رسالة للسفير الأمريكي بإسرائيل.. الفلسطينيون لن يكونوا كنديين!

369

المصدر : منصور ابو كريم

قبل أيام قال السفير الأمريكي في إسرائيل ديفيد فريدمان في مقابلة أجرتها معه صحيفة “يسرائيل هيوم” اليمينية، أن قيام دولة فلسطينية كهذه “سيتم عندما يتحول الفلسطينيون إلى كنديين”. وعندما يتحولون إلى كنديين، “فإن جميع المشاكل ستختفي”. وقال أيضًا إن الولايات المتحدة “مستعدة للاعتراف بسيادة إسرائيل على غور الأردن والمستوطنات الإسرائيلية في الضفة” إذا قررت تل أبيب المضي قدمًا في خططها لضم هذه المناطق في الأسابيع القادمة. وطرح فريدمان ثلاثة شروط لاعتراف الولايات المتحدة بسيادة إسرائيل على هذه المناطق وهي إتمام اللجنة أمريكية إسرائيلية المشتركة عملها لرسم خرائط الضم، وتجميد إسرائيل توسيع نطاق استيطانها في المناطق غير المخصصة لها ضمن منطقة C في الضفة الغربية، وكذلك موافقة نتنياهو على التفاوض مع الفلسطينيين على أساس الخطة الأمريكية.

من هو ديفيد فريدمان

(David Melech Friedman)‏ هو سفير الولايات المتحدة إسرائيل، اشتغل بالمحاماة في قضايا الإفلاس. في العام 1994 انضم لشركة المحاماة مازوفيتس وينسون وتورس وفريدمان، وعندها تعرف على الرئيس دونالد ترامب كان يرأس مجموعة ترامب العقارية. عمل فريدمان مستشارًا لترامب خلال حملته الرئاسية الناجحة. في ديسمبر 2016، أعلن الفريق الانتقالي للرئيس المنتخب دونالد ترامب ترشيح ديفيد فريدمان لمنصب سفيرًا الولايات المتحدة في إسرائيل. أثار تعين فريدمان تأييد اللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة، بينما عارضته الجماعات والمنظمات الليبرالية وعلى رأسها منظمة جي ستريت، المعارضة للسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية. حصل السفير فريدمان في عام 1978على شهادة البكالوريوس من جامعة كولومبيا في نيويورك وفي العام 1981 حصل على درجة الدكتوراه في القانون من كلية الحقوق بجامعة نيويورك.

ماذا يعني تحوّل الفلسطينيين لكنديين؟

التصريح الذي أدلى به السفير الأمريكي أثار استغراب كثير من المتابعين، فمعظم الأصدقاء استغربوا هذا التصريح، ولم يفهموا ماذا كان يقصد بالضبط السفير الأمريكي فريدمان من فكرة تحول الفلسطينيين لكنديين؟ كندا دولة تعتبر ظّل للولايات المتحدة الأمريكية، عملتها الدولار الكندي، ليس بينها وبين الولايات المتحدة حدود مادية، هناك إشارات للحدود فقط، الاقتصاد الكندي مرتبط بالاقتصاد الأمريكي، هناك سهولة في حركة البضائع والأفراد بين البلدين.

في بداية الحرب العالمية الثانية كانت الولايات المتحدة تساند الحلفاء بطريقة غير مباشرة في الحرب، الطائرات الامريكية كانت تقلع مع المطارات الكندية، وتم إنشاء مطارات عسكرية على الحدود بين البلدين، بركس الطائرات كان في الأراضي الأمريكية ومهبط الطائرات في الأراضي الكندي، لذلك كان إقلاع وهبوط الطائرات العسكرية الأمريكية لمساندة الحلفاء ضد دول المحور كان يتم من الأراضي الكندية لعدم إعطاء انطباع أن واشنطن تشارك في الحرب، لكن اكتشاف هذه الخدعة جعل اليابان تقصف ميناء بيرل هاربور الأمريكي في 30 تشرين الأول 1941، وبعدها أعلنت الولايات المتحدة رسميًا دخول الحرب، وهو الأمر الذي مثل نقطة تحوّل كبيرة مسار الحرب.

الولايات المتحدة هي أكبر شريك تجارى لكندا، إذ تذهب إليها ثلاثة أرباع الصادرات الكندية، كما أن حجم التبادل التجاري بين البلديْن، والبالغ 841 مليار دولار سنويًا، هو الأكبر بين أي بلديْن حول العالم. وفى 2017 مثلاً بلغت قيمة التبادلات التجارية من السلع والخدمات بين الولايات المتحدة وكندا 673.9 مليار دولار، مع تسجيل فائض لمصلحة واشنطن 8.4 مليار دولار، بحسب مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة. وتعتبر الولايات المتحدة المقصد السياحي الأول لتمضية العطل بالنسبة للكنديين الذين أجروا 42 مليون رحلة في 2017 إلى الأراضي الأمريكية.

وترتبط معظم المدن الكندية باتفاقيات توأمة مع المدن الأمريكية، مثل ترتبط مدينة شيكاغو مع مدينة تورينتو باتفاقية توأمة منذ العام 1991، وترتبط مدينة نيوبورت مه انت جون باتفاقية توأمة، وبين البلدين منظمات دولية مشتركة كثيرة، على المستويات السياسية والاقتصادية، مثل اتفاقية “نافتا NAFTA”، كما أن السياسة الخارجية الكندية منسجمة إلى حدٍ بعيد مع السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة في القضايا التي تتعلق بمنطقة الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية.

ما كان يعنيه السيد فريدمان هو تحوّل الشعب الفلسطيني إلى ظّل للاحتلال، وأن يقبل بالوضع القائم، وضع استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية بأي شكل من الأشكال على المدى القريب والبعيد، وأن يكون المجتمع الفلسطيني مجرد تابع للمجتمع الإسرائيلي، على المستويات الثقافية والسياسية، سواء في سياساته الداخلية أو الخارجية، من أجل قيام دولة فلسطينية، مفروغة من مضمونها السياسي والأخلاقي، في إطار صفقة القرن.

الشعب الفلسطيني الذي قلب المعادلة بانتفاضة الحجارة عام 1987، وانتفاضة الأقصى عام 2000، وهبات القدس والأقصى عام 2015، قادر من جديد على قلب المعادلة الظالمة
رسالة للسفير الأمريكي

فريدمان كممثل لأتباع اليمين الديني الأمريكي والإسرائيلي؛ يردون من الشعب الفلسطيني أن يتخلى عن هويته الوطنية والسياسية، والذوبان في الدولة الإسرائيلية، والقبول بفكرة “الخدمّ” لدى الاحتلال الإسرائيلي، في إطار مواطنة من الدرجة الثانية والثالثة ضمن رؤية نتنياهو وكتلة اليمين الحاكم في إسرائيل للسلام الاقتصادي، والتخلي عن فكرة الدولة والمستقلة والسيادة، لذلك خطة صفقة القرن المزعومة التي أشرف عليها السيد فريدمان جعلت الأراضي الفلسطينية بمثابة جزر معزولة في الدولة الإسرائيلية. لا حدود، لا سيادة، لا رموز وطنية، والمطلوب من الشعب الفلسطيني القبول بالوضع الحالي.

حديث السيد فريدمان جاء في سياق التحضير الأمريكي والإسرائيلي لتطبيق مشروع ضم غور الأردن والكتل الاستيطانية الكبرى، تنفيذّا لرؤية ترامب التي أعلن عنها في 28 من يناير 2020. وترتبط الصفقة الكبرى التي أعلن عنها الرئيس ترامب في بداية العام 2020، والتي تعرف بصفقة العصر؛ بالسعي للوصول لثلاث أهداف رئيسية:

• استكمال بناء الدولة العبرية اليهودية الكبرى، التي تمتد من نهر الأردن للبحر المتوسط، وتضم كافة أراضي الضفة الغربية بما فيها القدس الوحدة كعاصمة لها.

• تصفية ما تبقى من كيان فلسطيني في الضفة الغربية والقدس الشرقية، ودمج ما يمكن دمجه في دولة الأردن، وما يتبقى يمكن دمجهم في المجتمع الإسرائيلي، مع إعطائهم بعض الحقوق المدنية المحلية البسيطة.

• الهدف الثالث، بقاء قطاع غزة بعيدّا مركز التأثير الفلسطيني في سياق الانقسام، حيث لا يمثل قطاع غزة أهمية استراتيجية بالنسبة لإسرائيل، لكن تنظر إسرائيل للقطاع باعتباره يمثل مصدر تهديد في ظل القنبلة الديمغرافية التي يمكن أن تفجر في أي لحظة.

   

التحوّلات الاستراتيجية في الموقف الأميركي تجاه القضية الفلسطينية وأسس عملية السلام، وفق المقاربة الأميركية الجديدة التي تقوم على أساس مأسسة الوضع القائم الذي استطاعت إسرائيل تثبيته خلال فترة احتلالها للأرض الفلسطينية منذ عام 1967م وحتى الآن، تجعل من الولايات المتحدة الأميركية شريك لإسرائيل في احتلالها للأرض الفلسطينية وليس وسيطًا لعملية السلام، الأمر الذي يفرض على الشعب الفلسطيني بكل قواه وقيادته العديد من التحديات المصيرية في مواجهة هذا التحوّل والتغول في الموقف الأميركي تجاه حقوقنا ومكتسبتنا الوطنية.

رسالتي للسيد فريدمان وأمثاله من أتباع اليمين الديني والقومي في ذكري نكبة الشعب الفلسطيني التي مر عليها أكثر من 72 عام؛ أن شعب عز الدين القسام، وياسر عرفات وأحمد ياسين، وفتحي الشقاقي، ومروان البرغوثي لن يستسلم ولن يتحوّل إلى كنديين، أو هنود حمّر جدد. الشعب الفلسطيني الذي قام بالعديد من ثورات وهبات النضال الشعبي منذ ثورة عام 1919، مرورًا بثورة 1936، وخاض معركة الكرامة للاستعادة جزء من هيبة المقاتل العربي عام 1968، وشارك في حرب أكتوبر المجيدة، وصمّد في معركة بيروت لمدة 88 يوم عام 1982 ولم يستسلم، قادرًا على الصمود والاستمرار عشرات السنوات القادمة رغم تحديات الواقع الصعب الذي يفرضه الاحتلال والموقف الأمريكي.

الشعب الفلسطيني الذي قلب المعادلة بانتفاضة الحجارة عام 1987، وانتفاضة الأقصى عام 2000، وهبات القدس والأقصى عام 2015، قادر من جديد على قلب المعادلة الظالمة. صحيح الواقع الدولي والإقليمي والعربي ليس في صالح الشعب الفلسطيني، فالولايات المتحدة تعتبر القوة العظمى الوحيدة في العالم، وصحيح أن الدول العربية مشغولة في قضاياها الداخلية، في ظل تحديات الوضع الأمني والاجتماعي والاقتصادي، سواء الناتجة عن جائحة كورونا أو المتعلقة بتحديات سوء الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وصحيح أن أوروبا تقف عاجزة عن فعل شيء في مواجهة التعنت الإسرائيلي والتحوّل الاستراتيجي في المواقف الأمريكية؛ إلا أن هذا لا يعني الشعب الفلسطيني سوف يعلن الاستسلام وأنّ يتحول لكنديين أو هنود حمّر جدد، فالشعب الفلسطيني رغم كل التحديات الداخلية والخارجية ما زال متمسك بأرض أبنائه وأجداده، يعيش ويتكاثر عليها، رغم صعوبة الأوضاع.

على السيد فريدمان أن يعلم أن الشعب الفلسطيني لن يتحوّل لكنديين مع كامل احترامي للشعب الكندي ونظامه السياسي، ولن يكونوا هنود حمّر جدد في يوم من الأيام، الشعب الفلسطيني باقي في أرضه وأنتم والاحتلال الراحلون والزائلون. شعب يناضل من 100 عام وما زال؛ لم ولن يستسلم يا سيد فريدمان.

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا