FP: هل يكون مستقبل أمريكا مثل ماضي جنوب أفريقيا؟

366

نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا للأستاذ بكلية الدراسات الدولية والشؤون العامة بجامعة “كولومبيا” الأمريكية، مارك روزينبيرغ، تساءل فيه عن ما إذا كانت الولايات المتحدة ستشهد حراكا ضد العنصرية والتمييز كاللذي شهدته جنوب أفريقيا قبل عقود.

وقال “روزينبيرغ” في مقاله، الذي ترجمته “عربي21″، إنه كمهاجر من جنوب أفريقيا إلى أمريكا، ومراقب لفترة طويلة للمشهد السياسي في البلد الأفريقي، فإن لديه إلماما بمآل المطالبات بالعدالة العرقية والتغيير، وقدرتها على إطلاق العنان لقوى اجتماعية وسياسية ضخمة.


وأضاف: “صحيح أن تجربتي الخاصة تجعلني منحازا، وأمريكا ليست بأي شكل من الأشكال دولة أبارثايد (على الأقل منذ عام 1964)، ولكن من المثير أن نرى أمريكا في 2020 تبدو وكأنها دولة فاشلة، كما كانت جنوب أفريقيا أواخر أيام الفصل العنصري”.


وأدت سرعة تطور الأحداث إلى تحذيرات متزايدة من موت الديمقراطية الأمريكية أو من حرب أهلية أخرى، بحسب الكاتب. لكن ما جرى في جنوب أفريقيا يبعث بعض الأمل، مشددا على ضرورة تحديد أوجه الشبه لتجنب السقوط في فخ التفاؤل الزائف.
وأوضح الكاتب في هذا السياق، أن انفجار المظاهرات العرقية في أنحاء أمريكا عقب مقتل جورج فلويد، ورد الشرطة المبالغ فيه بطريقة عسكرية، يشبه ما جرى في سبعينيات وثمانيينات القرن الماضي بجنوب أفريقيا، التي كانت ملهمة في أنحاء العالم.

ومثل الكثير من الحركات الاجتماعية من قبل ومنذ ذلك الحين، كانت تحتوي على خليط معقد يتألف من غالبية من المتظاهرين غير العنيفين، مع متطرفين عنيفين ومحرضين خارجيين ولصوص انتهازيين. 


ويعلق “روزينبيرغ” بالقول إن النشطاء في البلدين يتشاركون في الهدف الواضح وهو إنهاء العنصرية الممنهجة، وفي كلتا الحالتين ترتبت على الاحتجاجات سلسلة من الأحداث السياسية والاقتصادية التي دفعت الهدف من الهامش إلى مركز الاهتمام والتأثير.

وفي أمريكا، تتضمن هذه الأحداث رئاسة دونالد ترامب المسببة للشقاق، بحسبه، وأزمة كوفيد-19، التي أثرت بشكل غير متكافئ على المجتمعات الأمريكية السوداء. وفي جنوب أفريقيا تضمنت انتفاضة “سويتو” عام 1976 وركود الاقتصاد العالمي الذي أثر على البلاد بشكل حاد ونهاية الحرب الباردة.


كل ذلك يرتبط بمقارنة تاريخية أوسع بين أمريكا وجنوب أفريقيا: انهيار حكم البيض. وللتأكيد فقد سبق نهاية حكم الأبارثايد في جنوب أفريقيا عقود (إن لم يكن قرون) من حكم الأقلية البيضاء المؤسساتي، بينما في أمريكا تحول الأمريكان البيض المسيحيون إلى أقلية من فترة قصيرة فقط. ولكن تهديد خسارة الحكم للملونين يشكل خيطا مشتركا مع جنوب أفريقيا.


وفي أمريكا، أبرز انتخاب أول رئيس أسود عام 2008 وتراجع الثقة في الاقتصاد الأمريكي غير المستقر وغير العادل، التحول الديمغرافي الحديث بشكل حاد. وكما هو موثق بشكل جيد، كانت هاتان القضيتان ثمرة ناضحة لحملة دونالد ترامب القائمة على القومية الإثنية، وتحويل الحزب الجمهوري إلى حزب تحفزه رغبة بالحفاظ على صبغة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الأمريكية المسيحية البيضاء.

ومع أن البنية التحتية المؤسساتية لهذا الجهد قائمة أصلا، إلا أن الجمهوريين تحت حكم ترامب أجمعوا على الدفاع عن حكم البيض بشكل صريح.
وبالطبع، يقول الكاتب، فإن استغلال ما تبدو أنها مؤسسات ديمقراطية للحفاظ على حكم الأقلية، لا يختلف كثيرا عن أسلوب الحزب الوطني في جنوب أفريقيا لتحقيق الأمر ذاته؛ فالأخير استخدام أدوات تشريعية صريحة ،كان مفعولها حرمان الناخبين السود من التصويت بالقانون.

أما ترامب والحزب الجمهوري، فيستخدمون نظام المجمع الانتخابي ومجلس الشيوخ، اللذين يمنحان تمثيلا أكبر للمناطق للولايات النائية البيضاء، والمناطق التي يتم التلاعب بحدودها لتصغير قيمة أصوات الأقليات في المدن، بالإضافة لمجموعة من الإجراءات الأخرى لقمع صوت الأقلية.

وتشابه آخر هو حشد شبكات الكنائس المحافظة للترويج لسردية وأيقونات القومية الإثنية (القدر الذي يعد الأرض للبيض هنا، وللأفريقان في جنوب أفريقيا)، واستيعاب النخبة الثرية والطبقة الوسطى البيضاء عن طريق عائدات عالية على رأسمالهم، والتحريض على الخلافات العرقية في المؤسسات البارزة مثل الرياضة.


هذا التشابه الكبير، هو السبب الذي جعل أربع سنوات من حكم وسياسة ترامب في أمريكا تبدو كأنها عقدان من السياسة في جنوب أفريقيا، والسبب الذي يجعل أحداث الأسابيع الأخيرة تبدو كأنها مرحلة وفاة نظام الأبارثايد، ولكن بشكل متسارع جدا.


وكما انقسمت النخبة السياسية والاقتصادية في جنوب أفريقيا بشأن محاولات الحكومة قمع الحركة المناهضة للأبارثايد، شهدت الأيام العشرة الأخيرة تصدعات في الطبقة الحاكمة في أمريكا.

وقامت شخصيات بارزة في الجيش الأمريكي بتحدي وشجب جهود ترامب لقمع المتظاهرين، واتخذت قيادات في الحزب الجمهوري مواقف انشقاق عن حملته الانتخابية، ومزيد من الشركات الأمريكية والمؤسسات المالية أعربت عن دعمها للمتظاهرين، بالرغم من النهب والأضرار الاقتصادية.

والمثير هو، بحسب الكاتب، أن الرابطة الوطنية لكرة القدم عدلت عن معارضتها لمشاركة اللاعبين في الاحتجاج ضد وحشية الشرطة ضد السود، في تحد لترامب وصدى للخلافات التي وقعت في جنوب أفريقيا داخل نوادي الركبي البيضاء قبل 30 سنة.
ومثل جنوب أفريقيا قبلهم، يخشى الأمريكيون العنف وعدم الاستقرار مع اقتراب انتخابات 2020، ويخشى أن يتم تصوير الاشتباكات التي يشجعها البيت الأبيض بين المتظاهرين والشرطة، على أنها مواجهات بين “عصابات” و “وطنيين”، أو ديمقراطيين وجمهوريين، أو متعددي الثقافة مع الأمريكيين “الحقيقيين”، أو بين أشخاص يسعون لتغيير نظام ومن يريد الحفاظ على القانون والنظام.

وكون بعض المظاهرات كانت عنيفة، وأن الميليشيات اليمينة تحركت فعلا ضد الإجراءات الصحية العامة لاحتواء فيروس كورونا، سيصب الزيت على النار بكل تأكيد. وكذلك تهديدات ترامب المضحكة والخطيرة في الوقت نفسه، بأنه سيعلن أي نتائج سلبية للانتخابات بأنها نتيجة للتزوير ضده.

ويعتقد الكاتب أن هناك دروسا في التجربة الجنوب أفريقية؛ فبغض النظر عن سلسلة من عمليات القتل والتفجيرات والهجمات بتحريض من مجموعات الاستعلاء والمليشيات البيضاء، فإن الحرب العرقية التي كانت تخشى لم تحصل. وحتى مع أن البيض في جنوب أفريقيا كانوا على وشك خسارة احتكارهم للسلطة السياسية والعسكرية والاقتصادية، انتهى نظام الأبارثايد بسلام نسبي.

وكانت جنوب أفريقيا أول بلد قامت بتفكيك أسلحتها النووية، بينما كان معظم العنف السياسي الذي وقع خلال تغير النظام، وقع داخل المجموعات العرقية وليس بينها. 


للأسف لا تزال جنوب أفريقيا ما بعد الأبارثايد تعاني من عدم مساواة اقتصادية كبيرة ونسب جريمة عالية ونوبات اضطراب اجتماعي، ولكنها لم تنزلق إلى الحرب الأهلية وحافظت على الاستقرار السياسي والاقتصادي الأساسي، حتى وإن كان في ظروف أقل ازدهارا من تلك في أمريكا.


والجهد الحرج لاجتثاث العنصرية الممنهجة سيكون مؤلما وصعبا، ولكنها لن تحتاج إلى دستور جديد كما كان الحال في جنوب أفريقيا، ولا تعديل جذري للاقتصاد ولا حتى على شكل تعويضات. ومع أن المؤسسات الديمقراطية عانت تحت حكم ترامب، فإن الموت التاريخي لحكم البيض في أقدم ديمقراطية في العالم، التي تمتلك أكبر وأنشط اقتصاد، يعتبر هدية مهمة للمستقبل.
ويختم الكاتب بالقول: “أحيانا تشهد أسابيع أحداث عقود. مثل هذه الأسابيع التي تمر بها أمريكا اليوم. ويمكن لتجربة جنوب أفريقيا أن تساعد على رسم طريق لتجاوز الاضطرابات”.

بلال ياسين

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا