انتصار غزة وتداعياته على صفقة القرن والعلاقات الخارجية الاسرائيلية .

1148

الاستاذ صالح ساير الطائي

استعصى قطاع غزة على مسار التسوية، وهو من باب أولى يستعصي على صفقة القرن. وقد أدى الصمود والإبداع الفلسطيني عبر المسيرات والانتصارات الاخيرة إلى إرباك البيئة الساعية لإنفاذ التسوية أو الصفقة.
بالرغم من مرور نحو عامٍ على التسريبات والجهود الخارجية الاسرائيلية والامريكية، حول ما أصبح يعرف بـ”صفقة القرن”؛ إلاَّ أن الولايات المتحدة لم تطرح حتى الآن هذه “الصفقة” بشكل رسمي. في الوقت نفسه، تركت المجال لانتشار التسريبات و”الشائعات” عن بنود الصفقة ومعالمها؛ بناء على حوارات ولقاءات يجريها المسؤولون الأمريكيون المعنيون مع قادة ومسؤولين فلسطينيين وعرب وإسرائيليين.
ويظهر أن السياسة الأمريكية تتعمد قدراً من الغموض والتأخير، سعياً لمتابعة الضغوط وتحقيق قدرٍ من التهيئة النفسية، ومحاولة إيجاد بيئة قبول مناسبة. في الوقت نفسه، تحاول الحصول على قبول الأطراف المعنية بالخطوط الرئيسية للصفقة، قبل الإعلان الرسمي عنها، قطعاً للطريق على احتمال الإعلان المبكر لفشلها.
وتحاول عزل الجانب الفلسطيني وإضعافه، من خلال نزع ورقة القوة العربية من يده، بحيث تتحول موافقة الدول العربية على الصفقة إلى ورقة ضغط على الفلسطينيين أنفسهم. كما أن روح الأداء الأمريكي مبني على فرض “الإملاءات” وبناء الحقائق على الأرض، أكثر من إدارة مفاوضات تنتهي بتوافق الأطراف الأساسية.
ولذلك سعى الأمريكان لحسم مصير القدس من خلال اعترافهم بالقدس عاصمة لـ”إسرائيل”، ونقل سفارتهم إليها؛ وكذلك سعوا لإضاعة حقّ اللاجئين الفلسطينيين في العودة، من خلال إغلاق الأونروا ومشاريع التوطين.
ويسعى الأمريكان إلى تحقيق “التطبيع” العربي مع “إسرائيل” قبل إتمام مشروع التسوية، كما يسعون إلى حرف بوصلة الصراع مع العدو الصهيوني، عبر إنشاء تحالف عربي – إسرائيلي، في مواجهة الجمهورية الاسلامية وما يسمى “التطرف الإسلامي”، وتيارات الإصلاح والتغيير في المنطقة، بما يضمن بقاء واستقرار الأنظمة السياسية المتوافقة مع السياسة الأمريكية من جهه بينما يتم تضييع ما كان يُعدُّ عقبات كبرى في طريق التسوية مثل حقوق اللاجئين، ومستقبل القدس، والسيادة الكاملة على الأرض للفلسطنيين من جهة اخرى.
غير أن صفقة القرن تعاني في هذه الأيام من مصاعب حقيقية، ومن حالة تَعثُّر، جعلت الأمريكان يؤجلون الإعلان عنها عدة مرات خلال هذا العام، كان آخرها قول ترامب يوم 26/9/2018 أنه سيؤجل إعلانها لعدة أشهر. ويعود ذلك إلى حالة الإجماع الفلسطيني على رفضها، وإلى تراجع الحماسة العربية تجاهها، وربط الدول العربية موافقتها بموافقة الفلسطينيين، وسحب الملك سلمان ملف “الصفقة” وقضية فلسطين من يد ابنه محمد. هذا، بالإضافة إلى ارتباك السياسة الأمريكية الخارجية.
ولعل مسيرات العودة الكبرى التي نفذتها القوى الإسلامية والوطنية في قطاع غزة، على مدى أسابيع متواصلة، منذ 30/3/2018 وحتى الانتصارات الاخيرة في قطاع غزة قد أسهم بشكل مهم في إيجاد بيئة غير مؤاتية لتمرير “الصفقة”. إذ إن حالة الغضب والإحباط والمعاناة في القطاع قد وُجِّهت نحو العدو الإسرائيلي؛ ولم تنفجر في وجه حماس ومشروع المقاومة، بعكس رغبة الأطراف المشاركة في الحصار، التي كانت تضغط باتجاه انهيار “حكم حماس”. وكما كانت هذه المسيرات رافعة شعبية وإعلامية لقوى المقاومة؛ فقد تحولت إلى أَرَقٍ ومخاوف إسرائيلية من اختراق فلسطيني شعبي للحدود، فضلاً عن الحرائق والخسائر التي تسببت بها الطائرات الورقية والبالونات الحارقة. هذا بالإضافة إلى ظهور الوجه الإسرائيلي بأبشع صورة، نتيجة عمليات القتل المتعمد وإطلاق الرصاص على المدنيين واخرها الانتصار العسكري من خلال الرد الحاسم من قبل فصائل المقاومة عبر صليات الصواريخ النوعية والدقيقة في التوقيت والاماكن المستهدفة داخل الكيان..
وبالتأكيد، فإن السلوك الأمريكي بنقل السفارة الأمريكية للقدس، أوجد أجواء شعبية واسعة معادية للسياسة الأمريكية، وغاضبة على حالة الضعف العربي والإسلامي، التي لم تفعل شيئاً جاداً لمواجهتها.
كل ذلك أسهم في إيجاد أجواء محرجة وغير مناسبة للبلاد العربية، للسير قُدُماً في موضوع الصفقة؛ وهو ما دعا دولاً كالسعودية ومصر والأردن أن تطلب من الأمريكان تأجيل الإعلان عن الصفقة، (حسب تسريبات لصحيفة إسرائيل هايوم .
أن سيطرة المقاومة الأسلامية (حماس) على القطاع، تفرض نفسها على أي حسابات أو ترتيبات راهنة وتعطّل أي مسار للتسوية السلمية، سواء وفق رؤية السلطة في رام الله أو وفق الرؤية الأمريكية حسب صفقة القرن. إذ إن هذه القوة ليست مجرد قوة شعبية مدنية، ترى أنها تمثل إرادة الشعب الفلسطيني في مناطق السلطة بناء على انتخابات المجلس التشريعي؛ وإنما تملك قوة عسكرية على الأرض، تمكنت من خوض ثلاثة حروب كبيرة مع الاحتلال حققت فيها صموداً وإنجازاً نوعياً، كما تمكنت من الصمود في وجه الحصار الخانق نحو 11 عاماً. وهي في الوقت نفسه ترفض التسوية السلمية والاعتراف بـ”إسرائيل”، وتسعى لتحرير كل فلسطين وما نتج عن حرب اليومين اوجدت المقاومة اسلوبا في الحرب هو (الردع مقابل الردع).
وعلى ذلك، فإن حماس بالنسبة للاعبين الكبار جمعت “إشكاليتين”؛ الأولى: أنها تتبنى المقاومة المسلحة، والثانية أنها محسوبة على تيار “الإسلام السياسي”.
وأن صمود قوى المقاومة في القطاع، وافشالها العقوبات والحصار، وانطلاق مسيرات العودة الكبرى، منذ أيار 2018. جعل الكيان الإسرائيلي امام خيارين اما ان تسير الأوضاع نحو الانفجار والفوضى والانهيار، أو الدخول في الحرب .
وبعد الحرب جاء انتصار المقاومة الذي اربك الحسابات الامريكية والاسرائيلية وسيؤدي الى الكثير من التغيرات على الساحة الداخلية والخارجية بالشكل الذي سيعطل حسابات الكيان ومشاريعه.

الخلاصــــة:-
وأخيراً، فقد استعصى قطاع غزة على مسار التسوية، وهو من باب أولى يستعصي على صفقة القرن. وقد أدى الصمود والإبداع الفلسطيني عبر المسيرات والتصدي العسكري إلى إرباك البيئة الساعية لإنفاذ التسوية أو الصفقة. ويبدو واضحاً أن الصفقة لن تمر في القطاع، طالما بقيت القوى الإسلامية المقاومة تقوده. غير أنه في المقابل، لا يتوقع أن يرفع الحصار تماماً عن القطاع، طالما بقيت هذه القوى تقوده أيضاً، وطالما بقيت البيئة الفلسطينية المنقسمة على حالها، والبيئة العربية محكومة بأنظمة تربط مصالحها بالأمريكان أو معادية لقوى المقاومة وتيارات الإسلام السياسي. وهو ما يعني أن حالة ” التدافع” ستستمر في القطاع في المدى المنظور.

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا