خطاب بوتين في الجمعية الفدرالية الروسية … عودة القطبية في النظام الدولي

1551
MOSCOW REGION, RUSSIA DECEMBER 22, 2017: Russia's President Vladimir Putin at the Peter the Great Strategic Missile Forces Academy. Valery Sharifulin/TASS (Photo by Valery SharifulinTASS via Getty Images)

مثل السلوك العسكري الامريكي في الآونة الاخيرة تحدياً جدياً لروسيا ، وتمثل هذا السلوك باتخاذ حزمة من الاجراءات العسكرية التي تعبر عن رغبة امريكية في فرض قوتها على دول العالم ولاسيما روسيا ، ولعل من أهمها :
أولاً : أعلن البيت الابيض الاستراتيجية النووية الجديدة للولايات المتحدة الامريكية بتاريخ 2/2/2018 ، واعتبرت روسيا ذلك خروج امريكا من اتفاقية الحد من الاسلحة النووية الاستراتيجية. واعتبرت العقيدة الامريكية أن القدرات العسكرية المتنامية لروسيا ، فضلاً عن امكانيات الصين وكوريا الشمالية وإيران ، تشكل التهديد الخارجي الرئيس لأمن الولايات المتحدة.
ثانياً : في الاسبوعين الماضيين تم نشر منظومة دفاعية صاروخية أمريكية وأجهزة رادار حديثة جدا من خلال حلف الناتو في رومانيا وبولندا والاسكا ما اعتبرته روسيا تهديداً مباشراً لها . تراقب هذه الرادارات في الاسكا وبولندا ورومانيا مسارات الصواريخ التي يمكن أن تطلق من الأراضي الروسية ومن المناطق الواقعة تحت سيطرة الغواصات الروسية في القطب الشمالي ، بمستطاع منظومة محطات الرادار الامريكية التحذير من أي هجوم صاروخي ومن ثم إعطاء الأوامر للصواريخ الاعتراضية .
ثالثاً : صدرت في الاسبوع الماضي تصريحات من ان امريكا زودت 20% من ميزانية مشروع حرب الكواكب ، وهو أسم لمبادرة الدفاع الاستراتيجي وتم من قبل الرئيس الامريكي الاسبق رونالد ريغان في 23 اذار / مارس 1983 لاستخدام الارض والنظم الفضائية لحماية الولايات المتحدة من هجوم بالصواريخ الباليستية النووية الاستراتيجية ، وأصبحت ميزانيتها 7,5 مليار دولار والسنة القادمة سوف تصبح 8 مليار دولار .
رابعاً : فشل الولايات المتحدة في السيطرة على سوريا كان عاملاً اساسياً في هذا الموضوع . و ظهور طائرة السوخوي 57 في سورية قد يصبح رادعاً لطائرات الدول المجاورة التي تحلق بشكل دوري في سورية ، وهي من الجيل الخامس وهي من الطائرات الفائقة في القدرة العسكرية والقدرات الالكترونية في الحرب الحديثة وهو نوع من استعراض القوة . شرعت شركة ” سوخوي ” في تطويرها منذ العام 1990 لصالح القوات الجوية الروسية . وهي مزودة بمجمع الكترونيات الطيران من النوع الحديث تماماً ، حيث أجرت الطلعة الأولى في العام 2010 .
خامساً: كان من المفترض ان تكون العلاقات الروسية الامريكية جيدة على وفق ما طرحه الرئيس الامريكي ترامب في حملته الانتخابية لتحسين العلاقات ورفع العقوبات عن روسيا ويبدو ان هذا الاتجاه في توجهات الدولة العميقة في الولايات المتحدة الامريكية والمجمع الصناعي العسكري واللوبي الصهيوني ( ايباك ) الذي كان يضغط على حلفاء الولايات المتحدة الامريكية ودول حلف شمال الاطلسي لفرض العقوبات والاصطدام بالجانب الروسي لاسيما في جورجيا واوكرانيا .. وقد صرح ترامب في اكثر من مناسبة اثناء حملته الانتخابية انه معجب بالرئيس الروسي بوتين وسوف يساعدنا بتدمير تنظيمات داعش كون تلك التنظيمات هي صناعة ( امريكية ) قام بتأسيسها كل من اوباما ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون لذلك بدأ بالضغط (ايباك) على الرئيس الامريكي ترامب بتغيير البوصلة باتجاه التصعيد مع روسيا من خلال اتهام روسيا بالتدخل في الانتخابات الامريكية وتشكلت على ذلك لجنه خاصة برئاسة مولر وتضغط هذه اللجنة بشكل كبير على الرئيس الامريكي ونجحت في تحجيم دور كوشنير .
وجاء خطاب الرئيس الروسي امام الجمعية الاتحادية ( الجمعية الفدرالية الروسية ) ، وهو خطاب سنوي نصّ عليه الدستور الروسي وهو يعطي لمحة عن الاهداف الداخلية والخارجية للسياسة الروسية في السنوات المقبلة ، في 1 اذار / مارس 2018 ، ليكشف عن جزء من الاسلحة الاستراتيجية الجديدة للرد على أي تهديد لأمنه القومي ، و بقاء روسيا قوة نووية عظمى رغم محاولات اضعافها . وأشار إلى أنه يملك صواريخ لا يمكن اعتراضها من أي دولة في العالم ، وكشف عن ثلاث منظومات من الاسلحة لا يمكن كشفها او اعتراضها هي :
سارمات بدأوا باختبار منظومة صاروخية مجهزة بصاروخ جديدة (سارمات ) وزنة 200طن ومداه غير محدود .
افانغارد وكينجال الاسلحة الاستراتيجية التي لامثيل لها في العالم بحسب وصف الرئيس بوتين .
ومنظومة مائية ( غواصات – الدرون النووية ) جديدة غير مأهولة ( تحرك ذاتياً ) تحمل صواريخ نووية.
ماذا يكمن وراء هذا الخطاب :
الاشارة الى التفوق العسكري وتمثل ذلك بتصريحه بالدفاع عن روسيا وحلفائها. وحذر الرئيس الروسي من مغبة مهاجمة حلفاء روسيا وقال : ” إن بلاده ستعتبر أي هجوم بالسلاح النووي على أحد حلفائها هجوماً عليها وأنها سترد فوراً على هذا الهجوم ” مضيفاً أن ” روسيا لا تنوي مهاجمة أي دولة أخرى ” . و وصف بوتين كذلك العقيدة النووية الامريكية بالمقلقة ، وقال : ” إن منظمة حلف شمال الاطلسي تبني دفاعات على الحدود الروسية ولكن الصناعات الروسية ستجعل من تلك الدفاعات دفاعات غير فعالة”.
علّق بوتين على العملية العسكرية الروسية في سورية قائلاً : ” العملية العسكرية الجارية في سورية تظهر زيادة قدرات روسيا الدفاعية والعالم يعرف الان كل اسماء اسلحتنا الرئيسة ” .
التهيئة للانتخابات أو دعاية انتخابية جيدة . وقال بوتين في هذا الصدد : ” مهما كان الرئيس المنتخب في روسيا علينا معرفة التحديات التي تواجه بلادنا ولا يجب التأخر في المجال التقني لأن ذلك يؤثر على أمن الدولة ” . مضيفاً أن ” التغييرات في العالم تحمل طابعاً سريعاً وذلك يتطلب منّا الرد ” وأن ” التأخر عن العالم هو التهديد الأكبر الذي تواجهه روسيا ” .
وعطفاً على النقطة اعلاه هناك بُعد اقتصادي مهم يتمثل في أن تطوير الروس لمنظومة الدفاع الروسية سوف يعوّض روسيا اقتصادياً عن انخفاضات عائدات البترول وبذلك يحاول الرئيس الروسي طمأنة المواطن الروسي بمكانته أمنياً واقتصادياً وسياسياً. وربما يعمد بذلك على امكانية تجهيز الحلفاء بمثل هذه المنظومات لقاء مبالغ تعزز ميزانية روسيا .
تتمثل العقيدة العسكرية الروسية بحسب الخطاب في أن روسيا تبقي حقها في استخدام السلاح النووي ضدها أو ضد أي من حلفائها. وهذا يذكرنا بالالتزامات المتبادلة التي وردت في المادة الرابعة من حلف وارسو
رفض الاوربيون والامريكان الانصات لروسيا ، وقال بوتين : ” إن روسيا ردت بعد عامين ناشدت خلالهما الولايات المتحدة عدم انتهاك المعاهدات الموقعة بين البلدين سالت 1 وسالت 2 لتخفيض الترسانة الصاروخية التي يمتلكها البلدين .
رسالة الى الولايات المتحدة من أن ليس الولايات المتحدة هي القطب الاوحد . دخلت دول جديد على الساحة الدولية متمثلة بدول ( البريكس) ولاسيما روسيا والصين فمنذ الاجتماع الاول اكدوا على الوقوف بوجه الهيمنة الاحادية مواجهة ويبدو ان الصين بدأت بالمواجهة المباشرة ضد الولايات المتحدة الامريكية الى جانب روسيا من خلال المناورات المباشرة والسيطرة على المياه التي تدعي اليابان انها جزء من مياهها الاقليمية .
رد البنتاغون جاء من ( دانا وايت) المتحدثة الرسمية باسم البنتاغون على تصريحات الرئيس الروسي ، التي قالت ” ان هذه المنظومات الدفاعية مع حلف الناتو في رومانيا وبولندا والاسكا ومن قبلها في كوريا الجنوبية واليابان هي لردع الخطر القادم من كوريا الشمالية وايران وليس المقصود به روسيا اطلاقاً ” .
ويبدو ان هذا التبرير مجانب للحقيقة لاسيما ان الجمهورية الاسلامية في ايران ليس مجاوره لهذه الدول وانما هذه الدول متاخمه بالحدود مع روسيا بشكل مباشر كما ان الازمة بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية بدأت بينهما مفاوضات قد تؤدي الى انحسار الازمة بين البلدين وهذا يعني في التحليل الاخير ان المعني في هذا التصعيد هي روسيا التي ردت رد مباشر من خلال خطاب الرئيس الروسي الاخير .
أثارت تصريحات الرئيس بوتين المتعلقة بالأسلحة التي كشف عنها الراي العام الامريكي ولاسيما الوسائل الاعلامية في الولايات المتحدة الامريكية واثارت الرعب والهول والذهول والمفاجئة بينها حتى انها عبرت عن تلك الاسلحة بأسلحة ( يوم القيامة ) .
سباق للتسلح وعودة للحرب الباردة
يبدو ان العلاقات الدولية ولاسيما بين الولايات المتحدة الامريكية وروسيا التي كانت سائدة في بداية ستينيات القرن الماضي في العودة الى سباق التسلح وتغيير اولويات الولايات المتحدة الامريكية من التركيز على الجانب الاقتصادي وادامة دولة الرفاه الى سباق التسلح وهذا يمكن ان يكلف الولايات المتحدة الامريكية الشيء الكثير ويساهم في ارهاق الميزانية الامريكية بأعباء اضافية ولاسيما ان الدين الامريكي وصل الى اكثر من عشرين ترليون دولار وهو يفوق كل الناتج القومي الامريكي الذي يبلغ 16 ترليون دولار .
أن تطوير الاسلحة في روسيا هي من أجل روسيا وحلفائها . للحفاظ على السلم والامن العالمي، وان تطوير اسلحة جديدة بسبب خروج الولايات المتحدة عن اتفاقية الحد من انتشار الاسلحة النووية ، وبلغت ميزانية وزارة الدفاع 760 مليار دولار مقارنة بولاية الرئيس الامريكي بيل كلنتون إذ كانت 220 مليار دولار

ان التصعيد الروسي الجديد ربما يقود الى تقارب بين روسيا والاتحاد الاوربي الذي يرفض التصعيد الامريكي والعقوبات المفروضة على روسيا والتي تمس بشكل مباشر الاتحاد الاوربي وتفتح افاق جديدة امام الشركات الامريكية للتمدد بدل الشركات الاوربية ولذلك فان التفاوض وتطبيع العلاقات من مصلحة روسيا والاتحاد الاوربي .
هل هذا يعني امكانية الصدام بين الولايات المتحدة الامريكية وروسيا ؟
لا يوجد صدام حقيقي بين الطرفين وانما هناك عسكرة لدول حليفة للولايات المتحدة بالمقابل أعلن بوتين عن حزمة من الاسلحة النووية الجديدة الغرض الرئيس لهذا الاعلان هو وضع الغرب في زاوية حرجة حتى يأتوا الى طاولة المفاوضات . كما انه هناك انشقاق في الرأي الغربي حول التصعيد العسكري الامريكي الروسي فاغلب اعضاء حلف الناتو لا يرغبون في هذا التصعيد .
الصدام العسكري ربما يكون في شبه الجزيرة الكورية او في سورية ، لان تجارب الحرب الباردة تؤكد ان سباق التسلح لم يؤد إلى مواجهة نووية بل تفريغ الصراعات في الدول الاقليمية ، وقد يضع ذلك الشرق الاوسط لاسيما ( سورية وايران ) في صراعات معقدة بسبب هذا التصعيد .
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا