ما آليات التعامل بالدولار والارتباط بالمنظومة المالية العالمية وهل يمكن التحول نحو التعامل بعملات أخرى وما معوقاتها في الوضع العراقي ؟

1194

لمحة تاريخية
اُستخدم الذهب كعملة للتداول حيث كانت تُسك النقود من الذهب كعملة معدنية وفق وزن محدد يطلق عليه المحتوى المعدني أو الذهبي للعملة وعلى أساس هذا المحتوى يتم تحديد معدل صرف العملة مقابل العملات الأخرى، أوقفت دول العالم العمل بهذا النظام بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى بسبب استخدام أرصدتها الذهبية في الإنفاق على الحرب
بعد الحرب العالمية الثانية بدأ دور الولايات المتحدة يبرز بقوة أكثر حيث خرجت معظم الدول من الحرب لا تملك أرصدة ذهبية وبخزائن فارغة وباقتصاديات منهكة ومدمرة، في حين تجمّع لدى الولايات المتحدة أكبر رصيد للذهب.
فاجتمعت 44 دولة بقيادة الولايات المتحدة لمناقشة كيفية العودة لنظام الذهب مرة أخرى لضمان الاستقرار النقدي والاقتصادي، فتمخض عن الاجتماع إنشاء نظام “يريتون وودز” والذي اقر ربط العملات بالذهب من خلال الدولار الأمريكي.
حيث تستخدم دول العالم الدولار الأمريكي كعملة احتياط أي كغطاء بدلاً من الذهب لإصدار ما تحتاج إليه من عملاتها الوطنية، وإذا احتاجت تلك الدول إلى الذهب يمكنها أن ترسل احتياطياتها الدولارية إلى الولايات المتحدة ليتم استبدالها بالذهب، مقابل التزام الولايات المتحدة بتحويل كل ما يقدم إليها من دولارات إلى ذهب عند سعر صرف ثابت هو 35 دولارًا للأوقية.
في عام 1971م طالب الرئيس الفرنسي تشارل ديغول بتحويل الدولارات الأمريكية الموجودة لدى البنك المركزي الفرنسي إلى ذهب (طالب بتحويل 191 مليون دولار إلى ما يقابلها من الذهب، وكان سعر الأونصة 35$)، عملًا باتفاقية Bretton Woods التي تسمح بذلك؛ كشف هذا التوجه الفرنسي عن عجز الولايات المتّحدة عن تحويل أي دولارات أمريكية إلى الذهب، مما دفع الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى إصدار بيان في عام 1973 يلغي فيه التزام الولايات المتّحدة بتحويل الدولارات الأمريكية إلى ذهب، عُرفت لاحقًا باسم Nixon Shock أو صدمة نيكسون.وهكذا، تحوّل الدولار إلى أضخم عملة نقدية احتياطية أجنبية على مستوى العالم بدون غطاء ذهبي له، حيث صارت جميع الدول مرغمة على التعامل به بالإضافة إلى كونه العملة الرئيسية التي يتم تحديد باقي العملات بناءً عليها.. مما رسّخ الهيمنة الأمريكية على اقتصاد العالم.

ارتباط المنظومة المالية العالمية بالدولار:-
بعد ان خُدعت دول العالم بالوهم الامريكي بربط عملاتها بالدولار برزت امريكا كقوة عظمى في كل المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية عالميًا، وبسبب تخلف الدول عن اللحاق بأمريكا اقتصاديًا وعدم الاستقرار في دولها في تلك الفترة اختارت أن تربط عملاتها بالدولار من أجل تحقيق الاستقرار لأسعار الصرف ولأنه لم يكن أمامها خيار آخر بعد إنهاك اقتصادها بسبب الحرب ونفاذ خزائنها من الذهب.
الأمر الآخر الذي ساهم في هيمنة الدولار على العالم هو تطور صناعة النفط والتي استحوذت أمريكا عليها في دول الخليج الفارسي من خلال عقود واتفاقيات تمنحها امتيازات التنقيب واستخراج النفط في أراضيها منذ اكتشاف النفط فيها،.
و أصبح الدولار عملة التسعير لأهم سلعة وهي النفط فضلاً عن الذهب وغيرها من المواد الخام الأساسية في العالم
ومن الأسباب الأخرى التي تجعل الدولار عملة عالمية أيضًا أن لها قبول عالمي بين الدول والمستثمرين في العالم بسبب قوة الاقتصاد الأمريكي، ويكتسب الدولار قوة أكثر كعملة احتياط في أسواق الدين والاستثمار المتسعة عالميا، وكذلك يعد الدولار الملاذ الآمن للمستثمرين حول العالم في حال حدوث أزمة مالية، حيث تعد السيولة غير العادية التي تتميز بها أسواق الدين الدولارية من أهم الخصائص التي تميز الدولار، كما أن سندات الخزانة الأمريكية تعد من أهم الأصول المالية التي يتم التعامل بها بين المستثمرين الدوليين.
كما يقوم الدولار الأميركي بدور عملة الاحتياطي العالمي حيث تحتفظ البنوك المركزية في معظم دول العالم باحتياطيات كبيرة من الدولارات الأميركية لتلبية احتياجاتها من السلع والخدمات المستوردة، وبذلك يستولي الدولار على ثلثي احتياطيات النقد الأجنبي في العالم و80% من مبادلات سعر الصرف الأجنبي.
ونجد أن أكثر من 50% من صادرات العالم يتم دفع قيمتها بالدولار بما فيها البترول، إذ تسعر كافة دول منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) نفطها بالدولار الأميركي .

هل يمكن التحول نحو التعامل بعملات أخرى وما معوقاتها في الوضع العراقي
مقومات قوة الدولار:
رغم إلغاء الارتباط بين الدولار والذهب قد أدى إلى صعود متزايد لعملات دول أخرى، فإن تلك العملات لم تستطع الوصول إلى مستوى الدولار الأمريكي. وتمثلت أهم مقومات احتفاظ الدولار بمركزتيه وقوته في الأسواق العالمية فيما يلي:
1- سهولة التحويل: ويرجع ذلك إلى تعدد الأدوات المالية المتاحة بالدولار، التي يمكن تحويلها إلى سيولة مالية بأي عملة بصورة فورية، بالإضافة إلى أن تذبذبات قيمة الاحتياطيات النقدية بالدولار، لا تكون بصورة كبيرة نتيجة الثبات شبه النسبي في أسعار الدولار؛ ما يمنحها درجة عالية من الأمان.
2- كثافة التداول: يعد الدولار على رأس العملات المستخدمة في التجارة العالمية؛ إذ يُستخدَم الدولار في نحو 90% من العقود التجارية على مستوى العالم، أي ما يقدر بنحو 5 تريليونات دولار يوميًّا، كما يدخل في تعاملات البورصات المالية العالمية بكثافة قدرها 87% من التعاملات، فيما يستخدم اليورو في نحو 33% من التعاملات.
3- استقرار الاحتياطي النقدي: حيث تقدر نسبة الاحتياطي النقدي بالدولار في البنوك المركزية العالمية بما يزيد عن 62%، وذلك حسبما جاء في أحد التقارير الصادرة عن صندوق النقد الدولي، فيما يحتل اليورو المركز الثاني في الاحتياطيات النقدية، بفارق كبير بينه وبين الدولار؛ إذ يسجل نحو 23% من مجمل الاحتياطي النقدي العالمي.

4- الثقة العالمية: يعد الدولار العملة الأكثر قبولاً في التعاملات التجارية والمالية العالمية، مقارنةً بأي عملة أخرى أو حتى الذهب والمعادن الثمينة. ويرجع ذلك إلى ديناميات استقرار التعاملات بالدولار على مدار فترة زمنية طويلة، ومحدودية الأزمات النقدية العالمية التي ترتبت على التعامل بالدولار مقارنةً بالذهب أو غيره من وسائط القيم المقبولة عالميًّا، فضلاً عن ثبات قيمة الدولار، وعدم تعرضها للتذبذب الناتج عن التغيرات المستمرة في العرض والطلب، بالمقارنة بالعملات الأخرى.

اذا أي عملة تمتلك هذه المواصفات او اعلى مستوى منها مدعومة باقتصاد قوي وحماية عسكرية دولية وليست إقليمية او محلية ممكن ان تكون عملة بديلة عن الدولار، وهذا امر صعب جدا، في ظل الظروف الدولية الحالية.

معوقات التحول نحو التعامل بعملات أخرى لدى الصين :-
الاقتصاد الصيني يتمتع بعدد من المؤشرات المرتفعة، كما يتمتع بقدر كبير من المرونة؛ ما أتاح له مواجهة العديد من الأزمات الاقتصادية، وتعد الصين المنافس الأول لتجارة الولايات المتحدة الأمريكية، كذلك قامت الحكومة الصينية، في إطار حملتها ضد ما أطلق عليه “الأمركة’ أو “الهيمنة الأمريكية’، بالضغط على الشركات الصينية الحكومية والخاصة من أجل التعامل باليوان في التعاملات الخارجية، فاضطرت نحو 70 ألف شركة صينية إلى التعامل بالعملة المحلية بدلاً من الدولار، كما تم عقد معاهدات مع عدد من الدول للتعامل بعملاتها المحلية في إطار الصفقات التجارية. يأتي على رأس تلك الدول اليابان، وروسيا، والهند، والبرازيل، والسعودية، والإمارات.
إلا أن دورها العسكري المحدود للغاية في خارج القارة الآسيوية وهو ما انعكس على محدودية المجال الحيوي للاقتصاد الصيني خاصةً إذا ما قورن بالمجال الحيوي للاقتصاد الأمريكي، كما أن الأسواق الصينية تميل إلى الانغلاق ومنع المنتجات الأجنبية من الوصول إلى أسواقها والمؤسسات الأجنبية؛ للحفاظ على تسويق منتجاتها المحلية، فلا تزال تضع العديد من القيود على المؤسسات الأجنبية، كما لا تزال الدولة المتحكم الرئيسي في تدفقات رأس المال من وإلى الدولة.
يعتقد أن الصين لا تريد منافسة الولايات المتحدة على صعيد الاحتياطي النقدي على قدر ما تريد الوصول إلى ما يعرف “بتدويل العملة” بمعنى الاعتماد على العملات المحلية في التعاملات التجارية بين الدول دون اللجوء إلى الدولار، وهو ما يصاحبه إمكانية اختراق المنتجات الصينية رخيصة الثمن لمختلف الأسواق العالمية، وزيادة كثافة التجارة بين الصين ومختلف دول العالم، فيما قد يؤدي تحول العملة الصينية إلى عملة احتياطيات عالمية إلى نتائج عكسية، مثل ارتفاع سعر العملة، ومن ثم ارتفاع أسعار الصادرات، وفقدانها المزايا التنافسية في مواجهة السلع والمنتجات المشابهة التي تنتجها الدول الأخرى، وهي النتائج التي تتحسب لها الصين بالحفاظ على سعر عملتها في مستويات منخفضة بالمقارنة بالعملات الأخرى.
معوقات التعامل بغير الدولار في الوضع العراقي: –
اولا / العراق لا يمتلك احتياطي من الذهب يؤهله لتغير التعامل بعملات اخرى غير الدولار والتي تتطلب وجود غطاء ذهبي.
ثانيا / ضعف البدائل النقدية اي حجم الاحتياطي للعملة البديلة للدولار في البنك المركزي او استثمارات العراق الخارجية واهما التي تكون على شكل سندات.
ثالثا / عدم الاستقرار السياسي والضعف الاقتصادي لا يؤهل العراق لدعم احتياطه النقدي البسيط وانتشار التعامل بالدينار العراقي او اي عملة بديلة اخرى مقارنة بدول الجوار او العالم.
رابعا / عدم قدرة العراق على التأقلم مع الأزمات المالية والتحولات العالمية المتتابعة في حال التعامل بغير الدولار فمن غير المعروف ما هو مدى الأمان والضمان الذي تتمتع بها العملة البديلة أيا كانت، واحتماليات تذبذب قيمتها مستقبلاً، فضلاً عن المخاطر غير المستبعدة لشن امريكا حربا اقتصادية وربما عسكرية ضد اي توجه ومن اي دولة تحاول ايجاد بديل عن الدولار.

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا