التداعيات الجيوسياسية للانتخابات النصفية الأمريكية

1157

الأستاذ كاظم الحاج

مقدمة :-
نتائج الانتخابات النصفية للكونغرس ومجلس النواب، اظهرت سيطرت الديمقراطيين على مجلس النواب (( مجلس النواب = 435 مقعد منها 218 للديمقراطي و193 للجمهوري؛ مجلس الشيوخ- الكونكرس- = 100 مقعد منها 51 للجمهوري و45 للديمقراطي)) بينما ازدادت افضلية الجمهوريين داخل الكونكرس بشكل طفيف.
سيطرة الديمقراطي على مجلس النواب وتقاسم مجلس الشيوخ، سيكون بداية على مواجهة ورفض اولويات السياسة الداخلية و الخارجية التي يتبعها ترامب، خصوصا في ظل المواجه الحتمية بين الحزبيين قبل سباق الانتخابات الرئاسية في 2020،وهذا الانتصار الديمقراطي سيكبل عمل الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة في النصف الثاني من ولايته حتى العام وتعهدت زعيمة الديمقراطيين في مجلس النواب نانسي بيلوسي «بإعادة الضوابط والمحاسبة التي نص عليها الدستور على إدارة ترامب».
لذلك ستكون هناك تداعيات جيوسياسية لنتائج هذه الانتخابات، ومن ابرزت الملفات التي ستتأثر نتيجة لذلك هي:-
اولا / التداعيات الاقتصادية ( تغيير طفيف ):-
الكونكرس المسيطر عليه بفارق قليل لصالح الحزب الجمهوري، سوف يساعد بعدم إمكانية إجراء تحقيقات أكثر عمقا بشأن السلطة التجارية التي يمارسها ترامب. ويرجع سبب ذلك عدم تمكن الديمقراطيين، الذين شنوا حملة لمعارضة سياسة ترامب في المجال التجاري، بالتأثير على قرارات المجلس، وخلال الأشهر القليلة الماضية، شهد الكونغرس العديد من المقترحات التي تركز على السلطة التجارية الممنوحة لترامب بموجب المادة 232 من قانون توسيع التجارة لسنة 1962. ووفقا لهذه المادة، «يمارس الرئيس الأمريكي سلطته لفرض تعريفات كمركية ونظام حصص على نطاق واسع، تحت ذريعة الأمن القومي»، لكن التغير الطفيف المتوقع ان يحدث في سياسية ترامب التجارية، هو ان تمرير التشريعات التنفيذية لأي من الاتفاقيات، التي قد يتفاوض حولها تتطلب موافقة مجلس النواب الذي سيطر عليه الديمقراطيون.
لذلك ترامب بعد الانتخابات لا يستطيع تنفيذ تهديده بانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية دون إبرام اتفاق بديل، فضلا عن فرضه تعريفات جمركية على السيارات القادمة من شركائه التجاريين في أمريكا الشمالية، لانه ستكون هناك معارضة تسقط مثل هذه القرارات داخل مجلس النواب.
لذلك، سيتمكن مجلس النواب، الذي سيطر عليه الديمقراطيون، من تعزيز موقفه خلال مطالبته للبيت الأبيض بإجراء مفاوضات تجارية تتماشى مع الأولويات التي تحددها سلطة ترويج التجارة الممنوحة

للرئيس، بما في ذلك الدفع لاعتماد معايير عمالة ومعايير بيئية مرتفعة، والتي تتقاطع مع سياسة ترامب بخصوصهما، وكنتيجة لهذا الواقع الجديد من غير المرجح أن يعمد الديمقراطيون إلى عرقلة الموافقة على الاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، لكن مخاوفهم قد تكون لها تأثير على الصفقات التجارية التي يحاول البيت الأبيض استخدامها مع الاتحاد الأوروبي واليابان والمملكة المتحدة، والتي تتطلب دعما من الحزبين.
ثانيا / التداعيات السياسية:-
على الرغم من تمتع الكونغرس بنفوذ محدود على السياسة الخارجية الأمريكية، إلا أن هناك عددا من المجالات التي يمكن لتدخله فيها أن يُحدث بعض التغييرات اعتمادا على نتائج الانتخابات الاخيرة والتي تحتاج الى دعم الحزبين، واهم الدول التي ستتأثر بشكل او اخر هي :-
•على روسيا:-
سيخضع البيت الأبيض لمزيد من التدقيق لتحديد مدى التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية لسنة 2016، التي تعد عقبة مستمرة في علاقة إدارة ترامب مع الكرملين، الان ان اتفاق الحزبين فيما يخص دعم مراقبة النشاط الروسي في الخارج وفرض عقوبات على موسكو نتيجة حروبها الإلكترونية التي تشنها، سيستمر، الا ان توجه ترامب للانسحاب من اتفاق حظر انتشار الاسلحة النووية حتما سيواجه معارضه من الجمهوريين.

•على الصين:
قبل الانتخابات حظي هجوم ترامب الواسع على الصين بدعم المجلسين، اما بعد الانتخابات وبسيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب، سيخضع البيت الأبيض لمزيد من المتابعة لتندرج مساعي الكونغرس وقضية التجارة والاستثمار الصينيين في الولايات المتحدة، خاصة في مجالات حساسة مثل التكنولوجيا، ستخضع لمزيد من الرقابة والقيود مما سيجعل الصين تبتعد عن الالتزام بالمزيد من التعريفات الجمركية التي فرضتها عليها امريكا.
•على ايران ومحور المقاومة:-
اما فيما يخص السياسية الخارجية الامريكية تجاه ايران فهناك اتفاق شبه كامل بين الحزبين عليه نتيجة الضغط الصهيوني، وكنتيجة لذلك لن يكون هناك تغيير كبير تجاه ايران خصوصا في مسألة العقوبات احادية الجانب تجاه إيران، والجدير بالذكر أن جميع القرارات التي تندرج في إطار سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران تقع ضمن نطاق السلطة التنفيذية، وهذا الامر يشمل محور المقاومة كدول وفصائل مقاومة.
•على السعودية:-
بعد اقترابهم من عدد مقاعد الجمهوريين من المتوقع أن يشغل الديمقراطيون بعض المناصب المهمة في الكونغرس على غرار قيادة لجنة القوات المسلحة ولجنة الاعتمادات في مجلس النواب، وهو ما سيضع المشرعين في الحزب في موقف قوة لتحدي البيت الأبيض حول مسائل كانوا قد عارضوها سابقا.
حيث ساند السيناتورين الديمقراطيين البارزين بوب مينديز وكريس

مورفي، الذيْن أُعيد انتخابهما، تشريعا يسعى إلى الحد من مبيعات الأسلحة للسعودية. وقد سبق للنائبة المنتخبة حديثا عن الحزب الديمقراطي في ولاية مينيسوتا، إلهان عمر، انتقاد صفقات بيع الأسلحة الأمريكية إلى السعودية طوال حملتها الانتخابية. وضمت لائحة مناهضي تجارة الأسلحة الأمريكية النائب الذي أنتُخب حديثا ومساعد كاتب الدولة الأمريكي السابق المكلف بالديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل، توم مالينوفسكي، الذي مثل صوتا قويا ضد تسليح بلاده للسعودية في حربها على اليمن.
وبعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي، لم يتبق سوى عدد قليل من الديمقراطيين المدافعين عن محمد بن سلمان، وبعد انتهاء الانتخابات النصفية، سيكون الكونغرس مضطرا وليس حرا في قراره (كما قبل الانتخابات) بإعادة التركيز على سياسة السعودية الذي هو احد ,اهم توجهات اعضاء الحزب الجمهوري.
حيث سيدفع الجمهوريون الكونغرس إلى مراجعة مدى تعاون الولايات المتحدة الأمريكية مع السعودية في حربها على اليمن. ومن المحتمل أن تسفر هذه المراجعة عن فرض بعض القيود على السياسة الأمريكية على الأقل، وذلك بعد أن فشلت عملية تصويت سابقة في آذار/ مارس الماضي في الحد من المساعدات الأمريكية للنظام السعودي، على الرغم من دعم الحزبين لهذا القانون. وستؤثر هذه التحركات التي تسعى لمعاقبة المسؤولين السعوديين،الى تأخير أو إلغاء صفقات الأسلحة، فضلا عن عرقلة التعاون الهادف لتطوير برنامج نووي سعودي.

ثالثا / التداعيات العسكرية
من المقرر أن يشغل الديمقراطيون بعض المناصب المهمة في الكونغرس على غرار قيادة لجنة القوات المسلحة ولجنة الاعتمادات في مجلس النواب، وهو ما سيضع المشرعين في الحزب في موقف قوة لتحدي البيت الأبيض حول مسائل كانوا قد عارضوها سابقا. ويشمل ذلك زيادات إضافية في الإنفاق الدفاعي، وخطط المضي قدما في إنشاء فرع عسكري يعرف باسم «قوة الفضاء»، وتدخل أمريكي عسكري أكبر في الخارج، وتوسيع لنطاق القوة النووية.
علاوة على ذلك، ومع انقسام الكونغرس بين الحزبين، يصبح من المحتمل أكثر أن يتداخل الجمود السياسي مع وضع ميزانيات الدفاع والعودة الممكنة للاعتماد المفرط على القرارات المدمرة بشكل مستمر، لا سيما وأن سقف الإنفاق التلقائي من المقرر أن يعود في السنة المالية 2020. ومن شأن هذه العملية المدمرة أن تُعقّد الجهود الأمريكية لتحويل تركيزها الاستراتيجي بسلاسة من الحرب العالمية على الإرهاب إلى منافسة القوة العظمى المعلنة مع كل من الصين وروسيا.
معارك الإنفاق والتشريع المقبلة:-
من المرجح أن يؤدي الخلاف بين الحزبين إلى إخراج مشاريع القوانين عن مسارها من أجل تمويل جوانب أخرى من الحكومة وإظهار مجموعة واسعة من القضايا التي قد تؤدي إلى مواجهة محتملة بين ترامب والكونغرس. وستزيد المواجهة المتواترة بين الديمقراطيين والرئيس الأمريكي، حول تمويل الجدار الحدودي، من خطر إغلاق الحكومة.

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا