سوريا النووية ليست ايران

784

صحيفة هآرتس الأسرائيلية
24-3-2018
الأمر لم يقتض أكثر من خمس ساعات من أجل أن يتطور النشر المتأخر للعملية العسكرية الدراماتيكية ـ تدمير المفاعل النووي في سوريا في 2007 ـ إلى فصل جديد في المسألة الكبرى التي تحوم فوق إسرائيل في الوقت الحالي: هل بنيامين نتنياهو ملاك أم شيطان؟ شخصية رئيس الحكومة الحالي تثير الآن مشاعر شديدة جدا، من جانب مؤيديه ومعارضيه على حد سواء، حتى أن نقاشاً تاريخياً حول الهجوم الذي حدث قبل أكثر من عقد عندما كان نتنياهو رئيسا للمعارضة، يتم النظر اليه على ضوء التداعيات المتخيلة لمكانته.
الادعاءات تنقسم بصورة ثنائية تامة بدون أدنى قدر من النظرة الحكيمة. إذا تبين أن إيهود أولمرت تصرف كما يجب في علاجه للمفاعل السوري، فإنه من الواضح ضمنا أن نتنياهو فشل في تعامله مع التهديد النووي الإيراني. وبالعكس، إذا كان نتنياهو هو زعيم مشبوه، فمن هنا ما تم بثه وما كتب في العناوين حول القصف في سوريا يعبر عن احتفال مبالغ فيه وزائد.
أولمرت كرئيس حكومة متغطرس وجديد أظهر في حرب لبنان الثانية سلوك مغامر خطير وجر إسرائيل إلى فشل عسكري مؤلم. بعد مرور سنة واجه بنجاح كبير تهديداً غير متوقع وقاد عملية تنفيذية واستخباراتية معقدة، حققت الهدفين اللذين وضعهما لنفسه، تدمير المفاعل مع منع الحرب. مرت سنة أخرى واضطر إلى الاستقالة من منصبه بضغط تحقيقات الرشوة ضده، وأخيرا تم إرساله إلى السجن. كل فحص لشخصيته كزعيم يجب أن يأخذ في الاعتبار كل هذه المركبات، وأن لا يلغي أياً منها بصورة كاملة الانطباع الذي تتركه أعماله الأخرى.
ولكن المقارنة مع الأقوال الكثيرة والأفعال القليلة لنتنياهو في القضية الإيرانية هي أمر مشوّه من الأساس. المشروع النووي الإيراني شكّل تحدياً أكثر تعقيدا، فهو يمتد على مساحة مواقع كثيرة وعلى بعد مضاعف من البعد بين إسرائيل والمفاعل الذي بنته كوريا الشمالية في دير الزور لنظام الاسد. أولمرت في قرار المهاجمة في سوريا حظي بميزتين أخريين لم تكونا بحوزة وريثه نتنياهو، عندما يدور الحديث عن الهجوم في إيران. الرئيس بوش أعطاه فعليا الضوء الاخضر للقصف ورؤساء الأجهزة الأمنية في إسرائيل أيدوا قراره، حتى لو أن الامر تم بتردد.
نتنياهو متشائم في ما يتعلق بنوايا أعداء وجيران إسرائيل، ومتحفظ في خطواته لأنه على الاغلب هناك فجوة كبيرة بينها وبين خطاباته الواثقة. ولكن حذره في استخدام القوة العسكرية يستحق التقدير. في المحيط الخطير الذي تعمل فيه إسرائيل من السهل جدا جرها إلى حرب غير ضرورية.
منذ رفع الحظر عن نشر الرواية الإسرائيلية حول تدمير المفاعل السوري جرى نقاش مستعر حول مسألة اعتبارات الرقابة العسكرية. وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان حتى أنه عبّر في ما بعد عن الندم لأنه لم يوقف قرار الرقابة بالمصادقة على النشر. يبدو أن جزءاً كبيراً من الانتقاد الموجه لرئيسة الرقابة العسكرية، العميد أريئيلا بنت ابراهام، يكتنفه عدم فهم الحقائق الاساسية. جزء آخر كما يبدو نبع ببساطة من الموقف السياسي. قضية «حيز الانكار» سبق وصفها مطولا: قبيل قصف المفاعل توصلوا في الاستخبارات العسكرية إلى استنتاج بأنه إذا امتنعت إسرائيل عن التطرق للقصف ولم ترش الملح على جراح بشار الاسد فيمكن للرئيس السوري الحفاظ على كرامته تحت غطاء الضبابية والامتناع عن رد عسكري من شأنه أن يقود إلى حرب. هذا التقدير تحقق بشكل كامل، لكنه كان متعلقا بفرض تعتيم إعلامي شديد في إسرائيل في الاشهر التي أعقبت الهجوم.
ولكن السياسة التي كان يمكن بشكل ما الدفاع عنها في 2007 (بصورة غير مرضية للصحافيين) تحولت إلى تبرير مشكوك فيه في 2012 (عند نشر التقرير الموسع في المجلة الأمريكية «نيو يوركر»، الذي استند في اجزاء واسعة منه إلى شخصيات إسرائيلية رفيعة المستوى)، وأصبح غير معقول تماما في العام 2017. رئيسة الرقابة تعاملت مع تهديدين متوازيين: التماس المراسل رفيف دروكر الذي طلب المصادقة على بث الفيلم في القناة 10 واستكمال السيرة الذاتية لإيهود أولمرت. صحيح أن قضاة المحكمة العليا رفضوا التماس دروكر، لكنهم طلبوا من الرقابة إعادة فحص موقفها طبقا للتطورات (بهذا ضمنوا رقابة قضائية مستمرة على سياستها). وخلافا للادعاءات التي قيلت أول من أمس فإن الرقابة لم تسمح بالنشر الآن من أجل تسويق بيع كتاب أولمرت، بل أجلت إصداره لأشهر إلى حين السماح بالنشر.
في هذه الاثناء زادت التقارير في وسائل الاعلام الاجنبية حول هجمات جوية نسبت لإسرائيل في سوريا ضد قوافل سلاح لحزب الله، وفي عدد من الحالات ايضا اعترفت إسرائيل بتنفيذ هذه الهجمات. رئيس قسم الاستخبارات في هيئة الاركان، الجنرال هرتسي هليفي خفف وفقاً لذلك معارضة جهازه لنشر قضية المفاعل. رئيسة الرقابة مطت القرار النهائي لبضعة أشهر، الاعلان الاول لوسائل الاعلام حول امكانية رفع الحظر أُعطي في تشرين الأول/اكتوبر الماضي، ومرت خمسة أشهر حتى موعد النشر نفسه.
عدد من الردود الانتقادية على النشر أمس يثير التساؤل. لقد كان هنا خليط فيه القليل من الاستغراب من الادعاءات، التي بعضها يناقض البعض الآخر. لقد تم طرح ادعاءات بأن الاحتفال الاعلامي حول الهجوم مبالغ فيه لأن في الحقيقة لا يوجد فيه أي جديد، وأن النشر سيتسبب بأضرار أمنية كبيرة، حتى أن الامر يتعلق بمؤامرة لتسويق كتاب أولمرت، شاركت فيها رئيسة الرقابة العسكرية ودار النشر «يديعوت سفاريم» ووسائل إعلام (معظمها منافسة لصحيفة يديعوت أحرونوت).
من الصعب تجاهل الدافع السياسي الذي يقف من وراء جزء كبير من هذه الانتقادات، التي يبدو أنها جاءت خشية من أن كل معلومة تعرض أولمرت بشكل جيد، وهو رئيس الحكومة الفاسد الذي أصبح مستقبله السياسي من خلفه، ستسلط الضوء بشكل معين على أداء الساكن الحالي في المقر الرسمي في شارع بلفور. ردود مؤيدي نتنياهو البائسة وجدت دعماً آخر لها بصيغة الاعلان المقتضب الذي أصدره رئيس الحكومة في الظهيرة، والذي فيه ثناء قليل على نجاح الحكومة (أي حكومة؟) والجيش والموساد قبل عشر سنوات في دير الزور. البرودة القطبية التي هبت من هذه الاقوال تدل على كيف تم استقبال النشر حول المفاعل في مكتب نتنياهو.
عمليا، يبدو أن الدولة والرقابة كجسم مهني مؤهل من قبلها، تمسكتا على مدى سنوات بالموقف الرافض الذي تحول إلى متصلب جدا للدفاع، ومشكوك فيه أن هذا الموقف كان سيصمد فترة طويلة أمام اختبار المحكمة العليا. ومنذ اللحظة التي تم فيها اعطاء المصادقة المبدئية، اتخذت الرقابة مقاربة متشددة ـ حسب رأي كثير من المراسلين هي مبالغ فيها بصورة واضحة ـ عندما فحصت تفاصيل الاخبار التي قدمت لها. من المعقول أن الضرر الامني، إذا وجد شيء كهذا مثلما يدعي الان ليبرمان، لم يكن بسبب التقارير التي معظمها تم فحصها مطولا وبالتفصيل قبل النشر. وإذا حدث ذلك، فقد حدث خلال الجولة المتعبة في البث الحي مع كل أبطال القضية التي تم افتتاح قنوات الاذاعة والتلفاز بها. هناك حرر الكثير من الذين أُجريت معهم المقابلات تفاصيل كثيرة شطبت في السابق من قبل الرقابة في التقارير السابقة. التفكير بأنه يمكن السيطرة لفترة طويلة وبشكل كامل على المعلومات التي تخرج الآن إلى الضوء، كان خاطئا من البداية.
في أثناء ذلك تطور تبادل الاتهامات بين شخصيات رفيعة المستوى سابقة في جهاز الامن. لسبب ما تموضع الموساد في موقف المتهم بقوله («كان هناك فشل استخباراتي»)، والاستخبارات العسكرية تموضعت في موقف الدفاع («المفاعل اكتشف بفضل الاستخبارات الممتازة»). وكأن المسؤولية عن عدم اكتشاف الخطر في سوريا على مدى بضع سنوات لا يتوزع بين الجهازين. في حين أن الحرب على من ينسب له الفضل ومن هو المسؤول عن نجاح العملية، ذكر بالكتاب الجديد لآساف عنبري «الدبابة»، الذي فيه يتجادل بشكل متحمس خمسة من قدامى حرب الاستقلال في مسألة من منهم أطلق النار وأوقف الدبابة السورية في مدخل كيبوتس دغانيا. بعد يوم من البث الماراثوني، تم مساء أول من أمس في القناة 10 بث التحقيق المثالي لدروكر حول قضية المفاعل. من البرنامج ظهر أن دروكر يوافق على موقف أولمرت في الخلاف مع وزير الدفاع في حينه إيهود باراك، الذي تلوى في نهاية المقابلة مع دروكر، لقد ظهر ذلك مثل النهاية، نهاية أخرى في حياته السياسية الطويلة. من جهة أخرى، دروكر سمّى الكتاب الذي كتبه حول أيام باراك في الحكومة «هاريكاري» ـ باراك كما هو معروف حسّن مكانته في النهاية وعاد ليشغل منصب وزير الدفاع.
من عرف ومن لم يعرف؟
أحد الأسباب التي أدت إلى الاكتشاف المتأخر نسبيا للمفاعل في سوريا، قبل حوالي نصف سنة من مهاجمته، وقبل وقت قصير من تشغيله، يتعلق بالسرية الشديدة التي اتبعها الرئيس ورجاله حول التعامل مع المشروع. أولمرت يقول إنه في إسرائيل كان هناك حوالي 2500 شخص شاركوا في التحضير للقصف، في الاجهزة الأمنية وفي المستوى السياسي الذين وقعوا على نماذج «الشركاء في السر» وتعهدوا بعدم نشر المعلومات. في المقابل، في سوريا عرف عدد قليل من الاشخاص عن المشروع، وجميعهم كانوا على علاقة مباشرة مع الرئيس. رئيس الاستخبارات في وقت الهجوم، الجنرال احتياط عاموس يادلين، قال أمس في مقابلة مع راديو «كان» إن الاسد لم يطلع تماما عدداً من كبار رجاله الذين لم يعرفوا أي شيء عن المشروع.
بنظرة إلى الوراء، تحليل كشف المعلومات في إسرائيل، كما نشر هذا الاسبوع، يظهر أنه كان هناك دمج ناجح بشكل خاص بين أذرع الاستخبارات التي عملت في مستويات مختلفة: جمع تكنولوجيا بوسائل متعددة، عمليات استخباراتية هجومية وعملية بحث وتحليل. إن البحث عن دلائل لوجود محتمل لمشروع نووي سوري بدأ بصورة موازية من قبل رجال التحقيق في الاستخبارات العسكرية وفي الموساد، في أعقاب المفاجأة التي أثارها كشف المشروع النووي في ليبيا في كانون الأول/ديسمبر 2003. الاختراق حققه أحد الباحثين في الاستخبارات العسكرية، الذي نشر تحليلاً مستقلاً له بمصادقة رؤسائه بعد ثلاث سنوات. المكعب، مبنى المفاعل، تم تشخيصه بفضل تمشيط دقيق لصور الاقمار الصناعية من قبل رجال الاستخبارات العسكرية. والمسدس المدخن، صور المفاعل من الداخل، تم الحصول عليه (حسب التحقيق في مجلة «نيو يوركر») بواسطة اقتحام رجال الموساد لغرفة الشخصية السورية الكبيرة، ابراهيم عثمان، في فيينا، وأخذ الصور من حاسوبه. وهذه عملية لم تعلن إسرائيل المسؤولية عنها في أي يوم.
في العقد الاخير بشكل خاص، زادت إسرائيل استثماراتها الكبيرة في الوسائل وفي الاشخاص، في مجال المخابرات التكنولوجية، في عمليات التنصت، في الاستخبارات التشخيصية والسايبر، الذي تطور إلى جهاز كبير بحد ذاته في كل الاجهزة الامنية. هذه المجالات أصبحت تحظى بالتدريج بأفضلية في الموارد مقارنة مع المجالات الاكثر تقليدية مثل الاستخبارات الإنسانية التي يتم فيها تشغيل العملاء. داخل الاجهزة الأمنية يجري نقاش منذ فترة طويلة حول مسألة تدرج الاولويات الصحيح في الاستثمار في المجالات المختلفة. أيضاً على خلفية الجهود البارزة التي يبذلها الاعداء ـ بدءاً بإيران وحتى حزب الله وحماس ـ لإخفاء نشاطاتهم عن أنظار إسرائيل.
إحدى المسائل الدراماتيكية (والمؤلمة جدا) في تاريخ الاستخبارات الإسرائيلية تتعلق بتشغيل الجاسوس المصري أشرف مروان، صهر الرئيس جمال عبد الناصر ومدير مكتب الرئيس السادات، والانذار الذي نقله عشية اندلاع حرب يوم الغفران.
إن الخلاف حول كيفية التعامل مع الانذار، وهل كان الجاسوس الذي شغله الموساد عميلاً مزدوجاً يشغل حتى الآن قدامى رجال المخابرات. ولكن القدرة على الاستعانة بالمعلومات الإنسانية (في ظروف نادرة، وحتى في المحيط القريب للزعيم المعادي) بقيت حاسمة. هناك تفاصيل معلومات وتقديرات لا يمكن لأي تكنولوجيا أن تحصل عليها، يبدو أن الخلطة الاستخباراتية ستستند إلى الأبد على فسيفساء مكونة من قدرات متنوعة.

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا