سيناريو الاقليم السني.. خطوة لضرب تماسك العراق وقطع طريق “طهران – بيروت” الاستراتيجي

951

المصدر : الوقت التحليلي والاخباري 

بذلت الدول الاستعمارية الغربية خلال السنوات الماضية الكثير من الجهود لتقسيم العراق إلى أقاليم وتأتي هذا الخطوة الأولى في رسم خريطة جغرافية جديدة لمنطقة الشرق الاوسط وبموجب هذا المخطط الاستعماري، الذي يشار إليه أيضًا باسم “سايكس بيكو الجديد”، يجب تغيير جغرافية العالم الإسلامي بشكل كبير، والقضاء على الوحدات السياسية القائمة في المنطقة ويجب تشكيل وحدات سياسية جديدة بأعداد كبيرة، بناءً على المكونات اللغوية والدينية والعرقية والدينية. ووفقاً لهذه الخطة، فإن الاستعمار الحالي لن يحافظ فقط على سيطرته على المنطقة بل سيعمقها، ونتيجة لذلك، سيبقى العالم الإسلامي متخلفاً عن طريق التنمية والاستقلال ولن تتمكن الحضارة الإسلامية الجديدة من رؤية النور مرة أخرى الولادة.

لقد جاءت الحملة الأمريكية على العالم الإسلامي بدقة وتحت ذريعة محاربة الإرهاب وبالنظر إلى أن جمهورية إيران الإسلامية التي كانت ولا تزال رمزًا رئيسيًا لمقاومة مثل هذه الخطة الاستعمارية، والتي وقفت بحزم وقوة إلى جانب أبناء الشعب الفلسطيني، سعى الاستعمار خلال العقود الماضية إلى احتلال أفغانستان في الشرق واحتلال العراق من غرب وذلك من أجل زيادة الضغط على طهران واجبارها على الموافقة على الخطط الاستعمارية في المنطقة، لكن المقاومة الإيرانية لم تركع لتلك المطامع الاستعمارية، بل إنها استمرت في التأكيد على ضرورة تحرير فلسطين ومواجهة مخططات الهيمنة الغربية في منطقة الشرق الاوسط.

وباستغلال ظاهرة الإرهاب التكفيري، حاول الغرب ربط جغرافية المنطقة بهذه الظاهرة الخطيرة لاستبعاد الأولوية الفلسطينية من المجتمعات الإسلامية ولكن دخول إيران في الحرب على الإرهاب وتوجيهها للكثير من الضربات لموجعة والقوية لجسد ذلك الإرهاب التكفيري في العراق وسوريا ولبنان وكذلك دعم المقاومة اليمنية، قد أفشل بشكل عملي مؤامرة الإرهاب التكفيري، وهذا الامر أدى إلى رجوع القضية الفلسطينية مرة أخرى إلى أولوية للعالم الإسلامي، وتم اعتبار إيران ومحور المقاومة كواحدة من أهم الجهات الفاعلة الإقليمية وأكثرها فعالية. ومع تحرير سوريا والعراق من احتلال الإرهابيين، أصبح محور المقاومة الممتد من طهران إلى بيروت موحداً، ولقد أدى هذا الامر إلى تعرض الوجود الإسرائيلي في منطقة الشرق الاوسط لخطر جدي وكان من المحتمل أن يتمكن محور المقاومة في نهاية المطاف إلى خروج المنطقة من تحت السيطرة الاستعمارية وتحرك المنطقة نحو الاستقلال وتشكيل حضارة إسلامية جديدة.

 إن مشروع تقسيم العراق قديم وكان يشغل الأوساط الأمريكية والإسرائيلية منذ زمن بعيد، وقد اقترح مسؤولون أمريكيون مرارا وتكرارا خطة تقسيم وتفتيت العراق قبل وبعد الحرب على العراق وفي 30 يناير 2007 قال ممثل الولايات المتحدة الدائم لدى منظمة الدول الأمريكية “جون بولتون”، إن الولايات المتحدة ليست لها مصلحة استراتيجية في ضمان أن يظل العراق موحدا، وليست للولايات المتحدة مصلحة استراتيجية في وجوب أن يكون هناك عراق واحد أو ثلاثة، كما نشر” رالف بيترز”، وهو ضابط متقاعد يحمل رتبة مقدم، في مقال بمجلة القوات المسلحة الأمريكية عدد يونيو 2006، الملامح التفصيلية لخطة إعادة تقسيم الشرق الأوسط وتحقيق الاستراتيجية الغربية في إنشاء الشرق الأوسط الجديد، وتحدث في خطته عن تقسيم العراق إلى ثلاثة أجزاء.

وعلى صعيد متصل، ذكرت بعض التقارير الاخبارية أن “التجمع الوطني لأهل العراق” عقد مؤتمر خلال الايام الماضية ضم شخصيات سنية عراقية، لبلورة مشروع إقامة إقليم فيدرالي يبدأ من الأنبار ويضم محافظات أخرى مرتبط بالحكومة المركزية في بغداد وقال “وسام الحردان”، الأمين العام للتجمع، والذي يشغل أيضا منصب رئيس صحوة العراق: إن “الدعوة لمثل هذا المؤتمر، لا تزال قيد الدرس، وإننا نجد أنفسنا أمام مسؤولية تاريخية ووطنية، لانتشال محافظاتنا من الواقع المأساوي الذي تعيشه طيلة سنوات مضت، مع غياب أي أفق لتحسين الأوضاع فيها”، وبين أن التعايش الأهلي في العراق بات من الأمور المعقدة كثيرا بعد انتهاكات لقوى وجهات محسوبة على هذا المكون أو ذاك، مع تراخي السلطات القضائية عن أداء دورها في محاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات أو في الحقيقة انحيازها إلى مكون يمتلك السلطة ويتحكم بالثروات.

وحول تمثيل العرب السنة سواء في الأحزاب أو الكتل أو الشخصيات السياسية ودورها المفترض في منع تلك الانتهاكات أوضح “الحردان” أن هؤلاء مكبلون في اتخاذ أي موقف يتعارض مع التوجه العام للحكومة الموالية للسياسات الغربية بسبب امتلاك الجهات الغربية المسؤولة عن الملف العراقي. وهناك اعتقاد في الأوساط السياسية والاجتماعية العراقية، بأن أي إقليم عربي سني سيؤول مصيره إلى الفشل، لافتقار المحافظات السنية إلى الموارد والكفاءات، لكن كان “للحردان”، رأيا آخر، إذ اعتبر أن محافظة الأنبار والمحافظات السنية الأخرى لديها الكثير من الثروات والموارد المائية والغاز الطبيعي والنفط وغيرها، كما أن الكفاءات الموجودة اليوم والتي لم تستثمرها الحكومات العراقية بعد الاحتلال الامريكي.

الجدير بالذكر أن الحكومة المركزية التي أتهمها “الحردان” بأنها أنشأت تحالف مع إيران، كان لها دور كبير في مساعدة العراقيين السنة وتحرير أراضيهم من الجماعات الارهابية التي كانت تسيطر على مناطقهم. يذكر أن قوات الحشد الشعبي العراقية تعاونت مع قوات محور المقاومة خلال السنوات الماضية من أجل تطهير وطرد فلول الجماعات الارهابية من العديد من المدن والمناطق العراقية، وفي الحقيقة يمكن القول هنا أن المجتمع الشيعي العراقي قدم الكثير من التضحيات من أجل إخوانهم السنة.

وفيما يتعلق بالاقليم السني الذي أكد على إنشاءه “الحردان” في وسط محافظة الأنبار والذي يضم عدداً من المحافظات العربية السنية الأخرى، يمكن القول أن هناك عدداً من النقاط الهامة التي ينبغي على القادة العراقيين الاهتمام بها:

1) عند تقسيم العراق فعليًا إلى ثلاث مقاطعات مع ثلاث حكومات محلية، فإن هذا يعني أنه لن تكون هناك حكومة مركزية أخرى وهذا الامر سوف يؤدي إلى الانهيار العملي للعراق.

2) مع تشكيل الاقليم السني، فإن هذا يعني أنه سوف يتم إغلاق الطريق الممتدة من الأراضي الإيرانية إلى بيروت وذلك يرجع إلى أن الاقليم السني سوف يسيطر على الشمال الكردي وعلى المدن الواقعة في وسط العراق التي تراقب عمليا الحدود السورية.

3) بالنظر إلى أن هذا الاقليم السني يمتلك حدود مع الأردن والمملكة العربية السعودية، فإن هذا يعني أن الحكومة المركزية العراقية لن تتمكن من فرض سيطرتها عليه، وهذا الامر سيوفر الظروف لمزيد من التدخلات الاقليمية في العراق وسيؤدي إلى خلق حالة من عدم الاستقرار بهدف ضرب محور المقاومة.

4) سوف تتمكن الحكومة الأمريكية، مع تشكيل هذا الاقليم السني بسبب وجود أهم قواعدها العسكرية في هذه المنطقة الكردية والسنية، من رفض قرار الجمعية الوطنية العراقية الذي يدعو إلى إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في البلاد.

5) بالنظر إلى أن كثير من مناطق الاقليم السني صحراوية وليس فيها مياه كافية، وبالنظر إلى أن جزءًا من هذه المحافظات السنية واقعة في شمال العراق وهو المسار الرئيسي لتدفق مياه دجلة والفرات، فإن قادة هذه الاقليم سوف يقومون بنقل المياه من هذين النهرين المهمين والاستراتيجيين إلى المناطق الصحراوية بحجة التنمية الزراعية وبهذا الامر سيواجه الجزء الجنوبي من العراق دائما خطر الجفاف.

6) سعى الكيان الصهيوني منذ فترة طويلة إلى نقل مياه الفرات إلى فلسطين المحتلة ثم إلى المملكة العربية السعودية لتلبية احتياجاتها من المياه واستخدام المياه كأداة قوية لتطبيع علاقاته مع بعض الأنظمة العربية الرجعية. لذلك، فلقد وافق الكيان الصهيوني أيضًا على تشكيل هذا الاقليم السني في العراق لأنه سيخلق شرخًا بين شرق وغرب محور المقاومة.

7) الحكومتان التركية والإيرانية، وكذلك الحكومة المركزية العراقية، وقفت بحزم خلال الفترة الماضية أمام تشكيل دولة تسمى كردستان، وبسبب عدم امتلاك الاراضي الكردية إمكانية الوصول البري والبحري والجوي لدول الجوار، فلقد أدى هذا الامر إلى فشل الاستفتاء على الانفصال، ولكن مع تشكيل الاقليم السني الذي يمتلك حدود برية مع الأردن والمملكة العربية السعودية، فإن هذا الامر ستوفر فعلياً وصولاً برياً للمنطقة الكردية لدول الجوار، وبالتالي فإن تشكيل أقليم سني سيؤدي فعلياً إلى تفكك العراق.

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا