أسرته الذي صدم عندما علم أن ابنة أخته تخطط لإفشاء أسرار عائلية، ولفت النظر إلى غضب شقيقه الأصغر روبرت حيال ذلك، مضيفاً أنه يحظى بعلاقة جيدة مع شقيق ماري، وأنه التقاه في البيت الأبيض قبل أكثر من أسبوع لسبب غير ذي صلة.

ومن المقرر أن يصدر الكتاب المحمل بأسرار الرئيس العائلية في نهاية يوليو (تموز) المقبل، أي قبل أشهر قليلة من الانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فيما تتعرض الإدارة الأميركية لسيل هائل من الانتقادات حول استجابتها لفيروس كورونا، وتعاملها مع التظاهرات، ووحشية الشرطة.

خسارة الانتخابات في جميع الأحوال ستكون صادمة بالنسبة إلى ترمب، إلا أن وقعها عليه سيكون أكثر مرارة وإيلاما لو غادر المشهد السياسي وبلاده مختنقة تحت وطأة فيروس كورونا، فهو قبل أن يكون رئيس كل الأميركيين، كان ولا زال رجل الأعمال صاحب الكبرياء والطموح الذي لم توقفه أكبر حواجز نيويورك المادية والمعنوية، غير أن رفيقه المجهري المهدد لإرثه الرئاسي منذ أربعة أشهر يبدو مصرّا على إطاحته، فمن ينتصر؟

اندبندنت عربية

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا