أزمة الصین والھند على ايقاع الحرب الباردة

48

سركيس ابوزيد

بين الصین والھند روابط اقتصادیة قوية، ومشاركة في مؤسسات إقلیمیة، مثل البنك الآسیوي للإستثمار في البنیة التحتیة، ومنظمات متعددة الأطراف مثل مجموعة “بریكس” التي تشمل البرازیل وروسیا والھند والصین وجنوب إفریقیا. وتُعتبر الصین ثاني أكبر شریك تجاري للھند. وخلال قمة في جنوب الھند في تشرین الأول ٢٠١٩، تعھد الرئیسان الصیني شي جین بینغ ورئیس الوزراء الھندي ناریندرا مودي بتطویر العلاقات بین البلدین وتكثیف التعاون عن قرب في العام 2020 في مجالات التجارة والوفود العسكریة وصولًا إلى الدراسات الأكادیمیة للروابط الحضاریة القدیمة. لكن مؤشرات التعاون المتزاید لم تستطع إخفاء المنافسة المتوسعة بین البلدین وعادت الخلافات والتوترات الى الواجھة. فللمرة الأولى منذ العام 1962 یشھد إقلیم لاداخ، في منطقة كشمیر المتنازع علیھا حیث یرابط الجیشان على طول ما یُعرف باسم “خط السیطرة الفعلیة” المتفق علیه بین الطرفین، مواجھة حامیة بین جیشي الدولتین في جبال الھیمالایا.

ولم تقتصر المواجھات على إقلیم لاداخ، إذ إندلع خلاف حدودي بین الھند ونیبال بسبب تدشین الھند طریقًا في جبال الھیمالایا قرب الحدود مع إقلیم التیبت الذي یتبع الصین، علمًا أن نیبال إعتمدت لسنوات طویلة على الواردات الھندیة، واضطلعت الھند في المقابل بدور نشط في الشؤون النیبالیة. إلا أن الوضع تبدل خلال السنوات الأخیرة مع تحرك نیبال بعیدا عن دائرة النفوذ الھندي ودخول الصین وسدھا الفجوة التي تركھا الإنحسار التدریجي للنفوذ الھندي عبر إستثمارات ومساعدات وقروض سخیة. وتنظر الصین إلى نیبال باعتبارھا شریكا محوریا في “مبادرة الحزام والطریق”، وترغب في ضخ إستثمارات في البیئة التحتیة النیبالیة في إطار خطط كبرى لھا لتعزیز نشاطاتھا التجاریة العالمیة. كما تساند الصین محاولات باكستان تدویل نزاعھا مع الھند حول جامو وكشمیر (الولایة الھندیة السابقة، والمنطقة التابعة للھند في كشمیر الطبیعیة).

تاریخیًا، أدى الخلاف الحدودي بین الصین والھند إلى إندلاع حرب شاملة في العام 1962، وقد شكل سببًا للصدامات الدائمة منذ ذلك الحین. لكن تُعتبر المواجھات العنیفة الأخیرة تصعیدًا خطیرًا، وأظھرت أن الإتفاقیات والبروتوكولات الحدودیة القائمة لیست فعالة، وأن المسؤولین الصینیین والھنود لا یحملون الرؤیة نفسھا حول المساحات الحدودیة المتفق علیھا وتلك المثیرة للخلاف. كما أثبتت أن العلاقة الصینیة ـ الھندیة، رغم جھود التعاون بین الطرفین، ترتكز على منافسة متزایدة قد تتحول إلى صراع حقیقي. بعبارة أخرى، قد یترافق ذلك الإشتباك الدموي في الھیمالایا مع
تداعیات واسعة على المعطیات الجیوسیاسیة في آسیا.

أسباب تصاعد حدة التوترات كثیرة، لكن التنافس على تحقیق الأھداف الاستراتیجیة ھو أصل ھذه الأسباب، وكلا الطرفین یُلقي باللوم على الآخر. ففي التنافس حول النفوذ خارجیا ما بین التنین الصیني والنمر الھندي یُعتبر أي نجاح تحققه الھند خسارة للصین والعكس صحیح.
فالنجاحات التي حققتھا بكین لجھة التمدد في بعض الأقطار الآسیویة والأفریقیة عبر منح القروض المیسرة، أو عبر مشروع الصین الطموح المعروف بـ”حزام واحد طریق واحد”، نظرت إلیھا نیودلھي كخسارة موجعة لھا، خصوصًا وأنھا سلبتھا نفوذًا في عدد من الأقطار المجاورة لھا، أو في بلدان ُعرفت تقلیدیا كمناطق للنفوذ الھندي مثل سریلانكا والمالدیف وبنغلادیش والنیبال ومیانمار وسیشیل. ومن الواضح أن الصین التي تواجه إنتقادات حادة من الرأي العام العالمي، وجدت نفسھا مضطرة إلى تبني مسار ھجومي من أجل تشتیت الإنتقادات والتھدیدات التي تواجه مكانتھا على الصعیدین الداخلي والخارجي. فأرادت تلقین الھند درسا لدعم مكانتھا الدولیة وإعادة بناء شرعیة نظامھا في الداخل. فالھند القویة اقتصادیًا وعسكریًا والمستقرة سیاسیًا واجتماعیًا، تشكل منافسًا للصین داخل آسیا. وكلما زادت قوة التحالفات والشراكات التي تشارك بھا الھند مع دول في آسیا والغرب، تضاءلت إحتمالات إقدام الصین على الضغط علیھا. ومن أجل ھذا، تدعم الصین باكستان، وسعت لتألیب جمیع الدول المجاورة للھند ضدھا. كما تسعى إلى كبح طموحات الھند على الساحة الدولیة عبر إعاقة جھود إنتسابھا إلى منظمات مثل مجموعة موردي المواد النوویة ومجلس الأمن.

كل ھذه التطورات تتسق مع التحركات التي تنتھجھا الصین على الصعیدین الاستراتیجي والتكتیكي، والتي شرعت فیھا بكین إعتبارا من أوائل العام 2020 ،لا سیما مع إنتقال تركیز واھتمام المجتمع الدولي بأسره إلى مجابھة جائحة فیروس  كورونا المستجد. وأبرز ھذه التحركات: النشاط العسكري البحري من جانب بكین في بحر الصین الجنوبي، الذي یتخذ منحى عدوانیا بصورة متزایدة في مواجھة الوجود العسكري البحري الأمیركي في ھذه المنطقة، مع إغراق أحد قوارب الصید الفیتنامیة، وإلحاق الأضرار بأحد حفارات النفط المالیزیة، فضلا عن تصعید الضغوط الدبلوماسیة واللھجة الخطابیة ضد تایوان. كما تستعین الصین بالمحفزات الاقتصادیة والإنسانیة في ترسیخ مبادرة “حزام واحد وطریق واحد”
عبر بلدان جنوب آسیا، لا سیما مع باكستان، وحیث تقف الھند عقبة كأداء على مسارات التجارة التي تحاول الصین الإستعانة بھا في السیطرة على المجریات الاستراتیجیة في القرن الحادي والعشرین. كما تحاول الحكومة الصینیة تحویل جزیرة صغیرة من جزر المالدیف إلى قاعدة لمباشرة العملیات الجویة العسكریة في المنطقة، تماما كما فعلت مع الجزر الإصطناعیة التي أقامتھا في بحر الصین الجنوبي. وبھذا المعنى، فإن الإشتباكات التي جرت، ولا تزال مستمرة بدرجة ما، في منطقة جبال الھیمالایا ھي معنیة في المقام الأول ببسط الھیمنة الكاملة على المحیط الھندي.

التصعید الصیني كان الخطوة الحاسمة، وھي الخطوة التي تعكس الأھداف الاستراتیجیة المتزایدة لدى الحكومة الصینیة، لیس في جبال الھیمالایا فحسب – أو قمة العالم كما یروق لھم تسمیتھا – وإنما على الصعید العالمي بأسره.

فالصین تشعر بالقلق من التقارب وزیادة التنسیق بین الھند والولایات المتحدة على مدار السنوات الخمس الماضیة. ویمكن القول إن الأزمة الصینیة – الھندیة على الحدود مرتبطة بتردي العلاقات الدبلوماسیة بین بكین وواشنطن. ولا تبدو الھند الدولة الوحیدة التي وجدت نفسھا محصورة في التوتر المشتعل بین الجانبین. فما تفعله بكین لقمع الإضطرابات في ھونغ كونغ، وأصوات الإعتراض داخل تایوان، أو ما تفعله من أجل فرض الإحتلال الكامل للتیبت لیس بالأمر الجدید أو المفاجئ. وإضافة لذلك، عمدت الصین إلى توریط أسترالیا في توتراتھا الأمنیة مع الھند بعد توقیع نیودلھي وكانبیرا إتفاقیة دفاعیة تتشارك القوات العسكریة في البلدین في منشآت داخل مضایق بحریة تنافس بكین بحدة للسیطرة علیھا.
وتنظر بكین إلى الإتفاق الھندي – الأسترالي باعتباره تھدیدا مباشرا لھا.

یرى البعض أن حلم الصین في تسیّد العالم وحتى إحتلال المرتبة الثانیة في الھیمنة على العالم بعد الولایات المتحدة، یبدو بعید المنال في ظل الأوضاع الجیوسیاسیة الراھنة. وما یدعم ھذا الإعتقاد التكتل المناھض للصین الذي نجح الرئیس الأمیركي دونالد ترامب في تكوینه رغم كل المصاعب التي یواجھھا في الداخل الأمیركي. فقد بدأت ألمانیا وبریطانیا وأسترالیا في تقلیص علاقاتھا مع الصین والعمل على إعادة ترتیب العلاقات الدبلوماسیة معھا، واضعة نصب أعینھا إجتماع مجموعة “السبعة الكبار” المقبل، الأمر الذي زاد من شعور بكین بالإحباط. ویجري العمل على میثاق لمنطقة الھند والمحیط الھادي، وھو آخذ في التشكل كخیار یكسب تأیید أعداد متزایدة، خاصة داخل الولایات المتحدة والھند وأسترالیا والیابان. وتبدو الدول الأربعة المشاركة في “الحوار الأمني الرباعي” عناصر مثالیة لإطلاق مثل ھذا الخطوة، مثلما كانت بریطانیا والولایات المتحدة فیما یخص “المیثاق الأطلسي”.

وفي الوقت الذي تعتبر الدول الأربعة الأعضاء في “الحوار الأمني الرباعي” أنظمة دیمقراطیة، فإن المیثاق المقترح یمكن بمرور الوقت أن یضم دولا مثل فیتنام وجنوب أفریقیا. في الواقع، تتیح ھذه الأزمة فرصة سانحة أمام الإدارة الأمیركیة لصیاغة العلاقات القویة التي تربطھا بالھند، والتي كانت واشنطن تتوق إلیھا منذ أكثر من عشرین عاما، بدءا بالعمل على إنھاء النزاع بشأن الرسوم الجمركیة الذي بدأ بجھود الإدارة الأمیركیة غیر المدروسة جیدا، بھدف تخفیف الضغوط على العجز التجاري الأمیركي مع الصین. وعلى الصعید العسكري، دعوة الحكومة الھندیة، ذات الطموحات البحریة الكبیرة، إلى المشاركة الكاملة في المناورات والتدریبات البحریة التي تُنظم مرة كل عامین في میاه المحیط الھادي. وینبغي للعلاقات القویة التي تجمع الولایات المتحدة بالحكومة الھندیة أن تشكل جزءا لا یتجزأ من استراتیجیة أكبر معنیة بالمجریات والتطورات الراھنة في تلك المنطقة. كما ینبغي على الولایات المتحدة مواصلة إستكشاف طرق الإقتراب والعمل الوثیق مع تایوان، مع تطبیق كامل للعقوبات الاقتصادیة المناسبة على الحكومة الصینیة بسبب الإجراءات القمعیة التي تتخذھا في ھونغ كونغ، والعمل على إستمرار دوریات الحریة الملاحیة في بحر الصین الجنوبي. وتحتاج الولایات المتحدة في ذلك إلى بناء كتلة قویة من البلدان الممانعة لاستعراض القوة العسكریة والاقتصادیة من جانب بكین، ولا تشتمل تلك الكتلة الممانعة على الھند فحسب، وإنما الیابان، وكوریا الجنوبیة، وأسترالیا، وسنغافورة، وشركاء دولیین آخرین

العهد الاخباري

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا