مع اقتراب الانتخابات النيابية.. مجلة أمريكية: العراق مستعد دائماً للوصول إلى نقطة التأزم

1322

فورين أفيرز الأمريكية

بدأت في 14 نيسان الجاري الحملة الانتخابية لانتخابات 12 أيار المقبل النيابية العراقية، رغم أن العراق خرج منذ فترة ليست بالطويلة من دائرة الخطر بسبب تهديدات داعش، لكنها ليست المرة الأولى التي يخوض فيها عراق ما بعد صدام حسين انتخابات في ظل ظروف غير طبيعية، والتجارب الماضية بينت أن العراق مستعد دائماً للوصول إلى نقطة التأزم.

الخبيرة بشؤون العراق في جامعة “ييل” الأمريكية، إيما سكاي، تشير في مقال لها نشرته في مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية إلى أنه بعد هزيمة القاعدة في العام 2010، بدا العراق وكأنه قد انتهى من الحرب الطائفية، وأن الانتخابات “التي جرت في آذار من ذلك العام” تستطيع أن تضع العراق على مسار سلم راسخ، لكن الأوضاع تدهورت بعد الانتخابات، وفي تلك الانتخابات، حصدت قائمة إياد علاوي أكبر عدد من الأصوات، لكن الولايات المتحدة الأمريكية أصرت على دعم نوري المالكي، الذي كان يرأس ائتلاف دولة القانون في تلك الانتخابات.

وتقول سكاي، التي عملت طويلاً لصالح الحكومة الأمريكية في العراق: “كانت إدارة أوباما ترى أن المالكي مؤيد لأمريكا وأنه سيسمح ببقاء جزء صغير من القوات الأمريكية في العراق”، وتوضح أن تلك الإدارة كانت تظن أيضاً أن “الإبقاء على الأمر الواقع هو أسرع طريقة لتشكيل الحكومة العراقية قبل انتخابات الكونغرس الأمريكي”، لكن ذلك القرار فشل في تحقيق أهدافه وعاد العراق مرة أخرى ليغرق في وحل الطائفية.

ويمضي المقال إلى الاستنتاج بأنه بعد أن استغرق تشكيل الحكومة العراقية فترة طويلة، ضربت إيران ضربتها وطلبت من القيادات الشيعية الرئيسة أن تشترط على المالكي طرد جميع القوات الأمريكية من العراق لقاء حصوله على دعمهم لولايته الثانية.

في الدورة الثانية لحكم المالكي تعرض قسم كبير من المجتمع العربي السني إلى الإهمال والتهميش، وأدت الحرب الأهلية في سوريا والصراع الإقليمي بين إيران ودول الخليج وتركيا إلى احتدام الصراع بين حكومة الأغلبية الشيعية والعرب السنة في العراق، في ظروف كتلك، ظهر داعش من خلال بقايا القاعدة في العراق.

وبعث سقوط خلافة داعش أملاً جديداً في عراق ما بعد الانتخابات، لكن “سكاي” تنبه إلى أن الفصائل الجهادية السنية “لا تشكل التحدي الوحيد الذي يواجه تقدم العراق، بل إن الشريحة الفاسدة السياسية ونظام الحكم الداعم لنخبة سراق ثروة البلد يشكلان خطراً طويل المدى على استقرار العراق”.

المشهد السياسي الحالي للعراق

ترى الباحثة الأمريكية أن المشهد السياسي الحالي في العراق أكثر تشظياً من المشهد السابق، لكن وجوه الماضي ما زالت تسيطر على المشهد، فعلى الجبهة الشيعية، شكل العبادي والمالكي قائمتين من حزب الدعوة، واتحد رئيس منظمة بدر، هادي العامري، مع الجماعات السياسية المقربة إلى الحشد الشعبي، ويرأس كل من مقتى الصدر وعمار الحكيم حزبه.

وتعتقد “سكاي” أن الكورد، بسبب استفتاء أيلول 2017، باتوا في أضعف أحوالهم منذ سقوط نظام البعث، وتقول إن “الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني ليسا (قديرين) ولم يعد الشباب يثقون بهما، وخسر الكورد المناطق المتنازع عليها، وتم خفض حصة إقليم كوردستان (من الموازنة العامة العراقية) من 17% إلى 12.6%”.

وألَّف السنة والعلمانيون العراقيون ثلاث قوائم رئيسة، يرأس إحداها الرئيس السابق لجمعية الهلال الأحمر العراقي، جمال الكربولي، ويرأس أخرى الرئيس السابق لمجلس النواب العراقي، أسامة النجيفي، أما أياد علاوي فقد شكل القائمة العربية السنية الثالثة بالاشتراك مع كل من صالح المطلك وسليم الجبوري.

وتشير كاتبة المقال إلى أن العبادي لديه حظوظ قوية على الورق ليفوز بولاية ثانية، لأن “العرب يعتبرون العبادي الشخص الذي هزم داعش، ودفع الكورد إلى التراجع واستعاد كركوك وأخضعها لسيطرة الحكومة المركزية، وكرئيس للحكومة العراقية حافظ على التوازن بين أمريكا وإيران، وفي نفس الوقت حسن العلاقات بين العراق ودول الخليج، ويدعم الجماعات السنية والشيعية المعتدلة”، وترى “سكاي” أن هذه خطوات من شأنها أن تخفف من الطائفية في العراق.

ورغم كل نقاط القوة هذه، تؤكد “سكاي” على أن رئيس الوزراء العراقي الحالي يعاني من نقاط ضعف يمكن أن تثير القلق، ومنها “أن الحملة الانتخابية للعبادي هزيلة لا تدعو للارتياح”، مع أن العبادي يسيطر على الوسائل الحكومية وإعلام الدولة ويحظى بتأييد شخصيات قوية داخل حزب الدعوة.

وترى كاتبة المقال أن العبادي ينتهز كل الفرص لتصوير المالكي على أنه سبب إفلاس الحكومة وظهور داعش، لكن العبادي حتى الآن يفتقر إلى برنامج للإصلاح الاقتصادي وإعادة هيكلة المؤسسات العامة، ولم تسفر محاولات العبادي السابقة عن شيء في هذا المجال.

أضف إلى هذا، فقد كان تقارب العبادي عند بداية إعلان القوائم، مع فصائل الحشد الشعبي، بمثابة دق ناقوس خطر للأطراف غير الشيعية، رغم أن الفصائل التابعة للحشد الشعبي أعلنت انسحابها من ائتلاف العبادي بعد 24 ساعة على تشكيله، إلا أن “سكاي” تعتقد أن تلك الخطوة (التي كانت تهدف إلى سحب البساط من تحت المالكي) أساءت إلى صورة العبادي لدى القوى العراقية المعتدلة.

ويقول المقال إن المالكي مصر على منع تمكين العبادي من تولي رئاسة الوزراء لولاية ثانية، “ولهذا فإنه تقرب إلى إيران أكثر، ويريد الاتفاق مع الجماعات الشيعية الموالية لإيران”.

ومع أن الزعيمين يريدان بقاء منصب رئيس الوزراء عند حزب الدعوة، لكن “سكاي” تقول إن المالكي يريد لنفسه السلطة الحاسمة في تحديد رئيس الوزراء العراقي القادم، لا أن يتولى المنصب بنفسه.

أفضل الطرق

تعتقد “سكاي” التي عملت سنةً كمنسقة بين أمريكا ومحافظة كركوك، أن على أمريكا أن لا تكرر خطأ العام 2010 القاتل، بل عليها أن تدعم تشكيل حكومة ائتلافية تتكون من القوى الشيعية المعتدلة، وبعض القوى الكوردية والسنية.

وتؤكد الباحثة الأمريكية على أن تشظي الساحة السياسية العراقية “يوفر الفرصة لتشكيل حكومة ائتلافية من المكونات المختلفة، في وقت يحتاج فيه العراق إلى تغيير الحكم الطائفي الحالي بحكومة تستطيع تحقيق التغيير والإصلاح السياسي والاقتصادي الحقيقيين”.

لكن هذا التشظي الذي تشهده الساحة السياسية يمكن أن يمهد لسيطرة تحالف الجماعات السياسية المتشددة المقربة من إيران، وترى كاتبة المقال أن بإمكان إدارة ترمب أن تقرب بين القوى الكوردية والقوى العربية السنية والقوى الشيعية المعتدلة لمواجهة هذا الخطر.

يتزامن موعد انتخابات مجلس النواب العراقي مع الموعد المحدد لاتخاذ إدارة البيت الأبيض قرارها بشأن بقاء الولايات المتحدة أو انسحابها من الاتفاقية النووية مع إيران، وتقترح إيما سكاي على الإدارة الأمريكية أن لا تنسحب من الاتفاقية لأن ذلك سيزيد من عدد هجمات الفصائل الشيعية على القوات الأمريكية في العراق، وسيزيد أيضاً من مطالبات الزعماء الشيعة بانسحاب القوات الأمريكية من العراق، وقد يؤدي إلى قيام إيران مجدداً بتوحيد شيعة العراق لمواجهة “الخطر الأمريكي”، وعندها سيبدأ سيناريو جديد شبيه بسيناريو العام 2010، ونتيجة هذا السيناريو ستكون كارثية بالنسبة لكل من أمريكا والعراق.

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا