مناورات الناتو في ظل عالم متغير.. ترامب وجدوى الحلف

582

المصدر : قناة الميادين

لم ينقطع قلق النُخَب السياسيّة الأميركيّة حيال مستقبل حلف الناتو، وخصوصاً بعد نهاية الحرب البارِدة. قلَّة تطالب بحلّه، وآخرون يذهبون باتجاه تطويره وتوسيع رقعة تمدّده خارج نطاقات مسرحه الأساسي في ألمانيا. وقد انضمّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، منذ تسلّمه مهامه الرئاسية، إلى الفريق الأول، مُعتبراً أنَّ الحلف “عفا عليه الزمن”، ليبتزّ أعضاءه لاحقاً.

تميَّز المناخ السائِد بين تلك النُخَب وإفرازاتها الفكريّة والسياسيّة، وحتى العسكرية، بالنزعة العدوانيَّة وإظهار “تفوّق القوَّة الأميركية”، لردع كلّ مَن تسوِّل له نفسه تحدّيها عبر العالم، وهي نزعة طبعت التخطيط الاستراتيجيّ الأميركي عقب الحرب العالمية الثانية بشكلٍ ملموس. يأتي ذلك على الرغم من “تواضع الإنجازات العسكريّة… فمنذ الحرب الكورية، لم تنتصر الولايات المتحدة في أّية حرب ضدّ أيّ عدو، وهذا يكشف عن خَلَلٍ في التطبيق الفعلي للقوَّة العسكرية الأميركية في العالم”، وفق وصف المؤرِّخ العسكري، أندريه مارتيانوف، في كتابه “فُقدان التفوّق العسكري”، 2018.

رسا قرار المؤسَّسة الأميركية الحاكِمة بعد تردّد البيت الأبيض على الاستمرار في توسيع نطاق عمل الحلف، ورَفْدِه بأعضاء جُدُد أغلبهم في الدول الاشتراكية السابقة، بولندا مثالاً، وانضمام دولة “الجبل الأسود” التي يبلغ عديد قوَّاتها المُسلَّحة 2000 عنصر لا غير، ومُناشدتهم أوروبيي الحلف لتبوؤ مهامّ عسكرية خارج أوروبا.

حافظ الرئيس الأميركي ترامب على تنويع ابتزازه للدول الأوروبية المركزيّة، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، لزيادة إنفاقها العسكري مقابل “الحماية الأميركية”، فاستجابت لطلبه بعد تردّد، ما حفَّز البيت الأبيض على تجديد التزامه بحلف الناتو. وتحدَّث الرئيس الأميركي هاتفياً إلى رئيس حلف الناتو، جينس شتولتنبيرغ، في 8 كانون الثاني/يناير، مُطالباً “بتوسيع نشاط الحلف إلى الشرق الأوسط، ورَفْد الجهود لمُكافحة الإرهاب الدولي”.

وفي السياق عينه، عقد حلف الناتو “مؤتمر ميونيخ للأمن – 2020” مُنتصف الشهر الجاري، ما أثار جدلاً عميقاً بين الأوروبيين بعد خطاب وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو، وإصراره على أنّ “الغرب ينتصر”، كمُحفّزٍ دعائي في مُوازاة توجّهات الحلف مع الاستراتيجية الأميركية إلى مُحاصَرة الصين وروسيا وإيران.

من جانبهم، استهجن الأوروبيون تفاؤل بومبيو المفرط بتطوّرات الصِراع العالميّ، وبرز مُصطَلح توجّه العالم إلى “الإقلاع عن الغرب – Westless” في أروقة المؤتمر، في محاولةٍ لتحذير الضيف الأميركي فوق العادة.

من جملة ما أبلغ بومبيو الحلفاء أنَّ بلاده “تُقاتِل إلى جانبكم لبَسْطِ السيادة والحرية” في العالم، ما استدعى رفض عدد من القادة الأوروبيين واعتراضهم على مزاعِم واشنطن بصَوْنِ “سيادة” الدول، وهم المعنيون في الدرجة الأولى بالتخلّي مُكرَهين عن سيادتهم. وأضاف بومبيو في خطابه: “الغرب الحرّ على أعتاب مستقبل أكثر سطوعاً مُقارنةً مع البدائل المُناهِضة لليبرالية. نحن ننتصر – ونُنجِز ذلك سوياً” ورصدت وسائل الإعلام تكرار بومبيو مُصطلَح “ننتصر” 8 مرات في خطابه القصير. ونعته أحد الأوروبيين بأنَّه “كان أقرب إلى زوج يمارس العنف العاطفي ضد شريكته المُعتدَى عليها”، موضِحاً أنَّ أوروبا بمثابة الزوجة المُعتدَى عليها. (نشرة ديفينس وان، 21 شباط/فبراير).

الاستراتيجيّة المُتجدِّدة لحلف الناتو أوضحها رئيس الحلف شتولتنبيرغ في 15 كانون الثاني/يناير الماضي، بأنَّ “الولايات المتحدة والناتو يُعزِّزان وجودهما العسكري في أوروبا” لمواجهة روسيا والصّين.

واستطرد مُطمئناً أقرانه إلى أنّ أميركا تحتفظ بقواتٍ عسكريةٍ في دول أوروبا الحليفة “أكثر من أيّ وقتٍ مضى منذ انهيار الاتحاد السوفياتي” في العام 1991.

لم يعد الحلف في المفهوم الرسميّ الأميركيّ يتلطّى بمزاعِم وجوده لأسبابٍ “دفاعيّة”، كما درجت العادة خلال الحرب البارِدة، بل ارتدى عباءة عسكرية عدوانية تحرّكها واشنطن لتقويض روسيا ومُحاصرتها، كما شهدنا، بمُشاركة بريطانيا وفرنسا في قصف أهداف داخل سوريا.

وأعلن الحلف عن البدء بمُناوراتٍ عسكريةٍ ضخمةٍ غير مسبوقة في آذار/مارس المقبل، تحت مُسمَّى “المُدافِع عن أوروبا – 2020″، ستكون الأكبر والأشمل منذ 25 عاماً، وستشارك فيها الولايات المتحدة بقواتٍ إضافيةٍ تستقدمها من قواعدها داخل أراض

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا