مع انحدار الدور القيادي العالمي للولايات المتحدة، يبادر الآخرون كلما تنامت الصراعات

433

ترجمة: ضحى الخالدي . مركز حمورابي للبحوث الاستراتيجية

في كل خطوة تراجع للولايات المتحدة من مختلف البقاع الساخنة, فأن موطئ قدمها يُملأ من قبل ايران, تركيا, روسيا و الآخرين.

وزير الخارجية الايراني جواد ظريف ذهب الى تركيا وروسيا لعقد اجتماعات مهمة حول الالتفاف على العقوبات الاميركية و تنسيق السياسة بخصوص سوريا والعراق. بينما قامت كوريا الشمالية بتفجير مكتب الارتباط وتهديد كوريا الجنوبية. يوم الثلاثاء كشفت تقارير عن مقتل 20 عشرين جندياً هندياً في مصادمات مع الصين. تركيا أرسلت قواتها وطائراتها الى شمال العراق بالتنسيق مع سلاح المدفعية الايراني لمهاجمة المجاميع الكردية.

تتنامى الصراعات حول العالم لا سيما في منطقة الشرق الاوسط وآسيا كلما هاجمت الدول احداها الاخرى وسط تغير الدور الاميركي في العالم. الرئيس الاميركي دونالد ترامب قال بأنه يريد ان يخرج من دور شرطي العالم ومن التعامل مع صراعات بعيدة في مناطق يجهلها أغلب الأميركيين.

كان زمناً حينما كان المسؤولون والدبلوماسيون الاميركيون وكذلك الاعلام والرئيس الاميركي على اتصال هاتفي بقادة العالم خلال كارثة كتلك التي حدثت بين الصين و الهند, وكان زمناً حين كانت القيادة الاميركية للعالم من الممكن ان تمنع هكذا كارثة لأن الدول كانت تشعر بأن الولايات المتحدة كانت صاحبة مصلحة تجاه مختلف الصراعات, لكن اليوم أميركا غائبة بصورة كبيرة عن الغرف التي يتم فيها مراقبة هذه الصراعات ومناقشتها.

على سبيل المثال بينما تركيا هي حليفة ضمن الناتو ظاهرياً, فأنها تعمل مع ايران جنباً الى جنب لتنسيق السياسة في سوريا, العراق , و ليبيا فيما الولايات المتحدة غائبة.  التنازلات المتبادلة بين تركيا و ايران مقابل المصالح الأكثر اهمية و التي تبدو من خلال معارضة أنقرة  للعقوبات الاميركية على طهران فيما توافق طهران على تقديم المساعدة لدعم الغزو التركي لشمال العراق, و دعم السياسة التركية في ليبيا يوضّح اجماعاً متنامياً على أن يكون الشرق الاوسط  – بشكل متزايد – في قبضة روسيا, ايران و تركيا في العديد من القضايا.

في ذات الوقت فأن الصراع في اليمن والتوترات المتنامية بين مصر و اثيوبيا حول السد تتنامى بلا هوادة.

غياب التواجد الاميركي عن شمال العراق: المنطقة التي تقصفها المقاتلات التركية, و غياب التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الذي كان يحاول سحق داعش هو أشارة الى ان تركيا قادرة على نزع استقرار واحدة من مناطق العراق المستقرة بقدر ما فعلت في شمال سوريا حينما انسحبت الولايات المتحدة العام الماضي من المناطق الواقعة تحت التهديد التركي.

معظم هذه الدول تعرف الآن بأنها يجب ان تخطو باتجاه تنسيق السياسة, وهذا هو السبب وراء مقالات وكالة الانباء الروسية تاس TASS حول وقف أطلاق النار في ليبيا. أرسلت روسيا طائرات حربية ومتعاقدين لتعزيز المعارضة. من الممكن ان تتوسط في عقد صفقة مع تركيا كما فعلت مع ادلب في سوريا.

ليبيا كانت بلداً تعرّض للتدخل الاميركي في ادارة اوباما عام 2011 لكن حين قتل الدكتاتور معمّر القذافي تصاعدت الفوضى و قتل السفير الاميركي كريستوفر ستيفنس عام 2012 في بنغازي الليبية. منذ ذلك الحين قلّصت واشنطن دورها.

بصورة مشابهة تورطت اميركا في سوريا من خلال توفير الدعم للمتمردين السوريين عام 2014, لكن تم اختتام هذا الدعم بوصول ترامب الى المكتب البيضاوي. ابتعدت الولايات المتحدة عن وقف اطلاق النار جنوب سوريا في 2018 مما مكّن نظام الاسد من استعادة مناطق في محافظة درعا و مواقع حزب الله قرب مرتفعات الجولان.

في الوقت الذي ساعدت فيه واشنطن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في تحرير الرقة عام 2017, الا ان ادارة ترامب قد نوّهت الى امكانية انسحابها عام 2018. رئيس القيادة المركزية الاميركية الجنرال كينيث ماكنزي قال مؤخراً بأن الولايات المتحدة لن تبقى في سوريا الى الابد.

أميركا اليوم لا تمتلك سياسة واقعية في سوريا فهي لا تستثمر في الاستقرار؛ انها فقط تريد من (قسد) أن تستوعب 10000 عشرة آلاف معتقل داعشي. مع كل خطوة تتخذها الولايات المتحدة نحو الخلف, فأن موطئ أقدامها يملأ من قبل ايران, تركيا, روسيا و الآخرين.

بينما كان للولايات المتحدة مصلحة  في الصراع اليمني باعتراض تدفق السلاح الايراني للمتمردين الحوثيين الا انها لم تضغط كثيراً لمختلف أيقافات اطلاق النار التي تم مناقشتها. الرسالة كانت بأن الدول المحلية تحتاج لتقدير – حساب –  ذلك لنفسها. بصورة مشابهة فأن الولايات المتحدة ناقشت اصلاح موقفها  ازاء القيادة العسكرية الاميركية في افريقيا AFRICOM  و حتى ترك قوات متعددة الجنسيات في سيناء.

يريد المشرّعون الاميركيون للولايات المتحدة ان تشترك في سيناء لأن ذات مرة لعبت أميركا دوراً رئيسياً في السلام المصري-الاسرائيلي, لكن اليوم مع الانسحاب الاميركي من أفغانستان و تخفيض القوات في ألمانيا, فأن الشهية تتجه نحو أعادة القوات الى الوطن.

النتيجة النهائية هي انه حيثما كان هناك نزاعات تتفجر و التي غالباً ما كانت تحت السيطرة لثلاثين عاماً من القوة و النفوذ الاميركي منذ 1990, فأن هناك توترات متنامية جديدة كلما تأهبّت الدول. هذه الدول تريد ان ترى من هو الزعيم و ماذا سوف يحدث اذا ما قاموا بدفع الاشياء. ذات مرة قامت ادارة ترامب بمغازلة كوريا الشمالية, هذا ايضاً دفع.

قامت تركيا بغزو ليبيا, العراق, و سوريا وتريد قواعد جديدة في ليبيا. ايران في العراق, سوريا, لبنان, و اليمن. روسيا في كل الشرق الاوسط خصوصاً في ليبيا و سوريا, لكن بموطئ قدم عالمي متوسّع. الصين تحت الرصد – الرادار- بنفوذها العالمي المتزايد و قوتها الاقتصادية ايضاً تتحرك. طائراتها المُسَيَّرة في ليبيا, و كذلك في الخليج, مصر, الاردن, و المملكة العربية السعودية.

الواقع هو ان النظام العالمي يتغير الآن بما ان الولايات المتحدة  تشير الى انها تقوم بالانتقال الكبير –الثقيل-  .

بينما لا تزال العقوبات الاميركية تلدغ سوريا و الصين, و حاملات الطائرات الاميركية تُرسَل الى المحيط الهادي في استعراض للقوة لردع التطفل الصيني, فأن الوضع أجمالاً هو تقليص رغبة الولايات المتحدة بالبحث عن لعب دور رئيسي في مناطق مختلفة.

هناك ايضاً فقدان للرغبة بالدفع باتجاه أيقافات لأطلاق النار أو الحلول الدبلوماسية. باختصار لا توجد هناك اتفاقات دايتون  حول ليبيا, و لا المزيد من لقاءات كامب ديفيد. يبدو ان الحقبة التي كان يتم فيها التوصل الى اتفاقات أو اتفاقيات بين طرفين يتم دعوتهما الى الولايات المتحدة قد انتهت. هذا هو السبب لتوجه وزير الخارجية الايراني مباشرةً نحو روسيا و تركيا للتوسط بعقد صفقات للشرق الاوسط.

الضغوط القصوى على ايران التي حاولت الولايات المتحدة  فرضها تسببت بأقصى نشاط دبلوماسي لطهران, و بضربة من الانتصارات للنظام. يناقش الأعلام الايراني اليوم تنامي دور ايران في افغانستان في الوقت الذي تغادر فيه الولايات المتحدة, و كيف عملت مع روسيا و تركيا للحصول على ما تريد.

اذا كان يفترض بأيران ان تصبح معزولةً  بالعقوبات الاميركية, فأن العكس هو ما يبدو بأنه يحدث, و هذا هو ما يحدث عالمياً.

للقراءة من المصدر الاصلي

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا