“قانون قيصر”.. والحرب المستمرة وحدة الاستهداف.. ووحدة المواجهة

566

في لقاء جمعنا كأمانة عامة للمؤتمر القومي العربي مع الرئيس بشار الأسد في أوائل تشرين الثاني/نوفمبر 2005، مع بداية انطلاق العاصفة الأمريكية ضد سورية ولبنان، بعد رفض الرئيسين الأسد ولحود “عرض الاستسلام” الذي قدّمه لهما وزير الخارجية الأمريكي آنذاك كولن باول، بعد احتلال العراق في نيسان/أبريل 2003، عدّد الرئيس الأسد أمام الحاضرين، وكانوا من معظم أقطار الأمّة العربية، من المحيط إلى الخليج، لأوجه الحرب التي ستتعرض لها سورية، ومعها لبنان، بسبب تمسكهما بخيار المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق، ورفضهما الانزلاق في برنامج تصفية القضية المركزية.بين أوجه تلك الحرب المتعددة، توقف الأسد أمام الحصار المحتمل على سورية (وبالمناسبة فهذا الحصار لم يتوقف منذ الخمسينيات ولو بأشكال متعددة)، وكان الرئيس بشار الأسد قد قال قبل هذا اللقاء بأيام كلمة له على مدرج جامعة دمشق “أن كلفة المواجهة مهما كانت تبقى أقل من كلفة الاستسلام” وبالفعل بدأت المواجهة وما زالت مستمرة، يدفع فيها الشعب السوري، والجيش السوري، وحلفاء سورية أثماناً باهظة مدركين أن البديل سيكون باهظاً أكثر، كما رأينا بعد احتلال العراق، وبعد غزوة الناتو لليبيا، وبعد ما يشهده اليمن من حروب عليه وحروب فيه، منذ خمس سنوات وأكثر..واليوم، ومع دخول “قانون قيصر” الأمريكي حيّز التطبيق، أتذكر تلك الجلسة، وأتذكر حجم الحرب التي شنها أعداء سورية عليها بذريعة إسقاط النظام، فإذا بالشعب “الذي يدعون حمايته” بهذا القانون، هو الذي يدفع الثمن باهظاً من حياته وممتلكاته وأمنه وسلامة اقتصاده ولقمة خبزه، ناهيك عن تشرد الملايين من أبنائه في جهات الأرض الأربع، وسط تنكر رهيب لهم ممن كان يفترض أن يكونوا رعاته بعد أن كانوا محرّضين على “الثورة”.بل بات السوريون، ومعهم أبناء الأمة كلها يتسألون هل أصبح العراق أفضل بعد احتلاله عام 2003، وهل أصبحت ليبيا أفضل بعد غزوة النيتو عام (2011)، وهل اليمن اليوم بحال أفضل مما كان عليه قبل عام (2011).إلاّ أن هذا “القانون” ذا الطبيعة “الإبادية” لشعب بأسره، قد كشف بالمقابل جملة حقائق ينبغي أن تبقى حاضرة في الأذهان، بل هو يحمل في طياته بذور تناقض بين أهدافه المعلنة ومخططاته، بل يكشف جملة وقائع تبدد كل مبررات وادعاءات القيمين عليه والمروجين له.أولاً: إن هذا القانون الفاقد لأي شرعية دولية، بعد فشل واشنطن ودول الناتو في جرّ مجلس الأمن إلى إصدار قرارات مشابهة بحق سورية، يتحول إلى “عدوان” من دولة كبرى على دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة، بل يكشف هشاشة ادعاءات واشنطن الدائمة بأنها حريصة على احترام القانون الدولي وتنفيذ إرادة المجتمع الدولي، حيث باتت تخالف في سورية، كما في بلدان عديدة، هذا القانون والميثاق الأممي الذي انبثق عنه هذا القانون، بل تظهر أن الإدارة الأمريكية تحترم المجتمع الدولي حين يكون هذا المجتمع منصاعاً لإرادتها، وتتنكر له حين برفض الانصياع لهذه الإرادة حين تتنافى مع سيادته واستقلاله ومصالحه..ثانياً: إن هذا القانون الذي يصدر باسم “حماية المدنيين في سورية” يصب مباشرة في زيادة معاناة الشعب السوري التي فاقت كل وصف، والتي تؤكّد أن الحرب على سورية قبل أن تكون حرباً على نظام أو رئيس أو حزب، هي حرب على الشعب السوري الذي وقف منذ الاستقلال عقبة كأداء في وجه كل المشاريع والأحلاف الاستعمارية، وكان حاضناً لإرادة المقاومة في الأمّة من محيطها إلى الخليج، وقاعدة لحركة التحرر العربي والعالمي.. تماماً كما اتضح من الحرب على العراق وليبيا واليمن، وقبلهما الجزائر بأن الهدف هو الشعب ومقدرات البلد أولاً وأخيراً.ثالثاً: إن هذا القانون ليس موجهاً ضد سورية وحدها، وإن كان عنوانه يوحي بذلك، بل ضد كل من له علاقة إيجابية بدمشق من دول المنطقة والعالم، بدءاً من لبنان والعراق وإيران وصولاً إلى روسيا والصين وفنزويلا وكوبا وكوريا الشمالية، وبل حتى إلى جنوب إفريقيا التي رفضت منذ بداية الحرب على سورية أن تنصاع للإملاءات الأمريكية، كما كان حال دول كثيرة وغيرها.رابعاً: إن هذا القانون الجائر يستهدف بشكل خاص لبنان مثلما يستهدف سورية، بل يستهدف إغلاق الباب أمام أي مشروع لإخراج لبنان من أزمته الاقتصادية والاجتماعية والمالية الكبرى عبر بناء اقتصاد منتج وذلك من خلال إقفال بوابته الوحيدة إلى العمق العربي والإقليمي المتمثلة بسورية.وما تزامن الحرب على العملة الوطنية في البلدين خلال الأيام الفائتة، والارتفاع غير المبرر لسعر صرف الدولار تجاه العملة الوطنية في البلدين، إلاّ طلائع هذه الحرب المزدوجة على سورية ولبنان معاً، وهي حرب تؤكّد وحدة المصير بين البلدين وأن ما يصيب أياً منهما يصيب الآخر، بل أنها حرب كشفت المروجين لسياسة (النأي بالنفس)، حين تجد بعضهم مصفقاً لهذا “القانون”، منحازاً بوضوح لواشنطن، وخلفها “تل أبيب”، بعد أن ملأ الدنيا صراخاً عن (النأي بالنفس)..ووحدة استهداف لبنان من خلال سورية، بل استهداف دول المنطقة كلها من خلال سورية، تتطلب وحدة المواجهة، فكلما تمردت دولة على هذا “القانون”، وهو قرار أمريكي أولاً وأخيراً، ولا يحظى بتغطية دولية، كلما تعطلت مفاعيله وتعزز التحرّر من الانصياع للإملاءات الخارجية..خامساً: لقد جاء هذا القانون في سياق التمهيد الأمريكي – الإسرائيلي لصفقة العار المسماة “بصفقة القرن” ولوليدها المشوه قانون “ضم الضفة الغربية والأغوار”، وقبلهما القدس والجولان، إلى الكيان الغاصب، لإضعاف سورية ولبنان، بعد فلسطين والأردن، كشرط من شروط انجاح هذه “الصفقة” التي لا تستهدف تصفية الحقوق الفلسطينية فحسب، بل توطين الفلسطينيين في الدول المضيفة، لاسيّما في لبنان والأردن وسورية، إذا لم يكن ممكناً تشريدهم في بلاد الله الواسعة..سادساً: إن هذا “القرار” الجائر، كعنوان صارخ لحرب اقتصادية على سورية ولبنان ودول المنطقة، هو استمرار لحروب اقتصادية متعددة عرفتها العديد من دول العالم، كبرى وصغرى، بعد أن فشلت واشنطن في فرض إملاءاتها عليها، بل أنه يكشف التناقض بين الترويج الأمريكي للتطبيع مع عدو العرب والمسلمين والتهديد الأمريكي بوجوب القطيعة مع بلد عربي كسورية..ورغم الأضرار الكبيرة التي الحقتها هذه العقوبات بدول مثل كوبا وفنزويلا وإيران وكوريا الشمالية وصولاً إلى روسيا والصين، إلاّ أنها لم تحقق نجاحاً يذكر، وكانت تضطر للجوء إلى حروب عسكرية لتحقيق أهدافها، كما رأينا في العراق بعد حصار دام 13 عاماً، وفي ليبيا بعد حصار استمر منذ تسعينيات القرن الفائت، وفي اليمن بعد فشل محاولات تقسيمه والانقضاض على شعبه، ناهيك عن الحروب الإسرائيلية على غزّة المحاصرة منذ عام 2007، وعلى لبنان المحاصر منذ تأسيسه بنظام طائفي فاسد قائم على المحسوبيات ومحمي من القوى الاستعمارية..لكن الأمر في سورية مختلف، فالحرب الاقتصادية لم تأت لتمهد لحرب عسكرية تتحقق فيها أهداف عجزت عن تحقيقها تلك الحرب، ولكن عناصر هذه الحرب غير متوفرة، في ضوء ما تشهده المنطقة والعالم من متغيرات فتأتي هذه الحرب الاقتصادية على سورية، لتستكمل حرباً عسكرية مستمرة عليها وفيها منذ تسعة أعوام دون أن تحقق أهدافها، بل ربما يمكن القول أن تلك الحرب جاءت بنتائج معاكسة أكثر، لم يدرك أبعادها ومخاطرها إلاّ الكيان الصهيوني الغاصب نفسه الذي بات يواجه جبهة ثالثة متحفزة لمقاومته بعد جبهتي فلسطين ولبنان.سابعاً: إن هذا القانون الأكثر وحشية بين القوانين الأمريكية المشابهة يأتي في ظروف تعيش فيها الولايات المتحدة الأمريكية الظرف الأكثر سوءاً في أوضاعها الداخلية، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كما في علاقاتها الخارجية حيث تتسع دائرة التململ منها، وحتى التمرد، عليها بين دول عديدة في العالم وبعضها كان من أكثر أصدقاء واشنطن قرباً.ثامناً: إن قانون قيصر لا يختلف في أهدافه واساليبه، عن قوانين وأحلاف ومشاريع واتفاقات مماثلة عرفتها سورية وبلدان الوطن العربي، بدءاً من حلف بغداد الشهير (1954) ومشروع إيزنهاور الذي ارادت واشنطن من خلاله ملء الفراغ الذي خلفه هزيمة الإمبراطوريتين الإنكليزية والفرنسية عام 1956 على مصر بقيادة جمال عبد الناصر عام 1957، إلى الانفصال في الوحدة المصرية – السورية عام 1961، إلى مشروع جونسون لتوطين اللاجئين الفلسطينيين عام 1961، إلى حرب اليمن عام 1962، إلى الحلف الإسلامي 1965، إلى حرب حزيران عام 1967، إلى “الدفرسوار” في مصر عام 1973، إلى الحرب اللبنانية عام 1975، إلى كمب دايفيد عام 1979، إلى الحرب العراقية – الإيرانية عام 1981، إلى الحرب على لبنان عام 1982، واتفاق 17 أيار في لبنان عام 1983، إلى العشرية الدامية في الجزائر عام 1991، إلى اتفاق أوسلو عام 1993، إلى اتفاق وادي عربة عام 1994، إلى حصار العراق واحتلاله (1990 – 2003)، إلى حرب تموز في لبنان عام 2006، إلى تقسيم السودان عام 2010، إلى العديد من الحروب والانفجارات التي رافقت ما يسمى بالربيع العربي خصوصاً تلك التي استهدفت مصر واستقرارها وجيشها، وليبيا ووحدتها، واليمن وشعبه وثورته الجمهورية التحررية.وإذا كانت تلك الحروب قد شُنّت، والاتفاقات قد عُقِدت، لصالح المشروع الأمريكي – الصهيوني في ظلّ ظروف إقليمية ودولية مؤاتية لصالح هذا المشروع، فأن أحداً لا يستطيع أن ينكر أن الظروف الراهنة قد تبدلت بشكل واضح، وأن ما كان سهلاً على واشنطن وتل أبيب والقوى الاستعمارية تحقيقه في بدايات هذا القرن، لم يعد سهلاً تحقيقه مع دخول القرن عقده الثالث، لاسيّما مع تبلور حركة مقاومة لم تعد محصورة ببلد واحد، بل باتت مدعومة من أطراف لها وزنها على الصعيد الدولي..ولن يكون مصير “قانون قيصر” مختلفاً عن مصير أمثاله من قوانين واتفاقات وأحلاف ومشاريع أجهزت عليها إرادة الأمّة.. تماماً كما لن يكون مصير “صفقة العار” المسماة صفقة القرن، ولا قرارات الضم للضفة والأغوار، بعد ضم القدس والجولان، بأفضل من مصير كل قرار مناقض للحق العربي ولإرادة الأمّة المعبّرة عن هذا الحق..

معن بشور

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا