“تريبيون”: كارثة اقتصادية على الأبواب لهذه الدول جراء “كورونا”

460

المصدر : عربي 21

نشر موقع مجلة تريبيون البريطانية ذات التوجه اليساري، مقالا للكاتب “كيستون بيري”، أستاذ الاقتصاد بجامعة غرب إنجلترا، اعتبر فيه أن النظام الاقتصادي العالمي يوشك على “الانفضاح”، ما لم يوقف أزمة على الأبواب تهدد دول جنوب الكرة الأرضية.

واعتبر الكاتب أنه ما لم يعرض على بلدان جنوب الكرة الأرضية التخفيف من أعباء ديونها، فسوف تغرق في حالة من الفوضى الاقتصادية بسبب أزمة “كورونا”، ما “سيفضح واقع النظام الاقتصادي العالمي الذي تم إنشاؤه ليناسب الغرب”، بحسبه.

العالم منقسم بشكل سافر، وذلك وضع لم يلبث قائماً منذ زمن طويل قبل تفشي وباء فيروس كورونا. فقد ترك النظام الاقتصادي العالمي على مدى نصف القرن الماضي البلدان النامية في حالة من الركود، تعاني من مستويات عالية من الدين، وفي أوضاع متفاقمة من عدم المساواة بما في ذلك عدم المساواة في توزيع الثروات والنفوذ. وقد تعاظم أثر ذلك كله بسبب وقائع التعامل مع الانهيار المناخي والأوبئة الصحية التي بات وقوعها أكثر انتظاماً، والتي تؤثر أكثر على الشعوب الأفقر والأقل استعداداً لمواجهتها.

تعاني الأمم التي تقطن جنوب الكرة الأرضية من الأوبئة منذ عقود. وهذا يعني أنه عندما يتعلق الأمر بفيروس كورونا، فقد كانت استجابتها في كثير من الحالات سريعة، وأقوى وأشد حزماً مما شهدته دول شمال الكرة الأرضية. فكثيرون يدركون أن ما قد يفقدونه أكبر بكثير. وكما كتب مؤخراً رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في صحيفة الفاينانشال تايمز، تدرك هذه الدول أن أثر تفشي كوفيد 19 عليها سيكون كبيراً جداً.

إن إخفاق صناع السياسة في البلدان الغنية في الاعتراف بدورهم في ما يصدر عن الوباء من آثار اجتماعية واقتصادية إنما يفاقم من الظروف الصعبة التي كانت قائمة قبل أن يتفشى. كما أن انعدام الاهتمام بمعاناة تلك البلدان – جزئياً بسبب القومية المترهبة من الآخر والتي يعبر عنها بكل وضوح ترامب وجونسون – سوف لن ينجم عنه سوى المزيد من الاضطراب في المنظومة متعددة الأطراف.

عندما لا يتوفر لدى البلدان من المال ما يمكنها من الوفاء بما عليها من التزامات تجاه ديونها، فإنها في العادة لن تكون قادرة على الاستجابة للمتطلبات الطبية والتعليمية والاحتياجات الغذائية لشعوبها. وذلك أن النظام الاقتصادي الذي يتوافق جيداً مع احتياجات الشركات الكبرى متعددة الجنسيات لا يمكنه في مثل هذه الظروف التماسك دون أن يولد مزيداً من الضغوط على الشعوب الأكثر فقراً، مع الأخذ بالاعتبار أن تجاوب الحكومات ذات الاقتصاديات المتقدمة مع الأزمة بشكل معطاء، والتي راحت تخفف من القيود المالية والنقدية التي تفرضها سياساتها في الظروف المعتادة، يعتبر رفاهاً ليس في متناول البلدان النامية.

ومؤخراً، أشارت مجموعة من مائة وخمسين خبيراً في الاقتصاد إلى النكبة الاقتصادية التي تتربص بتلك الأقطار التي تتحمل مستويات عالية من المديونية وفي المقابل محدودية في استقلالها الذاتي مالياً وسياسياً. كان رد البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على الأزمة مناشدة الدائنين بأن يكونوا رحماء. في نفس الوقت، راح رئيس البنك الدولي، الذي عينه ترامب، يعرض رغم ذلك المزيد من إجراءات التقشف والتعديل البنيوي وتخفيف القيود عن السوق مقابل أي إقراض.

لكن البلدان النامية لا تكاد تجد فرصة للاستراحة. فحتى قبل الأزمة، فيما بدت البلدان ذات الاقتصاديات المتقدمة تمر بحالة من الركود العلماني – وذلك تعبير ملطف عن انخفاض النمو – كان العديد من البلدان النامية تمر فيما يشبه القفز الحر بسبب ما تعاقب عليها من كوارث طبيعية وانخفاض أسعار السلع وارتفاع المديونية. أضف إلى ذلك حرب أسعار النفط التي تشنها المملكة العربية السعودية وبذلك يتشكل الكوكتيل الكارثي الذي يواجه البلدان الأفقر في العالم.
من غير المتوقع أن تؤدي الظروف الحالية إلى تغير كبير في طبيعة النظام الرأسمالي. إن الزيادات التي لا تطاق في المديونية هي التي تدفع عجلة الاقتصاد – حيث تكون الدول الثرية وتوابعها الانتقالية هي المستفيد الأكبر – إلا أن نموها القاعدي لا يكفي للتسبب في انهيار المنظومة. بدلاً من ذلك، من المحتمل أن نرى القليل من إسقاط الديون من قبل الجهات المقرضة متعددة الأطراف، كمؤشر على إيثارها المفترض، ولكن سرعان ما تعود ساعة المديونية للعمل من جديد فيما بعد.

إن الدعوات من أجل الدولانية – أو ربما ما يقصد به المعلقون تعددية الأطراف – في نظام تعرض للكسر إنما تخدم في العادة المصالح الاقتصادية الراسخة. يجدر الانتباه إلى أن الكثيرين في المؤسسات المالية الدولية يرغبون ببساطة في العودة إلى نقطة في التاريخ لم يكن لدينا حينها لا ترامب ولا بريكسيت وكانت تعددية الأطراف تعمل بشكل جيد. إلا أن أسس هذا النظام كانت دائماً تقوم على رفض الاعتراف بتطلعات البلدان النامية لأن يتم التعامل معها كأقران مساوية.

على المستوى السياسي، هناك طريقان محتملان يمكن أن تتجه عبرهما الأزمة الحالية في العالم النامي. أما الطريق الأول، وهو الأكثر احتمالاً، فهو استمرار الناس في الاجتماع حول زعمائهم، بغض النظر عن مدى ما تصل إليه الأمور من سوء، والإشادة بهم لقيامهم بتحرك سريع. وذلك أن إحدى عواقب الليبرالية الجديدة في كثير من البلدان النامية، وهنا تكمن المفارقة، كان تنامي الاعتماد على الدولة في سياق التفتيت الذي تعرض له المجتمع وغير ذلك من شبكات التضامن التي كانت قائمة من قبل.

على الرغم من أن العديد من القادة في الماضي – مثل جواهر لال نهرو وكوامي نيكرومه، ومايكل مانلي، وموريس بيشوب، وإريك ويليامز، وليوبولد سنغور – حسنوا من مستوى المعيشة بعد التساقط الاجتماعي الهائل للاستعمار، إلا أن أنظمة الصحة التي قامت بعد الحقبة الاستعمارية في جنوب الكرة الأرضية كانت هشة وزادت سوءاً مع مرور الزمن. من المؤكد أن وضع الرعاية الصحية في تلك البلدان سوف يصبح عقبة كؤوداً في طريق مكافحة المرض، وخاصة عندما تبدأ جثث الموتى في التراكم، وهو الأمر الذي يفسر توجه البلدان في الجنوب نحو اتخاذ خطوات استباقية صارمة من خلال إغلاق الحدود وفرض حظر على السفر والحركة. لكن بالرغم من ذلك، من المحتمل أن يرى الناس في زعمائهم السلطويين منقذين لهم بسبب قيامهم بما يلزم لتحدي وباء كوفيد 19.

وأما السيناريو الثاني، وهو الأفضل وإن كان إلى حد ما مثالياً، فيتمثل في بروز شبكات جديدة من التضامن بين العمال في جنوب الكرة الأرضية في فترة ما بعد هذه الأزمة. من العوامل التي تفسر النجاحات التي حققها الزعماء الأكثر تقدمية مثل مانلي وبيشوب هو أن الحركات الاجتماعية كانت تقف وراء كثير من قراراتهم الشعبية. فهم لم يكونوا معزولين عن النقد كما هو حاصل مع الزعماء الحاليين، وحتى أثناء تفشي الوباء. قد تبدو اليوم تلك الحركات التضامنية التي نشأت بين الطبقات العمالية بعد الاستقلال شيئاً من الماضي السحيق وحلماً صعب المنال. ولكن ثمة حاجة اليوم أكثر من وقت مضى لحركات اجتماعية جديدة للسماح للبلدان النامية بالنجاة من هذه الأزمة والحفاظ على وجودها، وفي نفس الوقت لإيجاد أنظمة جديدة بإمكانها التعامل مع التحديات التي قد تنشأ في المستقبل.

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا