الاقتصاد العالمي بين فكي جانحة كوفيد 19 وحرب أسعار النفط.. هل أنقذ اتفاق أوبك+ صناعة النفط الأمريكية من موت كامل؟

524

المصدر : عمر نجيب

 الغموض والالتباس والتفاؤل الحذر المتصادم مع التشاؤم ربما يكون أفضل توصيف لوضع السوق الدولية للنفط مع بداية الثلث الثاني من شهر أبريل 2020، وذلك بعد المحادثات التي صبغها التوتر والمشحونة بالتهديدات سواء بين أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط اوبك والدول المتعاونة معها وعلى رأسها روسيا، أو بين وزراء طاقة مجموعة العشرين.

 المفاوضات الصعبة لأوبك زائد من جهة، ومجموعة العشرين من جانب آخر، خرجت بتوصيات يحب البعض وصفها بالقرارات، حملت في طياتها فخاخا عديدة وثغرات يمكن أن تقود إلى العودة إلى نقطة الصفر.

 بعد اجتماع أوبك زائد يوم الخميس 9 أبريل صدرت تفسيرات متنوعة بعضها متقاطع والآخر متضارب حول حجم تخفيضات الانتاج النفطي، البعض تحدث عن 10 ملايين برميل يوميا والبعض الآخر وضع رقم 15 مليون برميل. عدد من المسؤولين في دول اوبك أكدوا أن دولا خارج المجموعة والمتعاونين معها يجب أن يشاركوا في خفض الانتاج وكانوا يعنون بذلك الولايات المتحدة التي أصبحت في السنوات الأخيرة أكبر منتج عالمي للنفط. البعض قال أن خفض الانتاج المشترك سيتم على مراحل ستة أشهر أو سنة والبعض تحدث عن عامين. وزراء نفط أكدوا بعد اجتماع أوبك ان تنفيذ الاتفاق على الخفض مرهون بإنتهاء إعتراض المكسيك على حجم الخفض المطلوب منها تطبيقه. في واشنطن صدرت تصريحات ومواقف متضاربة حول تلبية البيت الابيض لمطالب أوبك بالمشاركة في خفض الانتاج، مسؤولة في إدارة الرئيس ترامب أكدت أنه بموجب قوانين حظر الاحتكار الأمريكية لا يمكن للشركات الأمريكية خفض الانتاج بهدف التحكم في الاسعار، بعدها جاء مسؤول آخر ليقدم مخرجا حيث قال أنه يمكن للرئيس أن يطلب من الشركات خفض الانتاج لمصلحة الامن القومي وبذلك يتجاوز عقدة قوانين محاربة الاحتكار. وسط هذا الجدل عاد الرئيس ترامب ليهدد بفرض ضرائب ضخمة على النفط إذا لم تتفق الرياض وموسكو على لجم حجم الانتاج، ثم ذهب سيد البيت الأبيض أبعد من ذلك ولوح بفرض عقوبات على من يرفض خفض الانتاج، ولمح أعضاء في الادارة الأمريكية إلى امكانية تجميد الاستثمارات والاموال السعودية والاماراتية الموجودة في الولايات المتحدة. وفي خطوة لدعم وتنويع تهديدات ترامب قدم السناتور بيل كاسيدي وهو من ولاية لويزيانا المنتجة للنفط والعضو الجمهوري في مجلس الشيوخ الأمريكي مشروع قانون يوم الخميس 9 أبريل لسحب القوات الأمريكية من السعودية بعد 30 يوما من الموافقة عليه، أي أسرع بشهر كامل من مشروع قانون مماثل قدمه عضوان جمهوريان آخران في مارس، ليزيد بذلك الضغط على الرياض من أجل تغيير اتجاه الهبوط في أسعار النفط الذي أضر بشركات الطاقة الأمريكية.

 يذكر أنه في يناير 2020 كان للولايات المتحدة 2500 عسكري في السعودية. وكانت واشنطن قد أرسلت في أكتوبر 2019 نحو ثلاثة آلاف جندي هناك في وقت شهد تصاعدا في حدة التوتر مع إيران.

 عاصفة التصريحات والتهديدات الأمريكية التي لم تلق ردا علنيا من خارج أراضيها كشفت عن حرص الرئيس ترامب على الحفاظ على مركز بلاده كأكبر منتج عالمي للنفط وخفض حجم الخسائر التي تهدد صناعة النفط الامريكية وخاصة الصخري، والتي لا يمكن أن تستمر سوى إذا فاق سعر برميل النفط 45 دولارا.

 المشكلة الحقيقية في كل هذه المتاهة من التصريحات والتهديدات والاتفاقيات حول اسعار وإنتاج النفط، كانت أن جانحة كوفيد 19 التي ضربت العالم قد خفضت الاستهلاك النفطي العالمي بما بين 20 و 24 مليون برميل يوميا والرقم مرشح للإرتفاع، وهكذا فإن خفضا ب 10 أو 15 مليون برميل يوميا لن تنفع في اعادة الاسعار إلى مستويات 45 دولارا للبرميل.

 الامر الآخر والذي لا يتناوله بالبحث إلا أقلية من المحللين والساسة، هو أن السعر النفطي الذي يناضل من أجله ساسة واشنطن وعدد آخر من الدول لن يكون في صالح غالبية دول العالم الثالث التي تضررت بدرجات متفاوتة من جانحة كوفيد والتي سيساعدها سعر منخفض للنفط خلال الأشهر القادمة بعد أن تخمد نار الجانحة، على إعادة تنشيط إقتصادها وتعويض جزء من الخسائر التي تكبدتها.

 

ملتزمون

 يوم السبت 11 أبريل 2020 أكد وزراء الطاقة في دول مجموعة العشرين في بيان بعد مفاوضات طويلة التزامهم التعاون لمكافحة فيروس كورونا المستجد و”اتخاذ كل الإجراءات الضرورية والفورية” لضمان استقرار أسواق النفط، لكنهم لم يشيروا إلى أي اتفاق على خفض لإنتاج الخام.

وقال الوزراء في البيان المشترك “نلتزم بضمان أن يستمر قطاع الطاقة في تقديم مساهمة كاملة وفعالة للتغلب على كوفيد 19 وتعزيز الانتعاش العالمي اللاحق”.

وعقد الوزراء اجتماعهم عبر الفيديو بعد أن أعلنت دول منظمة البلدان المصدرة للنفط “اوبك” وحلفاؤها صباح الجمعة أنها توصلت إلى اتفاق لخفض العرض العالمي بمقدار عشرة ملايين برميل يوميا في مايو ويونيو.

وتم التوصل إلى هذا التفاهم في اجتماع للدول الكبرى المنتجة للنفط وبينها روسيا غير العضو في أوبك لكنها ثاني منتج عالمي وتقود شركاء الكارتل.

لكن المكسيك وهي أيضا ليست عضوا في أوبك، لم تعلن موافقتها على الاتفاق وهو أمر لا بد منه لإبرامه خلال الاجتماع. وقد رأت مكسيكو أن الجهد المطلوب منها خفض بمقدار 400 ألف برميل يوميا مبالغ فيه بالمقارنة مع دول أخرى.

بعد ساعات، أعلن الرئيس المكسيكي أندريس مانويل لوبيز أوبرادور أنه توصل إلى اتفاق مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب على خفض إنتاج المكسيك.

وأوضح أن المكسيك ستخفض مئة ألف برميل يوميا من إنتاجها والولايات المتحدة ستقوم بتخفيض 250 ألف برميل يوميا تضاف إلى تعهداتها السابقة، للتعويض عن حصة المكسيك.

وأكد الرئيس الأمريكي بعد ذلك أن الولايات المتحدة وافقت على مساعدة المكسيك على تنفيذ حصتها من الخفض. وقال ترامب “نوافق على خفض الإنتاج وهم يوافقون على أن يفعلوا شيئا ما للتعويض عن ذلك في المستقبل”.

لكن هذا الاتفاق الأمريكي المكسيكي لم يسمح بالتوصل إلى قرار بخفض الإنتاج خلال مناقشات وزراء الطاقة في دول مجموعة العشرين.

وفي هذا الإطار، صرح ممثل كندا في الاجتماع سيموس أوريغن وزير الموارد الطبيعية، إن وزراء الطاقة “لم يناقشوا أرقاما”. وقال في مؤتمر صحافي هاتفي إن “مناقشات اليوم تناولت حلا متعدد الأطراف لتسوية مشكلة تقلب” الأسعار. وأضاف “لم نناقش أرقاما، لم يكن الأمر يتعلق بأرقام”.

وتابع “في هذه المرحلة كان الأمر يتعلق فعليا بمناقشة سياسة والتزام جماعي لاستخدام كل الأدوات المتوفرة لتحسين الاستقرار”، موضحا أنه “أنشأنا مجموعة عمل ستكلف تأمين عناصر منسقة للرد وتقدم تقرير بشأنها”. وقال إن هذه المجموعة ستجتمع “قريبا”.

وعبر المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول عن أمله في أن يؤدي الاجتماع إلى “استقرار ضروري جدا في الأسواق النفطية”. وقال إن “التقلبات الكبيرة التي تلاحظ في الأسواق تضر بالاقتصاد العالمي في وقت لا يمكننا أن نسمح لأنفسنا بذلك”.

المتفائلون

 صرح محللون نفطيون لعدة منابر اعلامية، إن جميع المنتجين أدركوا أنهم في قارب واحد وأن الاقتصاد العالمي على شفا موجة ركود وانكماش غير مسبوقة في التاريخ ولذا تطلب الأمر تضافر الجهود للحد من المعروض النفطي وإعطاء دفعة للأسعار لوقف نزيف الخسائر الفادحة المتتالية.

 ماركوس كروج كبير محللي “إيه كنترول” لأبحاث النفط والغاز، ذكر أن خفض عشرة ملايين برميل يوميا من المعروض العالمي لشهرين، إنجاز غير مسبوق ويعكس تضامن المنتجين واستشعارهم جميعا بالخطر وأن قاطرة الاقتصاد العالمي يجب أن تتعافى سريعا من الأزمة الراهنة وتواصل طريقها.

من ناحيتها، صرحت ين بيتش المحللة الفيتنامية والباحثة في شؤون الطاقة، أن الاتفاق يجب أن يرى النور بعد حل عقدة المكسيك لأن أي تعثر أو تهاون ستكون فاتورته الاقتصادية باهظة للغاية.

فيما رأت إكسوي ساهو المحللة الصينية، أن انهيار الاستهلاك العالمي من النفط الخام من جراء جائحة كورونا كان يتطلب بالفعل تدخلا سريعا لرأب الصدع في علاقة العرض والطلب ومنع نمو المخزونات من الوصول سريعا إلى مرحلة التشبع الكامل وهو ما يؤدي إلى انعكاسات سلبية واسعة على الصناعة.

وفي السياق ذاته، ذكر تقرير منظمة الدول المصدرة للبترول “أوبك”، أن الاجتماع الوزاري الاستثنائي التاسع عن بعد عقد برئاسة الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة والرئيس المشارك ألكسندر نوفاك وزير الطاقة الروسي، بحضور الأرجنتين وكولومبيا وإكوادور ومصر وإندونيسيا والنرويج وترينيداد وتوباغو ومنتدى الطاقة الدولي كمراقبين.

وأشار التقرير إلى أن دول “أوبك” والدول المنتجة للنفط من خارجها، شددت على التزامها المستمر بإعلان التعاون وتحقيق استقرار سوق نفط بشكل مستقر بما يعزز المصالح المتبادلة للدول المنتجة ويحقق الكفاءة ويؤمن العرض للمستهلكين إلى جانب توفير عائد عادل على رأس المال المستثمر.

وذكر أنه في ضوء الأساسيات الحالية وآفاق السوق التوافقية، اتفقت الدول المشاركة على استمرار العمل بإعلان التعاون الموقع في العاشر من ديسمبر 2016 وأقرته كذلك في الاجتماعات اللاحقة وكذلك ميثاق التعاون الموقع في 2 يوليو 2019 حيث تم التوافق على خفض الإنتاج الإجمالي من النفط بمقدار عشرة ملايين برميل يوميا ابتداء من أول مايو لشهرين، ثم خفض في فترة لاحقة على مدى النصف الثاني من العام بنحو ثمانية ملايين برميل يوميا، وسيتبع ذلك خفض ستة ملايين برميل يوميا لمدة 16 شهرا من الأول من يناير 2021 حتى 30 أبريل 2022.

وأوضح أن خط الأساس لحساب التعديلات هو إنتاج النفط في أكتوبر 2018 باستثناء السعودية وروسيا وكلاهما بمستوى خط الأساس نفسه، الذي يبلغ 11 مليون برميل يوميا حيث ستكون الاتفاقية سارية حتى 30 أبريل 2022، ومع ذلك ستتم مراجعة تمديد هذه الاتفاقية خلال ديسمبر 2021.

ودعا التقرير جميع المنتجين الرئيسين للمساهمة في الجهود الرامية إلى استقرار السوق مشيرا إلى إعادة تأكيد وتمديد تفويض لجنة المراقبة الوزارية المشتركة من أجل المراجعة الدقيقة لمستويات إنتاج النفط.

الحقائق

 وذكر التقرير، أن تأثير جانحة كوفيد 19 في سوق النفط غير مسبوق لافتا إلى أن تدمير الطلب النفطي حدث على نطاق واسع ونتج عنه اختلال التوازن بين العرض والطلب ما تسبب في سرعة ملء سعة التخزين العالمية بسرعة وفرض إغلاق الإنتاج منوها إلى أن الأثر السلبي في عائدات الدول المصدرة للنفط ضخم. وعد التقرير أن سوق النفط في حالة من السقوط الحر غير المستدام.

وهبطت توقعات نمو العرض من خارج “أوبك” في 2020 بأكثر من 1.5 مليون برميل يوميا، كما انخفضت سلة “أوبك” المرجعية من 52.7 دولار للبرميل في مارس 2020 إلى أقل من 20 دولارا للبرميل أوائل أبريل بانخفاض بنحو 70 في المائة.

وحذر التقرير نقلا عن باركيندو بأن سعة التخزين المتاحة تمتلئ بسرعة منوها إلى أن تقييم أمانة “أوبك” لقدرة تخزين النفط العالمية المتاحة يتجاوز مليار برميل وبالنظر إلى اختلال التوازن الحالي للعرض والطلب غير المسبوق يمكن أن يكون هناك حجم فائض هائل يبلغ 14.7 مليون برميل يوميا في الربع الثاني من العام الجاري إذ سيضيف هذا العرض الزائد 1.3 مليار برميل أخرى إلى مخزونات النفط العالمية وبالتالي استنفاد الطاقة التخزينية العالمية المتاحة الخام خلال شهر مايو.

وأشاد التقرير بحرص المنتجين في “أوبك” وخارجها على الانضمام للاجتماع استشعارا بالمسؤولية الخطيرة والجميع يتذكر الخلل الشديد في السوق بين عامي 2014 و2016 عندما خسر منتجو النفط تريليونات الدولارات من العائدات وفقدوا أكثر من تريليون دولار من الاستثمارات.

ولفت إلى أنه من الضروري اتخاذ إجراءات عاجلة وهو أمر مطلوب وسيفيدنا جميعا، حيث تتطلب هذه الأوقات الصعبة مرونة والتزام لا مثيل لهما، ودعا التقرير منتجي النفط إلى إلقاء نظرة على توقعات السوق، التي تقدمها المنظمة والوقوف جنبا إلى جنب لمساعدة هذه الصناعة العالمية الحيوية على البقاء، مشيرا إلى أنه بالنسبة للربع الحالي بات من المؤكد فقد نحو 15 في المائة من الاستهلاك العالمي للنفط ويتعين معالجة هذا الخلل الهائل في السوق على وجه السرعة.

آمال معلقة

 عدد من أعضاء اوبك ذكروا أن “الآمال معقودة على عدد من الدول خارج المنظمة وأوبـك زائد ومنها أمريكا وكندا والبرازيل والنرويج وغيرها من الدول، لخفض إنتاجها بـمقدار خمسة ملايين برميل يوميا، فإن حدث ذلك، فإن إجمالي التخفيض سيكون 15 مليون برميل يوميا وهو ما من شأنه أن يحدث استقرارا وتوازنا في الأسواق العالمية”.

وكشف الاعضاء في أوبك عن أن الطـلب علـى النفط سيشهد تراجعا كبيرا خلال هذه السنة بالدرجة الأساس بـسبب تفشـي جائحة كـورونـا وتعطل معظم حركة الاقتصاد، وشددوا على أن “المخاطـر التي ترافـق هذا الاتفاق تتلخص في أن التخفيض يقتصر فقط على دول أوبك زائد التي أقدمت على هذا الإجراء، وهي فقط من تلتزم به ولا يلتزم الآخرون به، وعلـيه سيستفيد النفط الصخري وغيره من هذا الإجـراء، وبالتالي، فإن هذا الحل لن يكون مستداما، وأن الخطر الآخر يتمثل فـي استمرار تفشي جائحة كورونا في الدول الصناعية وغيرها وعدم انحساره فيها، الذي من شأنه أن يطيل مدى الأزمة”.

نصف إنقاذ من موت محقق

يوم السبت 11 أبريل اعتبرت صحيفة “نيويورك تايمز”، أن اتفاق روسيا والسعودية على خفض الإنتاج سمح لصناعة النفط الأمريكية بتجنب المزيد من الأضرار الجسيمة.

وذكرت في مقال نشرته بنسختها الإلكترونية: “ربما تكون صناعة النفط الأمريكية قد نجحت في تجنب وضع خطير. روسيا والمملكة العربية السعودية، اللتان كانتا تأملان قبل شهر واحد فقط في إضعاف منتجي النفط الأمريكيين، تراجعتا عن التهديدات بتوجيه كميات إضافية من مواد الطاقة إلى السوق المشبعة بالفعل. واعترفتا بذلك بأن هذه اللعبة تضر بهما، وبدلا من ذلك أعلنتا عن اتفاق مبدئي لخفض الإنتاج”.

وأضافت: “سيتيح هذا التغيير بالطبع للشركات الأمريكية تقليل الإنتاج تدريجيا وفقا لشروطها الخاصة دون تعليمات من السلطات أو المنظمين في وقت تستثمر فيه أقل في البحث عن الاحتياطات وتطويرها”.

ونقلت الصحيفة عن، إيمي مايرز جافي، من المجلس الأمريكي للعلاقات الخارجية قوله “صناعة النفط الأمريكية نجت من أسوأ مسار للأحداث”.

وأضاف المحلل من منظمة الأبحاث “حالات الإفلاس ستتبع على أي حال، ولكن الآن لا يمكنك أن تخاف من تدمير صناعة بأكملها، لأن أسوأ جزء من حرب الأسعار صار خلفنا”.

ويقول التقرير “كما يتوقع المحللون، فإن أسعار النفط، التي تجاوزت قبل ست سنوات فقط عتبة الـ 100 دولار للبرميل، ستكون أقل من 40 دولارا في المستقبل المنظور”. وفي الوقت نفسه، تؤكد الصحيفة أنه “صار من الممكن على ما يبدو تجنب” انخفاض أسعار النفط إلى أقل من 10 دولارات للبرميل.

ويشير المقال أيضا إلى أن “شركات النفط الأمريكية تقوم بالفعل بإلغاء آلاف الوظائف، وتوقف العمل في الآبار القديمة وتفكك الحفارات ومعدات التكسير، والاستعداد لأسوأ ركود في ذكرى أكثر من جيل”.

وتؤكد الصحيفة أن “الولايات المنتجة للنفط، بما في ذلك تكساس وأوكلاهوما ونورث داكوتا، تستعد للحد بشكل خطير من عدد الوظائف وخفض الإيرادات الضريبية”.

وتعتبر “نيويورك تايمز” أن انخفاض الطلب العالمي على النفط يمكن أن يؤدي إلى أن صادرات الطاقة الأمريكية “قد تختفي تماما”. فوفقا للتقديرات التي نشرتها، سيتم استيعاب العديد من منتجي النفط الصغار في الولايات المتحدة من قبل أكبر الشركات في ضوء انخفاض الأسعار.

وزير الطاقة الأمريكي دان برويليت تحدث عن وضع قاس في أسواق الطاقة العالمية، قائلا إن جائحة فيروس كورونا والفائض الضخم من معروض النفط خلقا مزيجا قاتلا.

وأكد برويليت في كلمة أعدها سلفا لاجتماع وزراء طاقة مجموعة العشرين “حان الوقت أن تبحث جميع الدول بجد عن كل ما يمكن لكل منها بذله لعلاج اختلال العرض والطلب… ندعو جميع الدول لتسخير شتى الأدوات التي تحت تصرفها للمساعدة في تقليص الفائض”. وأضاف برويليت بأن الولايات المتحدة تتوقع أن يتراجع إنتاجها حوالي مليوني برميل يوميا بنهاية السنة.

خيارات

 في موسكو كشف وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك تفاصيل المفاوضات الدولية التي أجرتها “أوبك زائد” يومي الخميس والجمعة، واعتبر أن مجمل خفض الإنتاج من قبل دول “أوبك زائد” وبعض شركائها ضمن مجموعة “العشرين”، قد يشكل نحو 15 مليون برميل يوميا. وتوقع أن تخفض الدول المصدرة للنفط خارج “أوبك” وشركائها في “أوبك زائد” إنتاجها النفطي بواقع 5 ملايين برميل يوميا.

وقال نوفاك إن الاتفاق الجديد يسري مفعوله حتى 1 مايو عام 2022، مضيفا أنه يبقى بإمكان دول “أوبيك زائد” تمديده أو اختصاره حسب سير عملية عودة الوضع في سوق النفط إلى طبيعته.

وكشف الوزير الروسي أن أعضاء “أوبك زائد” بحثوا ثلاثة خيارات أخرى فيما يخص مدة الاتفاق الجديد وهي سنة و3 سنوات و4 سنوات، وتم التوافق على سنتين باعتبار هذه المدة هي الأكثر فعالية لإشعار السوق بأن لدى البلدان نية جادة في اتخاذ تدابير لاستعادة استقرارها واستعادة توازن العرض والطلب”.

كما أكد نوفاك استعداد الشركات الروسية لخفض الإنتاج في إطار صفقة “أوبك زائد”، مضيفا أن وزارته على اتصال دائم مع الشركات الروسية بهذا الصدد.

كما أعرب نوفاك عن ثقته باستطاعة الشركات الروسية اتخاذ تدابير تقنية وتكنولوجية تمكنها من بلوغ الأرقام التي أخذت روسيا على عاتقها الالتزام بها.

وقال إن خفض الإنتاج المزمع، قصير المدى، موضحا أن الأمر يتعلق “بأرقام كبيرة جدا يجب بلوغها من أجل إعادة السوق إلى توازنها، مضيفا: “لا شك في أن الأحجام السابقة للإنتاج ستتم إعادتها”.

خفض لا يكفي

يوم الاربعاء 8 أبريل أكد بنك غولدمان ساكس إن خفض كبار منتجي النفط للإنتاج بمقدار عشرة ملايين برميل يوميا لن يكفي لتحسين التوازنات العالمية في سوق تعاني من انهيار الطلب بسبب فيروس كورونا وتنامي تخمة الإمدادات.

وقال البنك في مذكرة بتاريخ الثامن من أبريل ”في نهاية المطاف، فإن حجم صدمة الطلب ببساطة أكبر بكثير بالنسبة لأي خفض منسق للإمدادات، مما يمهد الساحة لإعادة توازن حاد“.

وأضاف البنك أن خفضا رئيسيا بمقدار عشرة ملايين برميل يوميا سيظل بحاجة لتقليص إضافي للإمدادات بواقع أربعة ملايين برميل يوميا عبر وقف الإنتاج بسبب انخفاض الأسعار.

وقال ”بينما يبرر هذا الحاجة لخفض رئيسي أكبر يقترب من 15 مليون برميل يوميا، نعتقد أن هذا سيكون أصعب كثيرا في تحقيقه إذ أن العبء الإضافي على الأرجح سيقع على عاتق السعودية حتى يتسم بالفعالية“.

وذكر البنك إنه بينما قد يدعم التوصل لاتفاق من جانب كبار المنتجين الأسعار في ”الأيام المقبلة“، فإنه سيؤدي في نهاية المطاف لتراجع الأسعار، متوقعا احتمالات نزولية لتوقعاته لسعر خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي عند 20 دولارا للبرميل.

وسيشكل استمرار تخفيضات الإمدادات عاملا داعما لتوقعات البنك لخام برنت في أكتوبر 2020 البالغة 40 دولارا للبرميل.

 محللو آي إن جي ذكروا من جانبهم أن “حجم الفائض العرض النفطي في الربع الثاني من العام سيزيد من الضعف المستمر للسعر، ويعني هذا مزيدا من الضغط على الأسواق خلال الربع الثاني. وهم لا يعتقدون بأن تصرفا ملائما يخرج من أوبك، سيعيد الأسواق لحالها.”

وأكدوا ان انهيار الاسعار عالميا يعني أن معدات وخدمات الحقول النفطية هذا العام ستهبط بنسبة 21 في المئة من 2019 إلى 211 مليار دولار، أدنى المستويات منذ 2005، وفق تقرير من منظمة سبيرز وشركاه.

ولكن هناك جانب مشرق، الصين بالمشتريات، فوفق تقرير من رويترز يزيد المشترون في الصين من الشحنات إلى أقصى حد للاستفادة من الاسعار المنخفضة.

وتساعد الإمدادات الرخيصة الصين على تخفيض نفقات الاستيراد، ولكن التخفيضات العميقة ستزيد الضغط على المنتجين في الولايات المتحدة.

وقد حصل الصينيون على النفط الكبريتي، شهر مارس، الأمريكي بتخفض ما بين 7 إلى 9 دولار لعقود سبتمبر، والتسليم في مايو، وتخفيضات غرب تكساس الوسيط تتراوح ما بين 6 إلى 7 دولار.

 الصين ليست وحدها التي تشتري وتخزن النفط الرخيص بل الكثير من الدول ومنها الهند وباكستان واستراليا وعشرات الاطراف الاخرى وهو أمر من شأنه أن يقلص فرص رفع الاسعار مستقبلا.

انتعاش مؤقت

 الرئيس المدير العام الأسبق لمؤسسة سوناطراك، نزيم زويوش، ذكر أن اتفاق اوبك لخفض الإنتاج، سيسمح برفع الأسعار لـ”مدة وجيزة” بالنظر لبقاء الطلب على الطاقة منخفضا بسبب جائحة “كورونا”، ولكن الاسعار ستعاود الانخفاض في ظل استمرار الأزمة الصحية في التأثير على النشاط الاقتصادي العالمي و بالتالي بقاء الطلب على النفط متراجعا”.

وأضاف ان أسعار النفط ترتكز في المقام الأول بالتعامل على أساس قاعدة العرض والطلب التي عادة ما تحدد تقلبات أسعار البورصة، وبالتالي فإن توازن الأسعار الدولية للذهب الأسود لن تجد طريقها للتجسيد في السوق إلا في حالة انخفاض المخزون العالمي واستعادة النشاط والنمو الاقتصادي في العالم وتيرته.

 وأشار الخبير الى انخفاض الطلب العالمي على مواد الطاقة وأهمها نتيجة توقف حركة النقل الجوي والبحري ووسائل النقل الأخرى الجماعية والفردية مشيرا الى أن قطاع النقل في العالم يشكل اكبر مستهلك للنفط بنسبة 52 في المئة.

 يوم السبت 11 ابريل نقلت وكالة أنباء كونا عن محللين اقتصاديين قولهم أن الاسعار انخفضت بما لا يقل عن الثلثين منذ بداية عام 2020. ويقدر الانخفاض في الاستهلاك العالمي للنفط بسبع مرات في ابريل وحده وبما يفوق اكبر انخفاض فصلي في اعقاب الازمة المالية لعام 2008.

ويتوقع خبراء نفطيون في شؤون الطاقة في تصريحات نقلتها وسائل الاعلام ان يواصل سعر النفط انخفاضه الى اقل من 20 دولارا في المستقبل وبما يلحق ضررا بالغا باقتصاديات المنتجين جميعا سواء الاعضاء في اوبك او من خارجها.

ويرى الخبراء ان الاتفاق الاخير بين المنتجين على خفض الانتاج لن يسفر عن وقف تدهور الاسعار وذلك بسبب الانخفاض الكبير في حجم الاستهلاك العالمي للنفط في ظل اجراءات الحجر الصحي ووقف السفر والتنقل المعمول بها منذ اكثر من شهر والتي يتوقع ان يستمر تطبيقها لفترة اخرى غير محددة.

وفي ظل استمرار ازمة كورونا وتداعياتها الكارثية على الاقتصاد العالمي لاسيما من ناحية التراجع الحاد في الطلب العالمي على الطاقة واصرار بعض المنتجين على الحفاظ على حصصهم داخل السوق النفطية فان اسعار النفط ستظل رهينة لهذه التطورات وستتدهور الاسعار اكثر في حالة استمرار ازمة كورونا لأشهر قادمة وواصل استهلاك العالم من الطاقة في التراجع.

هل الانتعاش السريع ممكن؟

 جاء في تقرير نشرته وكالة فرانس برس يوم السبت 11 أبريل: يرزح الاقتصاد العالمي تحت وطأة التدابير الهادفة لاحتواء فيروس كورونا المستجد، وانعكست في حجم إفلاس وديون عامة غير مسبوق. لكن مع ذلك، يبقى بعض الاقتصاديين متفائلين لناحية ان تحقيق انتعاش صلب بعد هذه العاصفة أمر ممكن.

ولم تعد في ظل هذه الأزمة مواتية المقارنة مع أزمة عام 2008 المالية، فأرقام الضائقة الحالية هائلة، إذ بين خسائر الشركات وأعداد العاطلين عن العمل ومبالغ خطط الإنعاش في العديد من الدول، تتراكم آلاف المليارات من الدولارات بشكل يتخطى بأشواط ما شهده العالم منذ عقد.

والأجدى في ظل المأزق الحالي العودة إلى الكساد الكبير في عام 1929 لتستقيم المقارنة، كما تقول المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا.

واعتبرت جورجييفا يوم الخميس أن “النمو العالمي سيكون سلبيا بمستوى كبير في عام 2020″، وقد يكون عام 2021 “أسوأ” من هذا العام إذا دام انتشار الوباء لوقت أطول.

ورغم هذه الصورة القاتمة، يقدر بعض الخبراء الاقتصاديين أن الاقتصاد العالمي سيعرف انتعاشا سريعا وصلبا حالما يتمكن الناس من الخروج من منازلهم والعمل من جديد.

 في الواقع، تشبه نتائج هذه الأزمة تلك التي تنجم عن كارثة طبيعية، كإعصار مثلا، أكثر من مشابهتها لأزمة مالية واقتصادية بالمعنى التقليدي، كما لفت اقتصاديون من البنك المركزي الإقليمي في نيويورك.

وشرح الباحثان غايسون برام وريتشارد دييتز يوم الجمعة أن “أزمات الركود تتطور تدريجا وبمرور الوقت”. بالمقابل، حلت أزمة فيروس كورونا المستجد “بشكل مفاجئ وضربت بقوة الاقتصاد خلال أقل من شهر”.

وأول ضحايا الوباء الذي أصاب نحو 1,7 مليون شخص وقتل أكثر من مئة ألف حتى الآن، كانا قطاعا السياحة والسفر، تماما كما يحصل عند حلول الأعاصير.

وخلافا لما تسببه الكوارث الطبيعية، لم يؤد الوباء إلى دمار مادي، “ما قد يسهل انتعاشا اقتصاديا سريعا”، وفقا للباحثين.

يشرح من جهته الخبير في مؤسسة “أوكسفورد إيكونومكس” للتحليل الاقتصادي غريغوري داكو أنه وعلى الرغم من الانفاقات العامة الهائلة، الضرورية لتأمين نمو سريع للاقتصاد، “ستكون خسارة الوظائف صادمة والانتعاش بعد مرحلة الفيروس .. بصورة تامة سيتطلب بين 12 و18 شهرا”.

لكن متى تأتي اللحظة المناسبة لإعادة تنشيط الحركة الاقتصادية؟.

في حين أفرجت الصين عن سكان المناطق الأكثر تضررا من الفيروس بعد شهرين من الحجر، وبدأت الدول الأوروبية تفكر في مواعيد رفع تدابير العزل، اعتبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن قرارا مماثلا سيكون الأكثر أهمية في حياته.

وتجد المسؤولة السابقة في وزارة الخزانة الأمريكية كارن دينان أنه “سيتعين علينا الشروع ببطء برفع التدابير…وسنواجه انتكاسات”.

تراجع النمو العالمي

مطلع عام 2020، عرفت الولايات المتحدة، الاقتصاد الأول في العالم، وضعا مزدهرا اقتصاديا، حيث كانت البطالة في أدنى مستوياتها منذ عام 2020 والنمو بمستويات تحسد عليها.

لكن الأزمة الناجمة عن فيروس كورونا المستجد أدت إلى تدهور الوضع حيث بات 17 مليون شخص دون عمل خلال ثلاثة أسابيع فقط.

ويتوقع لذلك أن يتراجع الاقتصاد بنسبة 20 في المئة في ابريل، وأيضا 20 في المئة في مايو، كما حذرت كارن دينان التي رأت أن نسبة الانكماش في عام 2020 ستكون 8 في المئة.

وبالنسبة للعالم برمته، توقعت تراجعا بنسبة 3.4 في المئة، وهو تقدير أكثر تشاؤما من التقديرات المنشورة سابقا.

لكنها توقعت حصول قفزة بنسبة 7.2 في المئة للاقتصاد العالمي في عام 2021.

وأقرت في الوقت نفسه أن عددا من زملائها في معهد “بيترسون” الذي شاركت في إعداد توقعاته النصف سنوية، لا يشاركونها تفاؤلها.

وفي الولايات المتحدة، سيؤدي الضخ الهائل للسيولة في الاقتصاد إلى هوة كبيرة في الموازنات المالية.

ولم يظهر ذلك بعد في الأرقام التي نشرتها الخزانة الأمريكية يوم الجمعة 10 أبريل لشهر مارس، بل إن الإنفاقات أدنى من إنفاقات عام 2019، فيما الإيرادات أعلى بقليل.

ولن تظهر النتائج الأولى على الموازنة إلا في نهاية شهر ابريل.

شد حبال بين المتفائلين والمتشائمين

 سجلت أسواق الأسهم في آسيا ارتفاعا يوم الجمعة 10 أبريل، غداة مكاسب حققتها بورصة وول ستريت مدفوعة بإجراءات التحفيز الأمريكية الأخيرة.

وبحسب “الفرنسية”، فإنه في إطار مساعيه الأخيرة للتخفيف من التداعيات الاقتصادية لوباء “كوفيد 19″، أعلن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي عزمه ضخ 2.3 تريليون دولار من خلال برامج إقراض جديدة.

ولا تزال أسواق المال تشهد شد حبال بين أولئك المتفائلين بخصوص الوباء وسواهم المتشائمين.. فهم لا يريدون تفويت أي فرصة نادرة لشراء الأسهم بأسعار منخفضة، وفق كبير الخبراء الاستراتيجيين لدى مؤسسة راكوتن للخدمات المالية موتسومي كاجاوا.

ويقوم “الاحتياطي الفيدرالي” على ما يبدو “بمهمة لفتح ثغرات في كل سد يمنع تدفق الأموال” بحسب ستيفن إينيس، المحلل لدى مجموعة أكسيكورب.

ويضيف الخبير “ويبدو حتما أن لديهم وسائل هائلة في حال اضطروا للقيام بذلك”.

وفقدت ملايين الوظائف خلال الجائحة، وأظهرت أرقام نشرت يوم الاربعاء، أن 17 مليون شخص خسروا وظائفهم في الولايات المتحدة وحدها منذ منتصف مارس.

وتأتي تدابير الطوارئ الأخيرة في وقت حذر صندوق النقد الدولي من أن 170 من أعضائه البالغ عددهم 180، سيسجلون تراجعا في دخل الفرد لديهم هذا العام.

وقالت كريستالينا جورجييفا مدير عام الصندوق، “نتوقع أسوأ عواقب اقتصادية منذ الكساد الكبير” وحضت الحكومات على توفير الحماية للشركات والأشخاص محذرة من أن الوضع “قد يصبح أسوأ”.

وتصدرت البنوك قائمة القطاعات الأفضل أداء، ليرتفع مؤشرها 3.6 في المائة بما يتماشى مع ما حققته نظيرتها الأمريكية بعد أن تعهد مجلس الاحتياطي الاتحادي بنهج فعل “كل ما يتطلبه الأمر” للإبقاء على تدفق الائتمان إلى الشركات والأسر.

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا