لمنع الحرب الأمريكية-الإيرانية، عراق على طريقة فنلندا

625

المصدر : ألبيرت ب. وولف

     مع احتدام جائحة فيروس كورونا في جميع أنحاء العالم لا يزال الأمريكيون منقسمين بشأن إعادة فتح الاقتصاد، ويبدو المشرعون في الولايات المتحدة متحدين بشأن قضية واحدة وهي: توافق الأغلبية الساحقة من الحزبين في مجلس النواب على أن حظر الأسلحة التقليدية على إيران يجب تجديده في شهر أكتوبر مع قرب انتهاء العمل به.

      وفي حين أنه لا يوجد جدال في أن إيران تدعم الإرهاب ويجب أن يتم تقليص قُدرتها على الوصول إلى الأسلحة التقليدية، فإن ما يسمى بحملة الضغط الأقصى لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد تنطوي على خطر أكبر: يمكن للولايات المتحدة أن تتورط في حرب أخرى من اختيارها في الشرق الأوسط.

      ومن خلال ممارسة الضغط، ودعم تغيير النظام، والعمل على قطع وصول النظام إلى الموارد من دون تقديم حوافز أو إشارات إيجابية على أن الامتثال سيكافأ من قبل الولايات المتحدة، هناك فرصة أكبر لانتقام إيراني من خلال مهاجمة القوات الأميركية بشكل مباشر كالانتقام الذي جاء في الأشهر التي تلت اغتيال قاسم سليماني أو التصعيد غير المقصود مثل ما حدث الشهر الماضي عندما اقتربت زوارق سريعة إيرانية من سفن حربية أميركية في الخليج” والذي رد عليه ترامب بتغريده أمر فيها بإسقاط وتدمير أي سفن إيرانية تتحرش بالسفن الأميركية.

      يمكن للولايات المتحدة وإيران أن تتجنب مثل هذه المواجهات التي يمكن أن تتحول بسهولة إلى حرب، من خلال الموافقة على “فنلندة” العراق. سيصبح العراق دولة محايدة، مثل فنلندا خلال الحرب الباردة –  وسيكون “مجال ضبط النفس” ولن يكون بمثابة ساحة للتنافس على النفوذ ، ولن يحاول الهيمنة على الآخرين كما فعل في عهد الرئيس العراقي السابق صدام حسين.

     ومن المُرجح أن إدارة ترامب تخشى أن توزع إيران أسلحة جديدة على وكلائها في العراق وسوريا ولبنان وأن تعيد تسليح نفسها مع استئناف برنامجها للأسلحة الذرية. إن إيران النووية ذات الأسلحة التقليدية المسلحة جيداً يمكن أن تكون غير قابلة للإيقاف في سعيها للسيطرة على الشرق الأوسط. ومع ذلك، فقد ضعف الاقتصاد الإيراني بسبب العقوبات وانخفاض أسعار النفط. وحتى لو تم رفع الحظر، فإن إيران لا تستطيع تحمل شراء أطنان من الأسلحة الجديدة. وعلاوة على ذلك، فإن إيران ليست بعيدة عن امتلاك سلاح نووي فحسب، بل إنها، كما يتضح من إطلاقها صاروخ للفضاء مؤخراً، إنَّها لا تملك حالياً القدرة على ربط رأس حربي نووي بصاروخ باليستي أيضاً.

      ولسنواتٍ عديدة كانت العلاقات الأمريكية-الأمريكية سيئة، لكن التوترات بدأت تتصاعد بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي في مايو 2018، وتبني ترامب لـ ما يُعرف بـ “سياسة الضغط الأقصى”. ولقد تفاقمت التوترات بعد اغتيال الولايات المتحدة لسليماني في أوائل يناير 2020. الأمر الذي فتح الباب لتصعيد كبير بين القوات الأمريكية والميليشيات المدعومة من إيران في العراق.

     إن أفضل طريقة لتخفيف حدة التوترات الآن هي “فنلندا” في العراق. إذ بعد وقت قصير من بدء الحرب العالمية الثانية، طالب الاتحاد السوفييتي فنلندا بالتنازل عن مساحة كبيرة من أراضيها لحماية لينينغراد. ومع ذلك، رفض الفنلنديون وفضلوا القتال بدلاً من الاستسلام. حيثُ غزا السوفييت فنلندا في ما أصبح يعرف باسم حرب الشتاء.

       وهو النزاع الذي استمر لأكثر من ثلاثة أشهر، تكبد خلاله الغزاة خسائر بشرية كبيرة، كما قاموا بتخفيض مطالبهم بشكل كبير على طاولة مفاوضات السلام في 1940 وفي 1948، تم تدشين كلمة “فنلندة” “Finlandization” والتي توصف بـ “الحياد النشط والمبدئي”. واتفق الفنلنديون والسوفيات على أن فنلندا لن تنضم إلى أي تحالف مع قوة معادية لموسكو، في مقابل احترام السوفيات استقلال فنلندا. وبموجب ذلك الترتيب، تجنبت فنلندا أن تصبح دولة دمية، بينما تجنب السوفيات وجود جار معاد لهم.

       وبالمثل، توصلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبريطانيا وفرنسا إلى ترتيب مماثل عندما اتفقت على الانسحاب من النمسا في معاهدة الدولة النمساوية عام 1955. وقال الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف في ذلك الوقت، “هل هناك أي دليل أقوى ضروري ليبين أن الاتحاد السوفياتي لا يريد الاستيلاء على أوروبا أو لمواصلة أي نوع من الحرب؟ … من سيقف بوجهه إذا أراد الهجوم؟ ” وبعد وقت قصير من مغادرة آخر قوات الحلفاء النمسا في أكتوبر 1955، أصدر البرلمان النمساوي إجراءً يعلن حياد البلاد.

      وبعبارة أخرى، يمكن للولايات المتحدة وإيران الاتفاق على معاملة العراق على أنه “مجال ضبط النفس” أو منطقة محايدة، مثلما اتفقت الولايات المتحدة والحكومات السوفيتية على معاملة دول مثل فنلندا والنمسا خلال الحرب الباردة. وقد نجحت هذه الترتيبات بشكل جيد في تلك البلدان، وكذلك في سويسرا والسويد. ولقد اقترح الباحثين تطبيق اتفاقيات مماثلة في أماكن مثل تايوان وأوروبا الشرقية والقوقاز.

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا