استراتيجية خيار التوجه شرقًا _ “الصين نموذجًا” .. قراءة في عدة تجارب دولية

103

 محمد حسين سبيتي

تشهد العديد من دول العالم انفتاحاً واسع النطاق على الصين وخصوصاً الدول النامية، فيما تعمد بكين إلى التعاون مع هذه الدول بكافة الطرق المناسبة والسلمية أبرزها تقديم المساعدات المباشرة وغير المباشرة وذلك منذ بداية نهضتها الاقتصادية وما زالت في إطار سياسة الصعود السلمي المرتكزة على الانفتاح الاقتصادي، على قاعدة الارتقاء من دون تدخلات عسكرية وحتى سياسية بخلاف النمط الإستعماري الذي تعتمده الولايات المتحدة الأمريكية في سياستها الاستكبارية بأوجهها المختلفة عبر التاريخ.

وفي الواقع، فقد شهدت العلاقات بين الصين وعدة دول في العالم تغيّرات بارزة خاصة في ظلّ نزوع الإدارة الأميركية إلى سياسة فرض العقوبات وشنّ الحروب على أكثر من محور، مما أدّى الى تفضيل العديد من الدول النامية مسار العلاقة مع الصين على العلاقة مع أميركا، وهذا ما سنسلّط الضوء عليه في بحثنا.

فقد عرفت العلاقات الصينية – الأفريقية خلال العقدين الأخيرين تطورات كبيرة شملت المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، فحجم هذه العلاقات وطبيعتها ومجالاتها قد تغيّرت إلى حدّ كبير منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، ولعلّ الشاهد الأساس على ذلك يتمثل بسنّ السلطات الصينية مع منتصف العقد الماضي «سياسة أفريقية جديدة».

لذلك توالت الزيارات والاتصالات الدبلوماسية بين القادة الصينيين وقادة عدد كبير من الدول الأفريقية، نتج منها إبرام اتفاقيات تجارية، وعقود عمل لإنجاز أشغال كبرى في مجال البنى التحتية، حتى غدت الصين الشريك التجاري الأول للقارة منذ عام 2013، متجاوزة كـلاً من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا.

وقد أكدت الصين في أكثر من مناسبة على نواياها السلميّة تجاه الدول الداعمة لها وذلك رداً على كل الإنتقادات الموجَّهة لها من بريطانيا أو أميركا أو فرنسا أو غيرها، بأن الصين تحاول أن تجعل من إفريقيا ساحة لها، وأن ما تقوم به هو نوع من أنواع الاستعمار.

ففي قمَّة طريق الحرير الأخيرة في بكين نيسان/ إبريل 2019، وكذلك قمَّة بريكس في جنوب إفريقيا 2018، أعلنت الصين مبدأ “إعمال الثقة المُتبادلة” ما بينها وشركائها، وأكدت فكرة الشراكة مع إفريقيا وخصوصاً بعد القمَّة الصينية الإفريقية في أيلول/سبتمبر 2018 المبنية على الندّية والمساواة، وأن إفريقيا ليست فقط منجماً للمواد الخام.

وفق هذا المنظور، تقوم الصين حالياً بتطوير المؤسّسات في عددٍ لا بأس به من الدول الإفريقية، وتنفيذ مشاريع البُنى التحتية التي تؤهّل هذه الدول لمستقبلٍ واعدٍ مع كل دول العالم، وليست مع الصين فقط.

ويشمل حضور الصين المتنامي في هذه البلدان، على سبيل المثال لا الحصر، التجارة وتطوير البنية التحتية والموانئ والشحن والتعاون المالي والسياحة والتصنيع.

وباعتبار أننا في لبنان أحوج ما نكون إلى الاستفادة من المشاريع الصينية التي باتت حاضرة في العديد من دول العالم دون الإضرار بمصالح البلاد الاستراتيجية، بل على العكس، فقد باتت البلدان المستفيدة من الدعم الصيني قادرة على التغلب على كثير من الصعوبات التي كانت تعترضها في سبيل تحقيق الاكتفاء الذاتي وصولًا إلى التنمية المستدامة والاقتصاد المستدام.

وعليه، كان لا بدّ من تسليط الضوء بشكل مختصر على بعض تجارب هذه الدول والنظر بشكل عميق في أهمية الاستثمارات الصينية فيها، ومدى قدرة هذه الدول على الاستفادة منها بل وتطويرها، عسى أن يلحق لبنان بركبها وهو أحوج ما يكون إلى ذلك في هذه المرحلة الحساسة من تاريخه حيث يعاني مشكلات بنيوية في كافة الميادين الاقتصادية والاجتماعية والخدماتية وغيرها.

على مدى العقدين الماضيين، ساعدت الصين في تلبية بعض احتياجات تمويل البنية التحتية في القارة الافريقية، فقد زادت بشكل استراتيجي من انخراطها في بلدان مثل مصر والجزائر والمغرب، وهي الآن أكبر مموّل للبنية التحتية الأفريقية، حيث بلغ عدد المشاريع الإجمالية الصينية في القارة الإفريقية 482 مشروعاً، وذلك بحسب إحصاء يعود لعام 2018.

هذا، وسجلت التجارة الصينية مع أفريقيا نمواً سريعاً منذ عام 2000 وحتى عام 2017، حيث ارتفع إجمالي حجم التجارة نحو 17 مرة، لتصبح الصين بذلك أكبر شريك تجاري لأفريقيا لـ9 سنوات متتالية.

وفي عام 2017، ارتفعت تجارة الصين مع أفريقيا بنسبة 14٪ على أساس سنوي، لتصل إلى 170 مليار دولار أمريكي، واستمرت وتيرة النمو السريع حتى النصف الأول من عام 2018، في حين ارتفعت استثمارات الصين في أفريقيا بأكثر من 100 مرة منذ عام 2000 وحتى نهاية عام 2017.

وانتشرت المشاريع الصينية الصخمة في أكثر من 20 دولة افريقية، حيث تمتلك أكثر من 10 آلاف مصنعًا انتاجيًا في هذه الدول، لتشكل بذلك 12 % من مجمل الإنتاج في القارة بما يعادل 60 مليار دولار سنويًا.

وتتوزع معظم المشاريع الممولة في القطاعات التالية: النقل والشحن والموانئ (52.8%)، الطاقة (17.6%)، العقارات (14.3% بما ذلك العقارات السكنية والصناعية والتجارية)، التعدين (7.7 %).

على مستوى البنية التحتية، كان تشييد البنية التحتية إحدى الأولويات في التعاون الصيني الأفريقي. ونذكر، على سبيل المثال، خط سكة الحديد الذي أنشأته الصين لربط نيروبي ومومباسا ويبلغ طوله 480 كيلومتراً، مما قلّل من الوقت الذي يستغرقه السفر بين أكبر مدينتين في كينيا إلى النصف وخلق نحو 46000 وظيفة.

كما ساعدت الصين في إنشاء أول سكة حديد مكهربة عبر الحدود في أفريقيا، والتي توفر لإثيوبيا غير الساحلية الوصول السريع إلى الميناء البحري في جيبوتي.

وتواصل الصين توسيع نطاق التعاون في مجال الاستثمار والتمويل مع إفريقيا، وتلتزم بتقديم قروض بمليارات الدولارات إلى افريقيا _في إطار سياسة المعونات_ والتي تستخدم في بناء البنية التحتية فضلاً عن تطوير الزراعة والصناعة التحويلية.

وإليكم أبرز الدول الافريقية المستفيدة من الاستثمارات والمعونات الصينية، وهي: نيجيريا، جيبوتي، تنزانيا، الجزائر، ساحل العاج، تشاد، الغابون، المغرب، مصر، وغيرها.

*وفي هذا الإطار، لا بدّ من توضيح الالتباس عند البعض الذي قد يتصوّر أن الصين تقدّم قروضاً -برامج تمويل المشروعات- لهذه الدول مقابل شروط تمسّ يسيادتها. وعليه، ينبغي الإشارة إلى أن فكرة بنك آسيا الدولي للبُنى التحتية الذي أنشأته الصين تختلف عن فكرة البنك الدولي (المدعوم أميركياً)، نظراً لأن شروطه أبسط وفوائده أقل، ولا يخلّ بالسيادة الإقتصادية أو السياسية للدول، مُقارنة مع البنك الدولي، ويتشابه معه في هذا الطرح، صندوق طريق الحرير والذي طرحت فيه الصين أكثر من تريليون دولار، لدعم مبادرة الطريق والحِزام على مستوى العالم، وهذا يضع نقاط تفوّق للصين مقابل ما يُسمّى “السبع الكبار” والذين اعتمدوا مبدأ “الاشتراط السياسي” مقابل تقديم أي قرض أو مساعدة.*

هذا، وخطت الصين رحالها أيضًا في القارة الأميركية، لتقدم الدعم إلى دول أميركا اللاتينية، فأقدمت على تعزيز العلاقات مع هذه الدول خاصة على الصعيدين الدبلوماسي والاقتصادي، مما شكّل تحدياً بارزاً للولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر نفسها القوة المهيمنة على هذه المنطقة.

وبلغة الأرقام، استثمرت الشركات الصينية أكثر من 109 مليارات دولار في أميركا اللاتينية بين عامي 2000 و 2017، وارتفعت التجارة بين الصين وأميركا اللاتينية في من 12 مليار دولار في عام 2000 إلى حوالي 306 مليار دولار في العام 2018، وأصبحت الصين مستثمراً رئيسًا في المنطقة.

*ومن اللافت أن القروض الصينية للمنطقة تفوق 140 مليار دولار، وهو ما يتجاوز إجمالي القروض التي يقدّمها البنك الدولي وبنك التنمية للبلدان الأمريكية وبنك التنمية في أمريكا اللاتينية مجتمعة.*

ومن بين الـ 140 مليار دولار المذكورة أعلاه، خُصّصت 96.6 مليار دولار (68.5%) لمشاريع متعلقة بالطاقة، و25.9 مليار دولار (18.3%) لتطوير البنية التحتية، و2.1 مليار دولار (1.5%) لمشاريع التعدين، و16.2 مليار دولار (11%) لمشاريع أخرى (تشمل السندات الحكومية والتمويل التجاري، وتطوير الأعمال التجارية وغيرها).

وليس من قبيل المبالغة القول بأن بروز الصين كلاعب رئيسي في أمريكا اللاتينية قد ساهم في تقليل اعتماد دولها على الولايات المتحدة، وتنويع مصادر التمويل والاستثمار فيها، وفتح أسواق جديدة لصادراتها. فقد ساهمت الاستثمارات الصينية بالفعل في تنمية دول المنطقة، وزيادة حجم الطبقة المتوسطة، وخفض معدل الفقر في الإقليم خلال الفترة 2004-2013، كما ساهمت في خلق ما لا يقل عن 1.8 مليون فرصة عمل مباشرة خلال الفترة 1990-2016، وهو ما يعادل حوالي 4 بالمائة من إجمالي عدد فرص العمل التي تمّ توفيرها خلال تلك الفترة، وذلك وفقًا لبيانات منظمة العمل الدولية.

وهذه الفوائد المتحققة لدول أمريكا اللاتينية نتيجة الاستثمارات والتجارة مع الصين، تجعل دول المنطقة ترحب بالدور الصيني، وذلك بغض النظر عن طبيعة التيار السياسي الحاكم في تلك الدول، سواء كان اليمين أو اليسار.

*ومن الواضح أن الضغوط الأمريكية، حتى الوقت الراهن، لم تُؤتِ ثمارها بعد، ولم تنجح في تعديل سلوك دول المنطقة تجاه الصين؛ فالبرازيل التي كان من المرجح أن تُعيد صياغة علاقاتها مع الصين في عهد رئيسها اليميني “جايير بولسونارو”، الذي يُولي أهمية خاصة لتوطيد علاقات بلاده بالولايات المتحدة، استمرت في الترحيب بالاستثمارات الصينية، كما دعت الحكومة البرازيلية إلى زيادة حجم التبادل التجاري مع الصين التي تُعد أكبر شريك تجاري للبرازيل، منذ عام 2009، بحجم تجارة ثنائية بلغ حوالي 76 مليار دولار عام 2017، كما استثمرت بكين حوالي 124 مليار دولار في البرازيل منذ عام 2003.*

وفي السياق ذاته، تخطط كل من المكسيك والأرجنتين وشيلي للتعاون مع الشركات الصينية من أجل تحسين الأوضاع الاقتصادية فيها. ومن الواضح أنه في ظل تعثر النمو الاقتصادي في دول المنطقة، تزداد حاجتها إلى جذب المزيد من الاستثمارات الصينية.

عمومًا، من الملاحظ أن النسبة الأكبر من القروض الصينية في دول أميركا اللاتينية كانت من حصة مشاريع الطاقة والبنية التحتية، وفي دول القارة الأفريقية في البنية التحتية كذلك، والسؤال الذي يطرح نفسه هو “لماذا لبنان لا يستفيد من هذه القوة الاقتصادية التي عَبَرَت القارات بمعوناتها ومشاريعها ليتمكّن من معالجة بعض مشكلاته التي يعاني منها هيكلياً وتاريخياً خصوصاً في مجالي الطاقة والبنية التحتية؟”.

*لعلّ الجواب يأخذنا إلى مقاربة المعادلة التي باتت الدول الإفريقية الفرانكوفونية ترزح تحت سطوتها، والقائمة على محاولة فرنسا إلى الآن السيطرة على مُقدّراتها وعدم فسح المجال لأي قوى عالمية أخرى كالصين وغيرها، عقد أية صفقات تجارية كبيرة مع هذه الدول، من دون موافقة الخارجية والرئاسة الفرنسية!، وهذا المثال ينطبق أيضاً على ما تقوم به الإدارة الأميركية تجاه منطقتنا.*

*وفي هذا السياق، من المفيد الإشارة إلى المقاربة الثانية وهي أنه مع نشوب الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، عملت بكين على تعزيز علاقاتها مع بقية دول العالم، في محاولة من جانبها لتعويض الخسائر الاقتصادية التي مُنيت بها جراء الحرب التجارية مع واشنطن. لذا حوّلت وجهة وارداتها من بعض السلع الأولية من الولايات المتحدة إلى دول أمريكا اللاتينية ومن بينها فول الصويا. إذاً، هكذا تدير الصين حساباتها في إطار وضعيتها الاقتصادية والسياسية، باستبدال الوجهة واختلاق الفرصة المناسبة لذلك، فلماذا لا ندير وجهتنا إليها (الصين) والفرصة قد حانت؟.

مجلة العصر الدولية

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا